
1
أنا اتطلقت وأنا حامل في الشهر الخامس، والسبب إن جوزي خيرني بينه وبين أمي اللي محتاجة رعاية، ولما اخترت أمي، قالي كلمة عمري ما هنساها:ـ إنتِ اخترتي أمك على جوزك وابنك اللي لسه ماجاش الدنيا، ويوم ما تحتاجي حد يقف جنبك، ما تلوميش غير نفسك!
بصيت له والدموع في عيني وقلت: ـ أمي كانت قبلك، وأمي مش حمل على حد، دي ست تعبت وشقيت وربت، ومن حقي أفضل جنبها لآخر يوم في عمرها.
بس اللي حصل بعد طلاقي كان أكبر بكتير من إني أخسر جوازي، لأن فيه سر اتكشف خلاني أعيد حساباتي في كل الناس اللي حواليا. أنا سلمى، عندي 27 سنة، وأمي الحاجة فاطمة ست أرملة، عندها ضعف في حركتها من خمس سنين، ومابتقدرش تتحرك لوحدها، حتى كوباية الميه لازم حد يدهالها.
ليا أخ وأخت، لكن أخويا محمود متجوز وعايش في محافظة تانية، وأختي نهى عندها بيت وعيال، وكل واحد فيهم شايف إن مسؤولية أمي مش مسؤوليته.
من يوم ما أمي تعبت وأنا اللي شايلة مسؤوليتها، كنت بصحى معاها، أأكلها وأشربها وأغير لها وأدخلها الحمام، وعمري ما حسستها إنها تقيلة عليا. لحد ما أحمد اتقدملي. من أول قعدة قلت له بصراحة: ـ أنا مش هسيب أمي، ولو حضرتك شايف إن ده ممكن يعمل مشكلة، يبقى ننهى الموضوع من دلوقتي.
بصلي وقال: ـ أمك أمي، ونعمل لها أوضة عندنا، وأنا مش هحرمك منها. فرحت بكلامه، وحسيت إن ربنا عوضني براجل فاهم معنى الرحمة. واتجوزنا، وأمي عاشت معانا، وكنت بصرف عليها من معاشها، وأحمد عمره ما اشتكى في الأول.
لكن بعد الجواز بشهرين، حماتي نوال بدأت تدخل في حياتنا. كانت كل ما تيجي وتلاقيني قاعدة جنب أمي تقول: ـ هو إنتِ اتجوزتي عشان تفضلي خدامة عند أمك؟ ما تشوفي جوزك شوية!
كنت بسكت وأقوم أعمل لأحمد الأكل والشاي، وأهتم بيه، لكن حماتي ماكانش بيعجبها أي حاجة. وفي يوم كنت بغير لأمي هدومها، سمعت صوت حماتي في الصالة بتقول لأحمد: ـ إنت لسه صغير يا ابني، ومراتك بدل ما تهتم بيك، حابسة نفسها في أوضة أمها! وبعدين لما تخلف هتعمل إيه؟
رد أحمد: ـ يا أمي ما هي كانت قايلة من الأول.
قالت له بصوت واطي: ـ الكلام قبل الجواز غير بعد الجواز، وبعدين إنت ضامن إنها مش هتجيب أمها تقعد معاكم العمر كله؟
عدت الأيام، وبدأ أحمد يتغير، لحد ما في يوم رجعت من عند الدكتور، وكنت لسه عارفة إني حامل.
دخلت عليه فرحانة وقلت: ـ أحمد، أنا حامل!
بصلي ببرود وقال: ـ مبروك. استغربت رد فعله، لكن قلت يمكن تعبان.
بعدها بكام يوم، طلب مني أقعد معاه، وقال كلام خلاني أحس إن الأرض بتتسحب من تحت رجلي. ـ سلمى، أمك لازم ترجع شقتها، وإنتِ تزوريها كل يوم، أو نشوف لها دار رعاية.
بصيت له وقلت: ـ يعني إيه ترجع شقتها؟ مين هيخدمها؟
رد بمنتهى الهدوء: ـ نشوف لها حد، مش معقول حياتنا تفضل واقفة عشان أمك.
وقتها حسيت إن الراجل اللي وافق على شرطي قبل الجواز، هو نفسه اللي بيطلب مني أتخلى عن أمي.
قولت له: ـ أمي مش هتخرج من بيتي طول ما أنا عايشة، ولو وجودها مضايقك، أنا اللي همشي معاها.
ضحك بسخرية وقال: ـ إنتِ مش هتقدري تعيشي من غيري، خصوصًا وإنتِ حامل.
خرجت من أوضة أحمد وأنا مش مصدقة إن ده نفس الراجل اللي من كام شهر كان بيقولي إن أمي أمه، وإنه عمره ما هيخليني أختار بينه وبينها.
دخلت أوضة أمي، لقيتها قاعدة على السرير، وأول ما شافت وشي عرفت إن فيه حاجة حصلت. قالتلي: ـ مالك يا بنتي؟ إنتِ بتعيطي ليه؟
حاولت أضحك وأقول لها مفيش حاجة، لكنها مسكت إيدي وقالت: ـ أحمد قالك إيه؟ عايزني أمشي من هنا؟
سكت، ودموعي نزلت غصب عني. قالتلي بصوت مكسور: ـ خلاص يا سلمى، أنا هرجع شقتي، ومش عايزاكي تخسري جوزك بسببي.
اتعصبت وقلت: ـ إنتِ بتقولي إيه يا أمي؟ هو أنا اتجوزت عشان أرميكي؟ إنتِ مش فاهمة إن وجودك معايا مش حمل عليا؟
قالتلي: ـ بس أنا مش عايزة أبقى سبب في خراب بيتك، وإنتِ حامل، ومحتاجة جوزك جنبك.
حضنتها وقلت: ـ البيت اللي يطلب مني أتخلى عن أمي عشان يفضل واقف، يبقى هو من الأول ماكانش بيت.
تاني يوم الصبح، أحمد رجع من شغله، لقى شنطتي متجهزة، وأمي قاعدة على كرسيها المتحرك. وقف وقال: ـ إيه ده؟ إنتِ رايحة فين؟
قلتله: ـ رايحة بيت أمي.
ضحك وقال: ـ يعني هتسيبي جوزك وتروحي تعيشي مع أمك؟ طب وابنك؟
رديت عليه: ـ ابني هيبقى معايا، وأنا مش هحرمه من أبوه، لكن مش هقدر أعيش مع راجل شايف إن أمي عبء عليه.
قرب مني وقال بعصبية: ـ أنا مش هفضل أصرف على واحدة عايشة في بيت أمها، وإنتِ عارفة إنك مش هتعرفي تربي عيل لوحدك.
قلتله: ـ متقلقش، أنا مش طالبة منك تصرف عليا، وأمي ليها معاشها وأنا هشتغل لما أقدر.
خرجت من البيت، وروحت شقة أمي. كنت فاكرة إن أصعب حاجة عدت، لكن الصدمة الحقيقية بدأت لما كلمت إخواتي.
محمود أخويا قال: ـ إنتِ عملتي إيه يا سلمى؟ هو ناقص مشاكل؟ رجعي أمك شقتها وشوفي جوزك.
قلتله: ـ وأمي هتقعد لوحدها إزاي؟
قال: ـ نجيب لها ممرضة.
قلتله: ـ بمين؟ وبفلوس مين؟ وبعدين أمي نفسها مش هتقبل حد غريب يشوفها في حالتها دي.
دخلت نهى أختي في المكالمة وقالت: ـ بصراحة إنتِ أنانية، إنتِ عايزة أمك تفضل معاكي حتى لو هتخسري جوازك!
قفلت معاهم وأنا مش مصدقة إن دول إخواتي. عدى أسبوع، وأحمد ما اتصلش بيا ولا حتى سأل عن حملي، لحد ما في يوم لقيت رقم غريب بيتصل بيا.
رديت، لقيت صوت راجل بيقول: ـ مدام سلمى؟ أنا محامي الأستاذ أحمد، وعايز أحدد معاكي ميعاد عشان إجراءات الطلاق.
حسيت إن قلبي وقع في رجلي. وبعد يومين، جالي المحضر بورقة الطلاق. أمي فضلت تعيط وتلوم نفسها، وأنا كنت بحاول أتماسك عشانها.
لكن بعد الطلاق بثلاث أيام، حصلت حاجة غريبة. كنت قاعدة جنب أمي، وفجأة جرس الباب رن. فتحت، لقيت أخويا محمود واقف ومعاه نهى. دخلوا من غير حتى ما يسألوا على أمي، وقعد محمود وقال:ـ بصي يا سلمى، إحنا جايين نتكلم في موضوع مهم، ومش هنمشي غير لما نتفق.
قلتله: ـ خير؟
بص لأختي، وبعدين رجع بصلي وقال:ـ إحنا شايفين إن الحل الوحيد إنك تبيعي شقة ماما، ونقسم تمنها علينا كلنا، ونحط جزء من الفلوس في دار رعاية كويسة ليها.
بصيت له وأنا مش مستوعبة. قلت: ـ تبيعوا شقة أمي؟ هو إنتوا اتجننتوا؟
رد محمود بمنتهى البرود: ـ الشقة ملكها، وإحنا ولادها ومن حقنا نتكلم في مستقبلها.
وقبل ما أرد، سمعت صوت أمي من جوه الأوضة بتنادي عليا.
دخلت لها، لقيتها بتعيط وبتقولي:ـ يا سلمى، أنا سمعت كل حاجة، وفيه حاجة لازم تعرفيها… أبوكي الله يرحمه قبل ما يغيب عننا، سابلك أمانة، وأنا مخبياها عن إخواتك من سنين.



