روايات وقصص

نبضات بين الوجدان ج1

الكاتبه شيماء عصمت

الفصل الأول

تحاملت على نفسها، وبصعوبة بالغة زحفت على الأرضية الرخامية كي تصل إلى غرفتها، تحتمي بها منه، وتجد فيها بعض الأمان الذي حُرمت منه من قبل من اعتبرته نصفها الآخر: عماد، زوجها.

كانت تبكي بكاءً هستيريًا دون صوت، فقط أنين خافت يصدر عنها، وجسدها يرتجف بطريقة موحشة، جسدها المشبع باللون الأزرق القاني، ووجهها به بعض الخدوش.

لا تعلم كم مرّ عليها من المرات التي عاشت فيها تلك التجربة القاسية، تشعر وكأنها في حلقة مغلقة لا تستطيع الخروج منها.

أحشاؤها تحترق كلما اقترب منها ألم، لم يكتفِ بمعاملته البالغة السوء معها، لم يكتفِ بالإساءة إليها وتقليل احترامها، لم يكتفِ بتقويض ثقتها بنفسها.

ألا متى ستعيش تلك الحياة؟!

ذلك السؤال الذي صرخا به عقلها وقلبها في آن واحد، قبل أن ينقطع شرودها عندما استمعت لصوت الباب يفتح، وخطواته الغليظة تقترب منها.

أغمضت لتين جفونها بإرهاق، وأرغمت نفسها على كتم شهقاتها، ثوانٍ مرت كالساعات عليها، قبل أن تشعر بثقل جسده على الفراش بجانبها.

دقائق مرت وجسدها متخشب رعبًا واشمئزازًا منه، لا تعلم كم مرّ عليها من وقت وهي هكذا، أو حتى متى غفت!!

في صباح اليوم التالي

استيقظت لتين ككل صباح، تنهض من فراشها دون رغبة للحياة، فقط جسد بلا روح، فقد بهتت روحها بكسرة قلبها وانتهاك كرامتها مرارًا وتكرارًا، وكأن الألم وجد لها دون غيرها.

بخطوات متهالكة اتجهت إلى المطبخ تحضر وجبة الإفطار.

كانت شاردة، فقد سئمت ذلك الضيق الشديد الذي تحياه، ولا تعلم ما الذي يجبرها على التحمل!

هل لأن زوجها يكون ابن خالتها، أم لأن عائلتها ترفض الانفصال عمومًا!!

أم لأنها خائفة ألا يرضى بها غير عماد! فمن سيتزوج امرأة لن تصبح أمًا مطلقًا!!

انسابت دمعة وحيدة من جفونها، تشفق على حالها، فلم تكن يومًا ضعيفة مستسلمة كالآن.

كما لم تكن تصرفات عماد كالآن، فقد كان حنونًا عطوفًا مراعيًا لمشاعرها، مهتمًا بها وبتفاصيل يومها، يحبها ويرعاها، ولكن كل هذا انتهى بعد زواجهم بأسابيع قليلة!!

فأصبح شخصًا آخر لا تعلمه، يقلل من احترامها بالقول والفعل.

في البداية اعتقدت أن سبب تحوله المفاجئ هو معرفته بأنها لم ولن تستطيع الإنجاب.

ولكن بعد ذلك استبعدت هذا الاحتمال، وأيقنت أنه لم يحبها يومًا!! فما الذي يجعل رجلًا أن يعامل زوجته بتلك الطريقة إلا إذا كان ينفر منها ومن وجودها!!

قاطع شرودها صوت عماد الساخر قائلًا: البرنسس ناقصلها وقت، قد إيه على ما تجهز الطفح!! لو مش هأزعجك يعني عندي شغل.

أخذت نفسًا عميقًا كمحاولة لتهدئة قلبها المحترق ألمًا وقهرًا، ولكن فشلت أثر كلماته المسمومة المتعمد إلقائها على مسامعها.

عماد بقسوة: مش كفاية لحد دلوقتي؟ مش قادر أبقى أب بسبب واحدة أرض بور زيك، كمان هتأخريني عن شغلي، شكلك محتاجة تأديب سخن زي بتاعت امبارح عشان تنشطك.

احتل النفور ملامحها الرقيقة، ولم تستطع ردع نفسها عن قول ما لا يحمد عقباه.

الضيق الشديد هو ما رأته بعد تلك الكلمة المكونة من أربع أحرف، أربع أحرف فقط.

قائلًا بفحيح: !! تؤتؤتؤ، شكلي معرفتش أربيكي كويس، بس متقلقيش حالًا هتشوفي ده هيعمل إيه.

ومن هنا تبدأ رحلة الألم.

فمن ذا الذي يتصرف بهذه القسوة والهمجية إلا شخص غير متوازن!!

في حي من أحياء القاهرة

في ذلك البرج السكني الذي يتميز بمظهره الفاخر، وفي غرفة أقل ما يقال عنها رائعة.

اقتربت تلك الفتاة التي تبلغ من العمر ثمانية وعشرين عامًا، ذات بشرة خمرية، متوسطة القامة، ذات قوام ممشوق، قائلة بنبرة مشبعة بالحب والهيام:

شعيب حبيبي، يلا الساعة 7 هتتأخر على الشغل.

تمطع شعيب، ثم فتح عينيه قليلًا قائلًا بنعاس ونبرة متحشرجة: صباح الخير يا زهرتي.

