
لم أكن أتخيل أن حياتنا ستنقلب رأسًا على عقب بسبب جلسة تمنيت فيها أن أستعيد بعضًا من ذكرياتي القديمة مع زوجي، وأن أشعر للحظات بأننا ما زلنا ذلك الزوجين اللذين جمعتهما سنوات طويلة من المودة والعشرة.
كنت قد بدأت أتعافى، وإن لم أستعد كامل قوتي بعد، وفي أحد الأيام جلست مع حامد نتحدث عن أيامنا الأولى، حين كنا نصعد إلى سطح المنزل في المساء، ونقضي ساعات نتبادل الحديث والضحكات بعيدًا عن ضجيج الحياة ومسؤولياتها.
اشتقت إلى تلك الأيام، إلى بساطتها ودفئها، وإلى شعوري بأن زوجي لي وحدي، قبل أن تتوزع أيامه بين البيتين والأطفال والمسؤوليات. نظرت إليه وقلت بابتسامة هادئة:- حامد، إيه رأيك نطلع السطح النهارده؟ وحشتني قعدتنا القديمة، بقalना كتير ما قعدناش هناك زي زمان.
ابتسم لي، وكأنه هو الآخر تذكر تلك أيام، ثم قال:- طبعًا يا حبيبتي، يلا بينا. والله أنا كمان وحشتني قعدتنا دي. نهضت ببطء، لكنه ما إن لاحظ أنني أتحرك بحذر حتى اقترب مني وأمسك بيدي.
براحة يا أمل، إنتِ لسه تعبانة، مش عايزك تتعبي نفسك. ضحكت وأنا أطمئنه:- أنا بقيت أحسن يا حامد، متقلقش عليَّ كده. لكن ما إن وصلنا إلى السلم حتى شعرت بدوار مفاجئ، واختل توازني وكدت أسقط، لولا أنه أمسك بي سريعًا، ثم حملني بين ذراعيه وهو يقول بفزع:- إنتِ اتجننتي؟
مش قولتلك براحة! لو كنتِ وقعتي كان حصلك إيه؟ أحطت عنقه بذراعيَّ، وقلت بخجل:- خلاص يا حبيبي، أنا آسفة، والله ما كنت أقصد. لم يُجبني، بل تابع صعوده وهو يحملني حتى وصلنا إلى السطح، ثم أنزلني برفق في مكاننا القديم، حيث اعتدنا الجلوس قبل أن تتغير حياتنا.
لم ننتبه إلى أن يسريّة، التي كانت تقف عند شرفة شقتها، قد رأتنا ونحن نصعد. راقبت حامد وهو يحملني، ثم عقدت حاجبيها، وظلت تنظر إلينا حتى اختفينا خلف باب السطح. وبعد لحظات، صعدت خلفنا دون أن نشعر بوجودها. أما نحن، فقد كنا غارقين في ذكرياتنا.
جلس حامد بجواري، وأمسك بيدي، ثم ظل ينظر إلى وجهي طويلًا قبل أن يقول بصوت امتزج فيه الندم بالحنين:- تعرفي يا أمل، أنا بقالي فترة طويلة عايز أتكلم معاكي، بس كل مرة كنت بسكت، ومش عارف أبدأ كلامي منين.
التفتُّ إليه باستغراب، فتابع:- أنا عارف إني بقالي سنتين مقصر معاكي، وباجى عليكي كتير. والأصعب من ده إني حتى ما حاولتش أبررلك أو أعتذرلك عن تقصيري. كنت شايفك بتعملي كل حاجة من غير ما تتكلمي، وكنت فاكر إن سكوتك معناه إنك مش زعلانة.
انخفضت عيناي، وشعرت بغصة في حلقي، لكنه شد على يدي وأكمل:- كنت واخد بالي من كل حاجة يا أمل. كنت شايفك وإنتِ واقفة جنب يسريّة كأنك أختها، بتراعيها وبتراعي ولادها، وبتعملي كل اللي تقدري عليه عشان ما تحسسينيش إن فيه أي تقصير من ناحيتها، وعشان أفضل مرتاح ومبسوط.
