روايات وقصص

نبضات بين الوجدان ج3

الكاتبه شيماء عصمت

ثم ابتعد عنها بعنف قائلًا باختصار: المقابلة انتهت، برة!

وكأنه يملك المكان ليطردها ذلك الـ…

كانت تركض بسرعة مهولة وصوت لهاثها يصم أذنيها، وصلت لسيارته فجلست في المقعد الخلفي ثم أمرت السائق بالانطلاق والعودة إلى المنزل.

أرادت وبشدة التنفيس عما يعتمل بصدرها، ابتلعت غصة مسننة تكاد تخنقها، وبصعوبة بالغة منعت نفسها من الانهيار والبكاء، فأكيد لا تريد أن تبدو كالمجانين أمام السائق الذي يرمقها بقلق وارتباك.

تنفست لتين بعمق وأخرجت هاتفها تطلب طبيبتها النفسية غادة قائلة: إزيك يا دكتورة غادة، أنا أسفة إني بكلمك في وقت متأخر زي دة.

أجابتها الأخيرة بصوت ودود: أهلًا بيك في أي وقت يا لتين، أنا موجودة في أي وقت تحتاجيني فيه.

هتفت لتين بصوت خرج مرتعشًا رغمًا عنها: أنا عارفة إن الجلسة بتاعتي فاضل عليها كام يوم، بس أنا محتجاكي ضروري، ينفع تحدديلي ميعاد قريب؟

أجابتها بتأييد: تمام يا حبيبتي، هشوف مواعيدي وأبلغك بأقرب وقت.

هتفت لتين بامتنان: متشكرة جدًا يا دكتورة.

أغلقت هاتفها وزفرت بارتياح، وانتبهت لصوت السائق: وصلنا يا هانم.

همست تشكره وترجلت خارج السيارة ودلفت داخل البناء، كان الصمت يحيط المكان فتنفست بخوف، ثم توجهت لشقة حمويها لتأخذ الفتاتين.

دقت على الباب بهدوء فأتاها صوت تقى تطالبها بالانتظار قبل أن تفتح الباب على مصرعيه قائلة بترحيب صادق: أهلًا يا لتين، اتفضلي.

شكرتها لتين بابتسامة باهتة: شكرًا يا تقى، بس الوقت اتأخر ومحتاجة أنام، ممكن تندهيلي الباب، معلش هتعبك معايا.

أجابتها تقى بابتسامة مشفقة: تعبك راحة يا حبيبتي، ثواني وأجبلك البنات.

أومأت لتين موافقة، فانسحبت تقى للداخل تأتي بملك وعائشة، إلا أن حنان منعتها بإصرار قائلة بصوت عالٍ وصل لمسامع لتين: حفيداتي هيباتوا معايا، اطلعي قولي لمرات أبوهم الكلام دة.

عقدت لتين حاجبيها بألم وكأن حنان قد صفعتها للتو، ولكنها لم تستطع الرد، فقط من أجل شعيب، ثم خالها سالم.

وبالداخل

هدر سالم بغضب: حنان، ميصحش الكلام دة، خلي البنات تطلع مع لتين، وبلاش تعملي مشاكل.

ناطحته بعند: لا، البنات هتفضل معايا، الله أعلم هي ممكن تعمل فيهم إيه.

هتف سالم بحنق: يا الله يا ولي الصابرين، تقى، خدي ولاد أخوك وطلعيهم لبنت عمتك، واعتذري ليها بالنيابة عني.

أومأت تقى موافقة وأسرعت بإخراج الفتاتين اللتين أسرعتا باتجاه لتين التي…

كان يدور بغرفة الحجز كأسد حبيس، نظراته تنذر بالخطر وخصلاته مبعثرة بعشوائية، كيف أتتها الجرأة وذهبت إليه؟ كيف تذهب إلى عماد بكامل إرادتها؟!!!

زمجر بغضب عاصف وكلام نورا يتردد بذهنه دون توقف، لم ولن يصدق تلك الأفعى!

ولكن الصور بتاريخ اليوم وزوجته كانت ترتدي نفس الملابس التي تركها بها صباح اليوم.

أغمض جفونه بعنفوان وهو يتخيل نظرات عماد إليها، كلامه معها، شعوره بوجودها.

اللعنة، يريد رؤية زوجته في التو والحال، لن يسامحها على ذهابها لهذا الشخص، لن يسامحها أبدًا.

همس بقسوة تشعلها نار غيرته: مش هسامحك يا لتين، مش هسامحك أبدًا على مرواحك لحد عنده، على خروجك من دون إذني، على ثقتي اللي كسرتيها، أبدًا مش هسامحك.

عودة لشقة سالم مهران

صرخ سالم بتعنيف: حنان، لمي الدور، أنت زودتيها أوي وأنا ساكتلك من بدري، فاتقي الله عشان كما تدين تدان، وأنا مش عايز بنتي تدفع تمن أغلاطك.

همست حنان بشحوب: أنا عملت إيه؟ أنا بس خايفة على البنات، دة جزائي؟

هدر بسخط: أنت مش خايفة عليهم، أنت عايزة تحرقي دم مرات ابنك مش أكتر، أنت معملتيش احترام ليا، معملتيش حساب إنها بنت أختي وهزعل على زعلها، معملتيش حساب لغيبة ابنك وحرمة بيته اللي المفروض تصونيها مش تهينيها! شغل الحموات اللي بتعمليه ده مش من مقامك يا حنان، عيب، فين عقلك اللي كان يوزن بلد؟ غيرتك على ابنك نستك كل حاجة ولا إيه؟

هتفت باعتراض: أنا مش غيرانة عليه، ماهو كان متجوز قبل كدة وزهرة كانت أكتر من بنتي، كل الحكاية إن لتين…

قاطعها بكمد: لا، غيرانة يا حنان، عشان عارفة ومتأكدة إن شعيب بيعشق لتين، ودة اللي قلقك، خايفة تخطفه منك وتبعده عننا، بس دة لا يمكن يحصل، لأن ابنك عاقل يا حنان، عاقل وعارف ربنا، ولو فضلتي بتعاملي لتين بالطريقة دي، قلبه هيشيل منك حتى لو ما اتكلمش، بس تلقائي هتلاقيه بيبعد عنك، فيا حنان خليك زي اسمك، وحني على البت الغلبانة اللي الدنيا مبهدلاها، وبدل ما تبقي معاها أنت كمان ضدها، من لا يرحم لا يرحم.

ثم اندفع خارج الغرفة تاركًا حنان وحدها تفكر فيما قاله، شاعرة ببعض الندم!!!

في شقة شعيب

هتفت عائشة بتساؤل حزين: ماما، هو بابا مش هييجي؟ هو خلاص هيفضل مع البوليس ويدخل السجن؟

شهقت لتين بألم قائلة: بعيد الشر عنه، بابا بإذن الله هيطلع بالسلامة، في سوء تفاهم بسيط هيتحل ويجي علطول.

هتفت ملك بيأس: بس عمو، وبما إن بابا معملش حاجة، فإن شاء الله هيخرج قريب جدًا. صمتت قليلًا ثم أكملت بحماس: إيه رأيكم نقوم نتوضى ونصلي وندعي لبابا يخرج بالسلامة في أقرب وقت؟

هتفت عائشة دون ممانعة: خلينا نصلي يا ماما، وربنا هيستجيب لدعانا عشان إحنا بنحبه أوي.

خلال دقائق كانوا قد انتهوا من الوضوء ويقفون بخشوع يؤدون صلاة الحاجة، ولتين تدعي بتضرع للمولى عز وجل.

اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم نبي الرحمة، يا محمد إني أتوجه بك إلى ربي في حاجتي هذه فتقضى وتشفعني فيه وتشفعه في، اللهم إني أسألك أن تفرج كرب زوجي وتيسر لي أموره وتوسع له رزقه يا كريم، فإنك قادر على كل شيء، اللهم سخر لزوجي رزقه واعصمه من الحرص والتعب في طلبه ومن شغل الهم ومن الذل للخلق، اللهم يسر له وفرج همه وعجل له به يا نعم المجيب.

وكان الله عز وجل سميع الدعاء سريع الاستجابة.

ففي صباح اليوم التالي، بعد سماع النيابة لأقوال المجني عليه عماد توفيق مهران، بعدما اعترف بأنزلاق قدميه بسبب عدم انتباهه وعدم تدخل ابن عمه شعيب سالم مهران في إصابته سواء من قريب أو من بعيد، أصدرت النيابة العامة خروج المتهم شعيب سالم مهران من سرايا النيابة بضمان محل إقامته.

ورغم استغراب الأخير من أقوال عماد، فقد كان على يقين بأنه سيتهمه لا محالة، ولكنه لم يهتم، فقط أسرع بالعودة إلى منزله، ولكن عاد بمشاعر متضاربة وغضب مكبوت وغيرة حارقة!

أول من رآه كانت والدته التي صرخت بابتهاج وارتمت بين ذراعيه تبكي لوعتها وقلقها الذي نهشها دون رحمة.

تجمهر الجميع حوله بحبور وسعادة جمة عدا زوجته وبناته، وبين مباركات وأسئلة كثيرة لم تنته، هتف الجد مهران: بس كفاية شعيب، أكيد تعبان وحابب يرتاح، وكمان يطمن على مراته وبناته.

أومأ الجميع موافقًا، فقال الجد: اطلع ارتاح يا ابني وطمن أهل بيتك.

استقام واقفًا مودعًا الجميع، وبخطوات واثقة اتجه إلى شقته، وزفر بضيق وهو لا يجد مفتاح شقته.

قرع الباب بقوة فأجفلت تلك النائمة تتوسط ملك وعائشة، ثم انسحبت بقلق تجاه الباب وقلبها ينبض باضطراب قائلة بهمس: مين؟

هذا الضعف الذي تسلل إلى قلبه كمرض خبيث وهو يسمع صوتها بعد غياب يوم مر عليه كالدهر جعل غضبه يزداد أضعافًا، فأجابها بصوت خشن قاسٍ: شعيب.

ومن لهفتها لم تنتبه لقسوة صوته، فقط فتحت الباب على مصراعيه.

فقط أبعدها عنه بجمود ودلف للداخل، فاستقبلته ملك وعائشة بسعادة بالغة، تاركًا لتين تشعر بالبرودة وكأنها تقف بين سيول ثلجية!!!

أغلقت الباب ووقفت خلفه تراقب لبناته بدفء افتقدته، ولوهلة شعرت بالغيرة من الصغيرتين، ولكنها نفضت هذا الشعور واقتربت منه تضع يديها على كتفه قائلة برقة: أحضرلك الحمام.

نفض يديها بقسوة فرمقته بذهول قائلة: شعيب!!!!

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى