
بلعت ريقي بصعوبة بالغة وأنا ماسكة التليفون بإيد بتهتز، وسألته بصوت مكتوم:
ـ إفادة إيه يا فندم؟ أنا عملت إيه عشان أروح جهة تحقيق أو أتحقق معايا؟
رد الضابط بصوت رسمي وجاد:
ـ أخوكِ محمود مقدم إفادة رسمية ضدك، بيذكر فيها إنك استغليتِ مرض والدتك وعدم قدرتها على الحركة، وتعاملتِ مع أوراق ومستندات تخص أملاكها بطريقة غير مناسبة، وبتديري شؤونها المالية بشكل يخصك دون اتفاق واضح.
حضرتك لازم تشرفينا النهاردة الساعة عشرة الصبح في مقر التحقيق عشان الأقوال.
قفلت التليفون وأنا حاسة إن الدنيا بتلف بيا. الإفادة دي مش مجرد خلاف على أوراق، ده انكسار في ضهري من أخويا اللي المفروض يكون درعي وسندي. دخلت لأمي وأنا منهارة، وحكيت لها على كل كلمة قالها الضابط.
أمي فضلت تلطم على وشها وهي بتعيط بحرقة:
ـ يا نهار أبيض! أخوكِ اتجنن رسمي! عايز يحملني أنا وإنتِ مسؤولية عشان ياخد تعب أبوه!
بس متخافيش يا سلمى، أنا هقوم معاكي، هروح على كرسيّ المتحرك وأشهد قدام الدنيا كلها إن كل حاجة هنا بإرادتي، وإني أنا اللي ادتك الورق والمفتاح بنفسي!
مسكت إيديها وبوّستها وأنا بمسح دمعها وقلت بقوة وثبات عمر ما حسيتهم قبل كده:
ـ لا يا أمي، مش هخليكي تتحركي من مكانك ولا تتعبي نفسك في مكاتب الحكومة والتحقيقات، أنا هروح لوحدي، وهواجه محمود في قلب مقر التحقيق، وهعرفه إن سلمى اللي سكتت كتير مابقيتش تخاف!
جهزت نفسي ونزلت، ركبت تاكسي وطول الطريق قلبي كان بيدق بسرعة، بس جوّايا نار بتأكل أي خوف. وصلت مقر التحقيق، دخلت وطلبت مقابلة الضابط المسؤول. بعد إجراءات وتحقيقات أولية، دخلت مكتب النقيب هشام، ولقيت محمود وقاعد جنبه أختي نهى بكل برود وصلف، وأول ما شافوني، محمود بص للضابط وقال بصوت كله تمثيل ودعم للموقف:
ـ أهي يا سيادة المحقق.. دي أختي، استغلت إن الست الكبيرة تعبانة ومابتتحركش، وأخذت منها مفاتيح دولابها وأوراق ملكية شقتها والمحل التجاري بتاعي أنا وأخواتي، وعايزة تطردنا بره ميراث أبونا!
بصيت لمحمود نظرة حسرة وقرف، وبعدين بصيت للضابط وقلت بصوت هادي وثابت جداً:
ـ حضرتك سامع سيادة اللواء.. أو سيادة النقيب.. الأستاذ محمود بيقول إن الشقة والمحل ملك أبويا وميراث للجميع.. ثواني بعد إذنك يا فندم.
طلعت من شنطتي حافظة أوراق بلاستيكية كنت حاطة فيها نسخة مصورة من عقود المحل الأصلية، وورقة التسجيل العقاري، وصورة من العقد العرفي الموثق بخط إيد أبويا الله يرحمه، وحطيتها على مكتب الضابط.
كملت كلامي وأنا باصة لمحمود اللي لونه خطف وبدأ يوتر:
ـ المحل ده مش ميراث يا سيادة النقيب.. المحل ده تمليك خاص بيا أنا، بأوراق رسمية موثقة في الشهر العقاري من ست سنين، ومكتوبة باسمي كتعويض عن خدمتي لأبويا وأمي، ولأن الأستاذ محمود والأستاذة نهى من ساعة ما أمي تعبت مابيعرفوش طريق البيت غير لما بيكونو طمعانين في حاجة!
والشقة نفسها باسم أمي، ومفيش أي قانون في الدنيا يمنع أمي تدي حاجتها أو تقعد بنتها معاها في بيتها!
الضابط مسك الأوراق، وبص فيها بتفحص، وبعدين رفع عينه لمحمود وسأله بحدة:
ـ إنت بتقول إنها أخذت أوراق تخصكم، والأوراق دي تثبت إن المحل مسجل باسم أختك والعقود رسمية ومن سنين؟ إنت بتلعب بيا ولا إيه يا إستاذ؟ إنت جاي تقدم إفادة غير دقيقة؟
محمود اتصدم، وبص لنهى بتوهان، وبدأ يتجلجل في الكلام:
ـ لا.. قصدي.. أصل.. أصل الورق ده اتعمل بالضغط.. الست الكبيرة كانت مخرفة!
ضرب الضابط على المكتب وقال بصوت عالي:
ـ إحنا هنا مبنلعبش! الإفادة دي لو اتحولت للجهة المختصة بتهمة الإفادة غير الدقيقة ومحاولة التضليل، إنت اللي هتقع في مشكلة كبيرة! اخرجوا بره دلوقتي، واتصالحوا بره مقر التحقيق أحسن لكم!
خرج محمود ونهى من مقر التحقيق وهما بيجروا زي الخايبين، وشوشهم سودا من الفضيحة والطمع اللي اتقفش في وشهم.




