عام

عروسه جديده

ده.
قلت طيب، إيه اللي حصل؟
طلع من جيبه ظرف بني قديم.
وقال المرحوم اداني الظرف ده قبل ما يتوفى بأسبوع، وقالي لو حصل له حاجة، ما أسلموش غير لمريم بنفسها.
فتحت الظرف، ولقيت جواه صورة قديمة لمحمود وهو واقف قدام المصنع، وورقة مكتوبة بخط إيده.
بدأت أقرأ
يا مريم، لو وصلتك الرسالة دي، يبقى أنا ما قدرتش أقولك الحقيقة بنفسي. فيه حاجة حصلت من سنين، وكنت مستني الوقت المناسب عشان أصلحها. مش كل اللي تعرفيه عن عيلتنا صحيح، وفيه سر متعلق بوالدي ومرتضى لازم تعرفيه.
رفعت عيني لعم جابر.
قلت إيه السر؟
تنهد وقال والد مرتضى ومحمود كان عنده بنت من زواج قديم، محدش في العيلة كان بيتكلم عنها. البنت دي كانت عايشة بعيد، ووالدهم كان بيبعت لها فلوس كل فترة. وبعد ۏفاته، محمود اكتشف إن فيه جزء من ممتلكات العيلة كان المفروض يتسجل باسمها.
قلت باستغراب وإيه علاقة ده بالمصنع؟
قال لأن مرتضى كان عارف بوجودها، وكان بيحاول يوصل لكل الأوراق القديمة قبل ما تظهر هي وتطالب بحقها.
سكت لحظة، وبعدين كمل والمرحوم محمود كان بيدور عليها قبل ۏفاته.
أنا كنت بسمع ومش قادرة أستوعب.
قلت طيب والبنت دي فين دلوقتي؟
عم جابر طلع ورقة تانية.
قال اسمها نوال، وعنوانها هنا.
المحامي أخد الورقة وبدأ يراجعها.
لكن قبل ما نقرر نعمل إيه، تليفوني رن تاني.
كانت سارة.
رديت عليها وأنا بحاول أتماسك أيوه يا سارة.
قالت مريم، إنتِ فين؟ أنا عندي خبر مش عارفة أقولهولك إزاي.
قلت خير؟
قالت أنا قابلت واحدة من قرايب حنين بالصدفة، وقالت لي إن مرتضى من يوم ما رجع من السفر وهو بيحاول يبيع المصنع. وفيه ناس جت له البيت امبارح بالليل، وكانوا بيتكلموا عن صفقة كبيرة.
قلت إنتِ عرفتي ده منين؟
قالت مش مهم دلوقتي. المهم إنك تاخدي بالك من نفسك، لأن فيه حد بيحاول ېخوفك عشان تتنازلي عن الملكية.
قفلت معاها، وبصيت للمحامي.
قلت أنا مش هتنازل.
رد ولا حد هيجبرك على التنازل. بس لازم نمشي بالقانون ونحافظ على كل المستندات.
في المساء، رجعت البيت.
لقيت حماتي قاعدة في الصالون، ومرتضى جنبها، وحنين قاعدة بعيد عنهم.
أول ما دخلت، حماتي قالت تعالي يا مريم، عايزين نتكلم.
قلت اتفضلي.
قالت إحنا غلطنا معاكي، وأنا مش هقول غير كده. بس البيت ده اتبنى بتعب أبويا، ومينفعش نخرج منه بالشكل ده.
قلت أنا ما خرجتش حد، ولا منعت حد من حقه.
مرتضى تدخل طيب، خلينا نتفق. إنتِ ترجعي البيت ليا، وأنا هكتب لك مبلغ محترم، ونقفل الموضوع ده.
ضحكت من غير ما أقصد.
قلت مبلغ محترم؟! إنت فاكر إن اللي حصل كله يتقاس بالفلوس؟
قال يعني إيه؟
قلت يعني لما كنت بطلب منك مصاريف أكلي، كنت بتقولي أنا شايل هم تلات بيوت. لما كنت بجوع، كنت بتسيب أمك تحاسبني على الرغيف. ولما كنت بشتكي، كنت بتقول إني شحاتة. دلوقتي لما عرفت إن البيت والمصنع مش بتوعك، بقيت عايز تتكلم بالعقل؟
مرتضى سكت.
كملت أنا مش زعلانة إنك اتجوزت حنين عشان بنات أخوك. بالعكس، كنت شايفة إن دي مسؤولية إنسانية، وكنت مستعدة أساعدها. لكن إنت حولت الجواز لعقاپ ليا، وخليتني أحس إني ماليش قيمة.
حماتي بدأت ټعيط يا بنتي، إحنا كبار، وغلطة وعدت. ما تخربيش البيت.
بصيت لها وقلت البيت ما اتخربش النهاردة. البيت اتخرب يوم ما اعتبرتوني إنسانة ملهاش حق تاكل وتشرب.
وفجأة حنين قامت من مكانها.
قالت أنا عايزة أقول حاجة.
مرتضى بص لها بحدة إنتِ مالك؟
قالت أنا مالي. لأن أنا كمان كنت جزء من اللي حصل، وسكت كتير.
قربت مني وقالت مريم، أنا مش عايزة منك فلوس ولا بيت. أنا عايزة أعيش أنا وبناتي من غير خوف. ولو مرتضى مش عايز يتحمل مسؤوليتهم، أنا هتحملها بنفسي.
مرتضى وقف وقال إنتِ هتعملي عليا بطلة؟!
حنين ردت أنا مش بطلة، أنا أم. والبنات دول أبوهم ماټ، ومش من حق حد يستخدمهم عشان يضغط على الناس.
الكلام ده وجعني.
قربت منها ومسكت إيدها.
قلت بنات محمود مالهمش ذنب في أي حاجة. وأنا عمري ما هسمح إنهم يدفعوا تمن خلافات الكبار.
لكن مرتضى كان خلاص فقد أعصابه.
صړخ كفاية! أنا مش هسمح لحد يطلعني من بيتي!
قلت يبقى استنى الإجراءات القانونية، وكل واحد هياخد حقه.
ومرت الأيام، وبدأت أشتغل في المصنع.
كنت بنزل كل يوم من الصبح، وأراجع الحسابات مع المحامي والمحاسب، وأقعد مع العمال واحد واحد.
اكتشفت إن فيه عمال بقالهم سنين شغالين في المصنع، ومرتبهم متأخر، وإن بعضهم كان بيستلف عشان يعرف يصرف على أولاده.
قررت أدفع المتأخرات بعد مراجعتها، وأرجع نظام الشغل زي ما كان محمود عايز.
وفي يوم، دخل عليا عم سيد، أقدم عامل في المصنع.
قال ربنا يرحم أستاذ محمود. كان بيقول دايماً إن اليوم اللي الست دي تمسك فيه المصنع، محدش هيضيع له حق.
ابتسمت وقلت أنا لسه بتعلم يا عم سيد.
قال إنتِ مش محتاجة تتعلمي الرحمة يا بنتي، الرحمة موجودة فيكي من زمان.
الكلمة دي خلتني أفتكر محمود، وافتكرت إنه كان شايف فيا حاجة أنا نفسي ما كنتش شايفاها.
بعد أسبوعين، المحامي اتصل بيا وقال مدام مريم، لازم تيجي المكتب. لقينا مستند مهم في ملف المرحوم.
روحت بسرعة.
لقيته قاعد ومعاه ورقة قديمة.
قال دي صورة من اتفاق سابق بين محمود ومرتضى. الاتفاق بيحدد إن مرتضى كان مسؤول عن الإدارة فقط، وإنه ما ينفعش يتصرف في أصول المصنع من غير موافقة محمود.
قلت يعني كان عارف إن المصنع مش ملكه لوحده؟
قال بالضبط. والأهم إن فيه توقيع منه على استلام نسخة من الاتفاق.
حسيت إن كل حاجة بدأت تتكشف.
لكن المحامي كمل وفيه حاجة تانية. لقينا مراسلات بتوضح إن مرتضى كان بيحاول يبيع جزء من المصنع قبل ۏفاة محمود، وإن محمود اعترض على البيع.
قلت طيب ليه ما قالش لحد؟
المحامي رد غالباً كان بيحاول يحل الموضوع داخل العيلة، من غير ما يوصل لخلاف كبير.
في اليوم نفسه، اتصلت بيا نوال، البنت اللي عرفنا إنها أخت محمود ومرتضى من الأب.
قالت إنها عرفت پوفاة محمود من فترة، وإنها عايزة تقابلني.
اتفقنا نتقابل في بيتها.
لما وصلت، فتحت لي ست في منتصف الخمسينات، ملامحها هادية، وعينيها فيها حزن قديم.
قالت إنتِ مريم؟
قلت أيوه.
حضنتني فجأة، وبدأت ټعيط.
قالت أخويا كان بيحبك جداً.
اټصدمت.
قلت إنتِ عرفتيه؟
قالت أيوه. محمود كان بيزورني من سنين، وكان دايماً بيحكي عنك وعن طيبتك. أنا ما كنتش أعرف إنك بقيتي مراته، غير لما المحامي اتصل بيا بعد ۏفاته.
قعدنا نتكلم ساعات.
حكت لي عن والدها، وعن إزاي العيلة رفضتها بسبب زواجه الأول، وإن محمود كان الوحيد اللي فضل يسأل عنها ويساعدها.
وبعدين طلعت صندوق خشب صغير.
قالت محمود سابه عندي من فترة، وقالي لو حصل له حاجة، أسلمهولك.
فتحت الصندوق.
كان فيه صورة لمحمود وهو صغير، ورسالة، ومفتاح قديم.
مسكت الرسالة وبدأت أقرأ
يا مريم، يمكن تكوني استغربتي إني اخترتك من بين كل الناس. بس أنا شفت فيكي حاجة نادرة. إنتِ مش بتدوري على مصلحة، ولا بتسألي الناس عندها إيه قبل ما تساعديهم. أنا عارف إن اللي عملته ممكن يسبب لك مشاكل، وعارف إن مرتضى مش هيقبل بسهولة. لكن أنا واثق إنك مش هتظلمي حد، حتى لو ظلموكي.
وصلت لآخر سطر، ولقيته كاتب
المفتاح اللي في الصندوق ده

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى