
بعد عدة ساعات في بيت آل مهران
يعني إيه يا جدي، شعيب هيبات في القسم مع المجرمين، وإنه مش هيطلع إلا لما عماد يشهد في صالحه؟
صاحت لتين بذهول، فأجابها الجد بهدوء: لله الأمر من قبل ومن بعد، مفيش في أيدينا حاجة نعملها، بكره يحلها حلال لينا، رب اسمه الكريم.
صرخت لتين بقهر: بس أنا مش هسكت، شعيب مظلوم، كله من عماد، دا مش بعيد يتهم شعيب ظلم.
هتفت وفاء بشراسة رغم بكائها: أبني أنا حيوان؟ مش كفاية اللي هو فيه؟ دا بدل ما تدعيله ربنا ينجيه من اللي هو فيه، دا في الأول وفي الآخر ابن خالك يا بنت الأصول.
لتين بكره: ابن خالي ولا ابن خالتي، فهو في الحالتين حيوان، أنت مش عارفة أنا شوفت معاه أيه، ولا أيه الحياة اللي كنت عيشاها، ودلوقتي بعد ما ربنا عوض صبري خير، جاي من تاني يدمر حياتي!! الحيوان أرحم وأحن عليا من ابنك، وحقيقي مش زعلانة على اللي حصل له، وكنت أتمنى إنه يرتاح ويريحنا منه.
شهقت وفاء بذهول وهمست بوجل: حسبي الله ونعم الوكيل فيك، ربنا يوجع قلبك زي ما وجعتي قلبي على ضنايا.
بهتت ملامح لتين ثم اندفعت خارج الشقة، وأثناء خروجها اصطدمت بمازن الواجم، فلم تعتذر بل ابتعدت راكضة خارج البرج.
صعدت إحدى سيارات شعيب الخاصة ثم أخبرت سائقها عنوانها المنشود.
بعد مرور بعض الوقت
استنشق عبيرها، لا يعلم إن كانت تلك الرائحة من وحي خياله أم واقع يحدث بالفعل، ولكن صوت تلك الخطوات الرقيقة جعلت جميع حواسه تتأهب بحماس لم يكن من طبعه يومًا، فاق من غفلته القصيرة، ووقعت أنظاره عليها، وأخيرًا.
كانت تقف بأبعد مكان في الغرفة، هتف عماد بهمس: لتين.
وكم كرهت اسمها في تلك اللحظة، وكرهت من قاله أضعاف مضاعفة.
همست بوجوم: أنت عايز مني أيه؟
رمقها بعدم فهم، فأكملت لتين بهجوم: عايز مني أيه يا عماد؟
عايز تدمر حياتي؟ مصر تنهيني؟ ليه سعادتي بتضايقك فبتقضي عليها وعليا؟ ليه كاره شعيب؟ ليه عايز تحرم أب من بناته وتحرمهم منه؟ ليه عايز تحرم أم من ابنها؟ ليه عايز تنهيه وهو عمود عيلتنا؟ ليه بتكرهه أوي كده؟
أجابها بصوت متألم: وليه بتحبيه أوي كده؟ ليه بتحبيه يا لتين، ليييه؟ فكراني مش عارف؟ تبقي غلطانة، أنا عارف إنك بتحبيه، ومش من يوم ما اتجوزتم، لا دا من زمان أووي، من سنين طويلة يا بنت عمي، من قبل حتى ما يتجوز زهرة.
اتسعت عينيها بذهول وارتدت للخلف عدة خطوات حتى اصطدمت بباب الغرفة.
أكمل عماد بابتسامة ميتة: أنا عارف أنت اتجوزتيني ليه، عارف، وافقتي تسيبي دراستك وتبعدي عن أهلك ليه؟ مش حبًا فيا، أطلاقًا، بل بالعكس، من كتر حبك ليه خفتي لمشاعرك تنفضح قصاد زهرة فقلبها ينكسر، ماهي بردو كانت بتحب شعيب، محظوظ هو، أميرات عيلة مهران وقعوا في غرامه.
هتفت لتين بوجل: أسكت، أسكت يا عماد.
هز رأسه رافضًا قائلًا: من خوفك على أختك ضحيتي بنفسك، وقبلتي تتجوزيني، وأنا وافقت عشان بكره، وافقت أكسبك، وأنت مكسب كبيير بغبائي ضيعته، كنت كاره حبك ليه؟ اللي عيونك فضحاه، عشان كده أقنعتك نسكن بره برج العيلة، وأنت الصراحة ما صدقتي، منكرش إن في بداية جوازنا كنت بتعملي كل اللي تقدري عليه عشان تنسيه، وتحسسيني باهتمامك، كنت مقدر دا جدًا، أصغر حاجة بتعملهالي كانت بالنسبالي كبيرة جدًا، لحد ما في يوم أسود…
شهقت لتين بذهول ودارت عينيها داخل محجريهما قائلة بفزع: محصلش، كدب، كدب.
ابتسم بألم: وياريتني صدقت إنه كدب، بس من غيرتي وغبائي صدقت الصور دي، مش عارف أنا صدقتها فعلًا ولا حبيت أعمل نفسي مصدقها! بس صدقيني، أنا نادم، والله العظيم نادم، وعايز أعوضك عن كل مر شوفتيه معايا.
رآن الصمت لدقائق مرت طويلة كالأربع سنوات التي عاشتهم معه، قبل أن تقول بصوت مبحوح من كثرة البكاء: طلع شعيب من القضية يا عماد، بالله عليك طلعه، أشهد بالحق ولو مرة واحدة في حياتك، ولو نادم بصحيح رجع شعيب لبيته وبناته ومراته، ابعد عن حياتي بخيرك وشرك.
ثم اندفعت خارج الغرفة تشهق ببكاء مرير، وقد أدركت انكشاف سرها الذي دفنته داخل أسوار قلبها، وفي سبيل أن يكون طي الكتمان ضحت بسنوات من عمرها والكثير من أحلامها!!
الفصل الواحد والعشرين
وصلت لقسم الشرطة منذ أكثر من عشر دقائق، وها هي تجلس قبالته، يرمقها بنظرات متفحصة أقلقتها وكأنه على وشك الفتك بها، ولا تعلم السبب!
باغتها شعيب بسؤال قطع الصمت المحيط بهما: جاية ليه يا نورا؟ إيه الشيء الضروري اللي يخليك تجيلي في وقت زي دة وفي مكان زي اللي إحنا فيه؟ فيه إيه بالظبط؟
تفرسته بنظراتها قبل أن تقول بثبات: جيالك في الخير، أنا جاية ومعايا اللي هيطلعك من هنا زي الشعرة من العجين.
عقد حاجبيه قائلًا بسخرية: إيه؟ معاك العصاية السحرية؟
اتسعت ابتسامتها قبل أن تضحك برقة مصطنعة: بعيدًا عن خفة دمك، بس معايا اتفاق، لو وافقت عليه بكرة الصبح هتخرج من سرايا النيابة وتوصل لبيتك بالسلامة.
هتف شعيب دون تعبير: وعن إيه العرض المميز دة؟ على حد علمي أنا معملتش حاجة أتحبس عشانها، دة سوء تفاهم مش أكتر.
أجابته بمكر، التمع بعينيها وهي تقترب منه بجرأة: سوء التفاهم في ثانية ممكن يبقى أمر واقع، لو عماد نفذ اللي في دماغه.
استقام واقفًا يدير لها ظهره: بلاش لف ودوران يا نورا، وقولي اللي عندك.
وقفت خلفه مباشرة وأمالت وجهها نحوه تهتف داخل أذنه بصوت ناعم كالأفعى: طلق لتين، طلاق بين مالهوش رجوع.
التفت لها بسرعة البرق وقد نفرت عروقه بطريقة مقلقة وكأنه على وشك الانفجار، قبل أن يهدر بغلظة: الكلام ده عند أمك، لتين مين اللي تطلقها؟ أنت اتهبلتي على الآخر؟
ارتدت عدة خطوات للخلف وأسرعت تقول بارتباك: أنا مجبتش الكلام ده من عندي، أنا يدوبك مرسال، ولولا خوفي عليك يا ابن عمي أنا مكنتش تدخلت في الموضوع ده من الأول، صدقني أنا خايفة عليك.
هتف بقسوة: مين اللي بعتك؟
همست بخوف: عماد و لتين.
قبض على رسغها بعنف جعلها تتأوه بألم حقيقي قائلًا بقسوة: متجمعيش اسم مراتي مع الولد ده، هي أطهر من إن اسمها يجي وراء اسم واحد بالوضاعة دي، مراتي ملهاش أي علاقة بالشخص ده، وإن كانت دي خطته عشان أبعد عنها، فلما يشوف قفاه.
التصق الغل داخل مقلتيها وانتشلت رسغها من يديه بعنف، فتركها بإشمئزاز واضح وكأنه ينفر من ملامستها!!
أخرجت هاتفها من حقيبتها وأسرعت تعرض له بعض الصور التي جعلت القوة تتجمد داخل أوردته وتشتعل نيران لم تخمد يومًا.
كانت لتين زوجته تقف مقابل عماد بأحد الغرف الخاصة بالمستشفيات.
انتبه لصوت نورا وهي تقول بتشفٍّ: تقدر تتأكد من الوقت والتاريخ موجود على المستشفى، وهما الاتنين طلبوا مساعدتي، وجيتلك هنا بناءً على طلبهم، صدقني أنا مليش أي مصلحة بالحوار دة.
رآن الصمت لثوانٍ مرت كالساعات وشعيب يقف أمامها وكأنه تنين على وشك بخ نيرانه! هتف أخيرًا بتجلد: لتين طلبت إيه؟
تنفست بعمق قبل أن تقول بصوت جعلته صادقًا على قدر الإمكان: طالبة الطلاق، لأنها لسه بتحب عماد وعايزة ترجعله.
شهقت بذهول أثر الصفعة التي سقطت على وجهها، كانت صفعة سريعة مؤلمة ألم حارق، وعلى أثرها كادت تصاب بالإغماء، ولكنها تماسكت بصورة تحسد عليها، وهو يقترب منها قائلًا بقسوة: جلدتها لتين، شعيب مهران مش زي زيك عشان تقول حاجة زي دي، وقولي للنطع أخوك، بكرة أخرج بالسلامة وأرجع لمكاني الطبيعي، مراتي، وساعتها يقول على نفسه يا رحمن يا رحيم، وأنت معاه.