كنتِ بتشوفي تعبي وفرحتي بولادي، وبتحاولي تخليني أعيش كل لحظة كنت محروم منها، حتى لو ده كان على حساب راحتك إنتِ. حاولت أن أقاطعه، لكنه تابع حديثه وكأنه يحمل كلمات حبيسة منذ سنوات.- استحملتي بُعدي عنك، واستحملتي إني أبقى مشغول بولادي، اللي كنت محروم منهم طول عمري، من غير ما تتذمري ولا يوم.
بالعكس، كنتِ إنتِ اللي بتفرحي لفرحتي، وإنتِ اللي بتفكريني أروح أشوفهم لما أكون مشغول. ولا مرة حسستيني إنك متضايقة، ولا مرة حاولتي تمنعيني عنهم، حتى لما كنتِ محتاجة لوجودي جنبك. سكت لحظة، ثم رفع يدي إلى شفتيه وقبّلها، وقال:- وأنا كل ده شايلهولك يا أمل، ومخليكي أغلى واحدة على قلبي.
يمكن قصرت في حقك، ويمكن اتعودت على عطائك لدرجة إني ما بقيتش شايف حجم اللي بتعمليه، لكن عمري ما نسيت إنك إنتِ اللي اخترتي يسريّة بنفسك عشان تفرحيني، وإنك إنتِ اللي كنتِ السبب في إن ربنا يرزقني بولادي.
بس ده كله ما يدينيش الحق إني أنسى إن ليكي حق عليَّ، وإنك مش مطالبة تفضلي تضحي طول عمرك عشان تسعديني. لم أتمالك دموعي، فقد كنت أنتظر أن أسمع منه بعض هذه الكلمات منذ زمن، لا لأنني أريد منه مقابلًا لتضحياتي، بل لأنني كنت أحتاج أن أعرف أنه يراها، وأنها لم تمر في حياته وكأنها أمر مفروغ منه.
قلت بصوت مرتجف:- أنا عمري ما ندمت إني اخترتلك يسريّة يا حامد، ولا ندمت إني وقفت جنبك. أنا كنت بعمل كل ده عشان بحبك، وعشان كنت عايزة أشوفك أب وتعيش الفرحة اللي اتحرمت منها. بس ساعات كنت بتعب، وكنت ببقى محتاجة أقعد معاك، أتكلم معاك، أحس إنك لسه شايفني زي زمان.
اقترب مني، وضمني إلى صدره وهو يقول:- وأنا آسف يا أمل. آسف على كل مرة كنتِ محتاجاني فيها وماخدتش بالي، وعلى كل مرة افتكرت إنك قوية ومش محتاجة حد يسندك. من النهارده، مش هسيبك تشيلي كل حاجة لوحدك، ومش هسمح إنك تهملي نفسك تاني عشان أي حد، حتى لو كان أنا.
أغمضت عينيَّ وأنا أستند إلى صدره، وشعرت للمرة الأولى منذ وقت طويل أن شيئًا من الطمأنينة عاد إلى قلبي. لم أكن أطلب منه أن يبتعد عن أولاده، ولا أن يهمل يسريّة، بل كنت أريد فقط أن أستعيد مكاني في حياته، وأن أتأكد أن محبتي وتضحياتي لم تجعلانني مجرد شخص يعتمد عليه الجميع ثم ينسون احتياجاته.
لكننا لم نكن وحدنا كما ظننا. فجأة، سمعنا صوت خطوات سريعة، ثم ظهرت يسريّة أمامنا، ووجهها محتقن بالغضب، وعيناها تنتقلان بين حامد الذي كان يحيطني بذراعه، وبيني وأنا جالسة إلى جواره. قالت بصوت مرتفع:- إيه اللي بيحصل هنا ده؟! ابتعد حامد قليلًا، ونظر إليها بدهشة.- في إيه يا يسريّة؟
إنتِ طلعتي هنا إمتى؟ ضحكت بسخرية، ثم أشارت إليَّ قائلة:- يعني أنا اللي المفروض أسألك في إيه؟! إنتوا قاعدين لوحدكم فوق، وحاضنها وبتقولها كلام حب وغرام، وأنا تحت مع عيالك شايلة الهم كله! هو أنا بقيت إيه في حياتك يا حامد؟!