زهرة بابتسامة عاشقة: صباح الورد يا قلب زهرتك، أنا حضرتلك الفطار، قوم يلا اغسل وشك وأجهز علشان الشغل.

أشار برأسه كعلامة للموافقة، ومن ثم توجه إلى المرحاض الملحق بنفس الغرفة تحت نظرات زهرة المتيمة به.

فشعيب ليس فقط زوجها وابن خالها، لكنه فارس أحلامها الأوحد، فمنذ نعومة أظافرها وهي تعلم علم اليقين أنه سيصبح زوجها، كما أخبرتها والدتها وزوجة خالها مرارًا وتكرارًا، فأصبحت تنتظر بفارغ الصبر اليوم التي ستصبح به زوجته ويكون زوجها، وقد كان.

تحبه بل تهيم به عشقًا، عشق تغلغل إلى أعماقها، فدمغ روحها وقلبها به فقط دون غيره.

أنهت زهرة إعداد وجبة الإفطار، وقامت برصها على الطاولة.

رفعت عينيها وفوجئت بشعيب يقف ينظر لها بهدوء، ونظرة أخرى جهلت عن تفسيرها، لتقول بابتسامة: مالك يا حبيبي واقف تبصلي كده ليه؟ تعال أفطر يلا.

شعيب ببص على زهرتي اللي كل يوم تفتح أكتر من اليوم اللي قبله، لحد ما سرقت عقلي وعيوني من جمالها.

اتسعت ابتسامتها واحمرت وجنتاها من الخجل.

شعيب بحنان: إيه رأيك منزلش الشغل النهاردة وأفضل طول اليوم معاكي؟

بصراحة عرض مغري، لا هو مغري جدًا جدًا، بس للأسف مضطرة أرفضه.

ارتفع حاجبه الأيسر بتعجب: ودا ليه إن شاء الله!!

فكانت تلك المرة الأولى التي ترفض بها زهرة جلوس شعيب في المنزل، فكانت تتلهف لبقائه ولو لعدة دقائق.

زهرة بلهفة: أنت عارف طبعًا إنه أحب على قلبي من العسل أنك تقعد معايا، بس بصراحة في مشوار ضروري أووي لازم أروحه، ومش هينفع أأجله.

شعيب بتفكير: تمام، مش هسألك رايحة فين غير لما تحبي تقوليلي، بس متنسيش تاخدي السواق معاك، صحيح البنات هتسبيهم فين!

زهرة بتوضيح: عند ماما حنان، أنا استأذنتها وهي كانت مرحبة جدًا، أنت عارف هي بتحب عائشة وملك قد إيه.

شعيب بتأكيد: طبعًا، مش أحفادها.

ملك وعائشة أبناء زهرة وشعيب.

عائشة الكبرى ذات الستة أعوام، وملك الصغرى ذات الثلاثة أعوام.

تطلع شعيب إلى ساعته، ثم قال بهدوء: أنا مضطر أمشي دلوقتي يا زهرة، أنت عارفة مبحبش أتأخر على شغلي.

زهرة بحب: عارفة يا حبيبي، لا إله إلا الله.

طبع قبلة هادئة على جبينها قائلًا: محمد رسول الله.

أما في الطابق السابق لطابق شعيب

كانت والدته السيدة حنان تعد طعام الإفطار لزوجها سالم وابنتها تقى.

شهقت حنان بفزع.

انتفضت بخوف قائلة: أخس عليك يا سالم خضتني.

سالم بعشق لم يمحيه سنوات طوال من الزواج: سلامتك من الخضة يا قلب سالم، مش عارف أزاي لسه بتتخضي من حاجة بعملها بقالي أكتر من 40 سنة!!!

ردت بنعومة: ما أنت مش بتعمل أي صوت وأنت داخل عليّا، بمعنى أصح بتتسحب.

قاطعهم صوت تقى المرح قائلة: الله الله، فقرة العشق الممنوع شغالة كالعادة وفي المطبخ!! بجد بجد أنا مبهورة بيكم وبالرومانسية دي كلها.

ابتعدت حنان عن سالم بخجل وارتباك، أما هو فتطلع لابنته قائلًا بنفس المرح: أنا شامم ريحة شيطان هنا.

تخصرت تقى بغضب مصطنع قائلة: تقصد إيه يعني أني غيرانة!!!!! لا طبعًا أنا هموت من الغيرة مش أكتر.

كركر سالم ضاحكًا من مرح ابنته الذي لا ينتهي.

قالت حنان بحدة مصطنعة: طب يلا يا دكتورة تعالي طلعي الفطار على السفرة.

وأكملت بنبرة رقيقة موجهة حديثها إلى سالم: وأنت يا سالم شوف بابا مهران وماما صباح صحيوا ولا لسه، عشان يومي النهاردة في تحضير الفطار ليهم.

فقد كانت كل كنّة من كنائن عائلة مهران مسؤولة عن تحضير الطعام لكبار العائلة مهران وصباح، وذلك بنفس راضية دون إجبار من أحد.

أشار لها سالم موافقًا، واتجه إلى الخارج ليرى والدته ووالده، أما تقى فعاونت والدتها في إنهاء وجبة الإفطار.

تقى سالم مهران تبلغ من العمر واحدًا وعشرين عامًا، ذات بشرة خمرية، في عامها الثالث بكلية الطب، تتميز بشخصيتها المتمردة العنيدة الصريحة.

السابق1 من 6
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى