
عارفك، وأنا دلوقتي هتصل بجدي وأعرف هما فين بالظبط، وهروحلهم وأطمنك بإذن الله.
أومأت موافقة وكأنه يراها، ثم أغلقت الهاتف وانضمت لوالدتها التي لم تتوقف عن البكاء.
أما مازن فسأله عماد بقلق: خير يا مازن، في حاجة حصلت؟ طمني!
رمقه مازن بشك قبل أن يقول: شعيب والبوليس قبضوا عليه.
صاح عماد بذهول: إيه؟ اتقبض عليه؟
ليه عمل إيه شعيب؟
أجابه مازن.
ابتلع عماد ريقه الجاف قائلًا: مش مهم الكلام ده دلوقتي، أنت تروح للقسم اللي فيه شعيب وتبلغ وكيل النيابة بإني عايز أقول أقوالي، خلي الليلة اللي مش باينلها ملامح دي تنتهي، أنا تعبت.
أومأ مازن موافقًا وخرج من المستشفى مسرعًا قاصدًا مركز الشرطة.
هتف وكيل النيابة بنبرة عملية بعدما أشار له بالجلوس: اسمك وسنك وعنوانك؟
أجابه شعيب بثبات: شعيب سالم مهران، 30 سنة، ساكن في…
وكيل النيابة: أيه أقوالك في التهمة المنسوبة إليك؟
هتف شعيب بهدوء شديد: أنا لحد دلوقتي مش عارف أنا هنا ليه وعشان مين.
أجابه وكيل النيابة: أنت متهم بدفعك للمجني عليه عماد توفيق من على السلم بغرض الإضرار به.
هتف شعيب بنفي قاطع: محصلش، واليوم اللي حصلت فيه الحادثة كان يوم خطوبة أختي في بيت العيلة، وكلنا كنا معاها، واتفاجئنا باللي حصل لابن عمي.
بعد عدة أسئلة طرحها وكيل النيابة، أمر بحجز المتهم شعيب سالم مهران أربعة أيام على ذمة التحقيق.
خرج شعيب من غرفة وكيل النيابة وبجواره عسكري الشرطة.
اقترب منه سالم بلهفة: خير يا شعيب، إيه اللي حصل جوة يا ابني؟
أجابه شعيب بثبات: خير بإذن الله يا حاج، أطمن، في سوء تفاهم وهيتحل إن شاء الله، المهم ابعتلي أستاذ رشوان المحامي، وخد جدي وعمي وروحوا، وجودكم هنا غلط، مش من قيمة عيلة مهران.
قال الجد مهران: أطمن يا شعيب، رشوان جاي في الطريق، وطمني، متقلقش.
شعيب: خليها على الله يا جدي.
قاطعهم العسكري: يلا يا متهم.
أومأ شعيب موافقًا بهدوء، هدوء تشبث به بقوة حتى لا يفقده.
هتف سالم بوجل: أبني هيتحبس!!!
في نفس الوقت وصل مازن لمركز الشرطة وتفاجأ بمظهر سالم المزري، اقترب قائلًا بلهفة: عمي، حضرتك كويس؟
مهران: أسند عمك يا مازن لحد العربية، شكله الضغط عليه.
أومأ مازن موافقًا، وبالفعل ساعد سالم حتى وصل للسيارة وأجلسه في المقعد الخلفي قبل أن يقول لوالده: أنا لازم أقابل وكيل النيابة، عماد عايز يقول على اللي حصل، وأن شعيب ملهوش علاقة باللي حصله.
هتف توفيق بلهفة: بجد يا مازن؟
أومأ مازن موافقًا: بجد يا بابا، ودلوقتي لو سمحت روح أنت وعمي وجدي، وأنا هحل الموضوع ده بإذن الله.
تجمعت نساء العائلة في شقة الجد مهران.
كانت لتين تدور حول نفسها بتيه، تبدل حالها إلى النقيض في بضعة دقائق، كانت بين ذراعيه تنعم بحنانه ورقته، ولكنهم كالعادة يسلبونها كل ما يحييها!!
صرخت بقهر ودموعها تنهمر بانهيار، اقتربت منها فوزية قائلة بتأثر: وحدي الله يا بنتي، بإذن الله يكون سوء تفاهم مش أكتر، وكلها ساعة ولا اتنين وشعيب يرجع مع…
صرخت حنان بكره وهي تبكي: كله من تحت راسك، كانت جوازة الشؤم والندامة، حسبي الله ونعم الوكيل فيك، لولا الجوازة المنيلة دي كان ابني زمانه كله بسببك، منك لله منك لله.
هتفت تقى برجاء: ماما، اهدي لو سمحت، مينفعش كده.
أزاحتها حنان بانفعال واقتربت من لتين تصيح بتوعد: وعزة وجلالة الله، ابني لو بات ليلة واحدة في الحجز لكون مطينة عيشتك، كفاية بقي، أنت عايزة منه إيه؟ مش كفاية اللي شافه بسببك زمان؟ مش كفاية دبستيه فيك واتجوزك واتحرم يجيب ابن يشيل اسمه؟ مش كفاية معاشرتك السودة يا…
قاطعتها لتين وهي تصرخ بشراسة: بس كفاية لحد كدة يا مرات عمي، ومش هاسمحلك لا أنت ولا غيرك تغلطوا فيا، وشعيب ابنك اتجوزني وهو عارف إني مبخلفش، لا غشيته ولا خدعته، وكون إني بخلف أو لا، ده شيء لا يخصك ولا يخص غيرك، دي حاجة تخصني أنا وجوزي وبس، وأظن ابنك مش صغير عشان أدبسه.
كانت حنان على وشك الاعتراض، ولكن لتين هتفت بنفي قاطع: لو سمحت، مش عايزة أسمع ولا كلمة، أنا لحد دلوقتي ماسكة نفسي عشان حضرتك مرات عمي أولًا وأم شعيب ثانيًا، غير كدة كان هيبقى ليا كلام تاني، كلام يوجع يا مرات عمي زي ما بتوجعيني.
فوزية: لتين، مرات عمك أكيد…
صاحت لتين بجنون: أنا مش عايزة أسمع حاجة، مش عايزة، حسوا بيا بقى، أنا واحدة جوزي اتقبض عليه من وسط بيته، خدوه، لا مهتمة بكلامكم ولا باللي بتقولوه، أنا عايزة جوزي وبس، عايزة شعيب، عايزة شعيب.
أما حنان فابتلعت ريقها بصعوبة وجلست تتنفس ببطء وهي تلاحظ نظرات صباح العنيقة الموجهة إليها.
رغم ارتجاف قدميها رعبًا، ولكنها ادعت الثبات، وبخطوات متعثرة اتجهت للغرفة المخصصة لشقيقها عماد، وكعادتها دلفت دون استئذان.
انتبه الأخير لصوت حذائها ذو الكعب العالي، فتح عينيه يتطلع حوله حتى وقعت أنظاره عليها، وارتسمت كل معالم الإجرام على ملامحه، كانت كعادتها متأنقة بل شديدة التأنق، ورغم ذلك لم يرها سوى مشعوذة بشعة الملامح، وكأن أعمالها السيئة طبعت على ملامحها.
اقتربت تجلس بثقة لم تمتلك منها ذرة على المقعد المجاور لفراشه، تضع ساق فوق الأخرى قائلة: حمدلله على سلامتك يا عماد.
أصدر صوتًا من حنجرته وكأنه يسخر منها، فأكملت دون تعبير: أنت أكيد عارف إني مكنتش أقصد أوقعك.
رمقها بذهول مصطنع قبل أن يقول: طبعًا، أومال.
هتفت نورا بصدق: صدقني أنا مكنتش قصدي أوقعك، أنت مهما كان أخويا، وأكيد متهنش عليا.
وضع كفه على قلبه بتأثر مسرحي ولم يجبها.
اهتزت يديها بارتباك، فأسرعت بقسوة وأظافرها تجرح باطن يديها، ولكنها لم تهتم.
قال عماد: بلاش لف ودوران يا نورا، لم تتوقعه بلغتي عن شعيب ليه يا نورا؟
رمقته بذهول قبل أن تنفجر ضاحكة: أنت مش معقول، عرفت إزاي؟
أجابها بثبات: من أول ما مازن بلغني إن شعيب اتقبض عليه، بس بصراحة كنت متوقع إنك تلبسيها للتين مش لشعيب حبيب القلب.
نورا بمكر: ماهو عشان حبيب القلب لازم يدوق ناري قبل ما يدخل جنتي، وزي ما أنت عارف لتين ضعيفة، ومن غير شعيب أضعف، وهقدر أضرب ضربتي من خلالها.
عماد: ناوية على إيه يا نورا؟
أجابته ببساطة: ناوية على كل خير يا قلب أختك، لتين هترجعلك، وشعيب هيبقى ليا، ويا دار ما دخلك شر.
التصقت عيناه ببريق شيطاني، أخبرها بأنها قد وصلت لمبتغاها، وعماد عاد كما كان جنديًا في لعبة الشطرنج خاصتها.
هتف عماد بتساؤل: هتعمليها إزاي؟
أجابته بمكر: قصدك هتعمل إيه؟ الكورة دلوقتي في ملعبك، اسمع يا سيدي.
أخذت تشرح له خطتها تحت نظراته المذهولة.
وبعدما انتهت من سرد مخططاتها استقامت واقفة قائلة بثبات: ودلوقتي لازم أمشي، عندي مشوار مهم لحد القسم، سلام يا عمدة.
في غرفة وكيل النيابة هتف المحامي رشوان، محامي عائلة مهران: متقلقش يا شعيب باشا، مفيش أي دليل ضد سعادتك، وبمجرد ما عماد بيه يقول أقواله اللي أكيد في صالحك زي ما مازن بيه بلغني هتخرج بالسلامة.
تساءل شعيب بوجوم: ولو عماد بلغ إني أنا اللي زقيته، أيه اللي هيحصل؟
أجابه رشوان بارتباك: وقتها للأسف هتفضل في الحجز لغاية جلسة المحكمة.
شرد شعيب في أفكاره، وقد بدأت الخيوط تتشابك ليستنتج أشياء لم تكن في الحسبان.
قال شعيب بنبرة آمرة: مش عايز حد يعرف مين اللي بلغ عني، مفهوم يا متر؟
أومأ رشوان موافقًا قبل أن يستقيم واقفًا قائلًا بعملية: بكره الصبح النيابة هتكون أخدت أقوال عماد بيه، وإن شاء الله بكره تخرج بالسلامة، وبردو هعمل شغلي والإجراءات اللازمة عشان لو حصل أي جديد، وبالمناسبة نورا بنت عم سيادتك طلبت تشوفك لوحدها في زيارة، وأنا بلغتها إني هسألك، ولو حضرتك وافقت نص ساعة أو أكتر وتكون موجودة لمقابلتك يا باشا.
عقد شعيب حاجبيه باستغراب قبل أن يقول: تمام يا متر، بلغها إني عايز أشوفها، وياريت لو تبلغ مازن بكل جديد وتخليه يروح، مفيش داعي لوجوده.



