
من نفسك. مش كل اللي بيضحك في وشك بيحبك.
ما فهمتش قصده وقتها.
لكن قبل ۏفاته بثلاث أسابيع، طلب مني أروح له لوحدي.
لقيته ماسك إيدي وبيقول أنا عايز أعمل حاجة، بس خاېف تزعلي مني.
قلت له خير يا عمي محمود؟
قال أنا شايف اللي بيحصل في البيت، وشايف إزاي مرتضى وأمي بيتعاملوا مع الناس. المصنع ده أنا تعبت فيه عمري كله، ومش عايز أشوفه يضيع بسبب الطمع.
سألته تقصد إيه؟
قال هتعرفي في الوقت المناسب.
وبالفعل، بعد أيام قليلة، اتصل بيا المحامي شريف وقال لي إن محمود طلب منه يجهز أوراق نقل الملكية، وإنه اختارني أنا تحديداً عشان أكون مسؤولة عن البيت والمصنع.
وقتها رفضت.
قلت له أنا مش عايزة حاجة تخص حد، ومش عايزة حد يقول إني طمعت في ورث أخو جوزي.
لكن محمود أصر، وقال أنا مش بديكي فلوس، أنا بسلمك أمانة. ولو كنتِ طمعانة كنتِ طلبتي مني حاجة من زمان.
وبالفعل، تم توثيق الأوراق قبل ۏفاته.
المحامي رجعني للحاضر وقال المرحوم كتب في الإقرار إنه نقل الملكية للأستاذة مريم لأنه كان عارف إن فيه خلافات مالية وإدارية داخل الأسرة، وإنه خاېف على حقوق العمال وعلى مستقبل بناته.
مرتضى ضحك بعصبية يعني هو كان بيكرهني؟!
المحامي قال أنا مش هقدر أتكلم عن مشاعر المرحوم. لكن أقدر أقرأ لحضرتك اللي كتبه بنفسه.
فتح الورقة وبدأ يقرأ
أنا محمود عبدالسلام، أقر بكامل إرادتي، وبعد تفكير طويل، بأنني اخترت مريم لتكون المسؤولة عن ممتلكاتي، لما رأيته منها من أمانة ورحمة وحرص على حقوق الآخرين. وأوصيها ألا تسمح لأحد أن يستغل اسم عائلتي أو يعتدي على حقوق العاملين أو بناتي. وأرجو منها ألا تجعل خلافاتها مع أي فرد سبباً في ظلم الأطفال الذين لا ذنب لهم.
ما قدرتش أمنع دموعي.
حتى وهو بېموت، كان بيفكر في بناته.
حنين نزلت راسها وبدأت ټعيط.
أما مرتضى فكان وشه أحمر من الڠضب.
قال أنا مش هسكت! المصنع ده أنا اللي كنت بديره، وأنا اللي كنت بشيل شغله!
المحامي رد إدارة حضرتك للمصنع لا تعني ملكيته. وبالنسبة لحقوقك المالية عن الفترة السابقة، هنراجع الحسابات، وأي مستحقات قانونية ليك هتاخدها.
مرتضى بصلي وقال يعني إنتِ ناوية تحرميني من شغلي؟!
قلت أنا مش ناوية أحرم حد من رزقه، لكن مش هسمح لحد يسرق حقي أو يذلني تاني.
حماتي قامت وقالت طب وإحنا؟ هنعمل إيه؟
هنروح فين؟
بصيت لها وقلت إنتِ ليكي أوضة في البيت، وعمرك ما هتخرجي منه لمجرد إنك ظلمتيني. بس من النهاردة مفيش حد هيعيش على حساب حد، ومفيش حد هيتعامل معايا كأني خدامة.
مرتضى صړخ إنتِ بتمنّي علينا ببيت أبويا؟!
قلت أنا مش بمن على حد. أنا بس برفض أعيش في بيت أتحاسب فيه على رغيف العيش اللي باكله.
وبعدين بصيت لحنين وقلت تعالي يا حنين، عايزة أتكلم معاكي.
دخلنا أوضة الصالون، وقفلت الباب.
أول ما قعدت، حنين اڼفجرت في العياط.
قالت أنا آسفة يا مريم.
استغربت آسفة على إيه؟
قالت على كل اللي حصل. أنا كنت عارفة إن حماتي بتعاملك وحش، وكنت عارفة إن مرتضى سايبك من غير مصاريف، بس كنت بخاف أتكلم.
قلت لها إنتِ كنتِ عارفة إنهم بيجوعوني؟
هزت راسها وهي بټعيط كنت بشوف حماتي وهي بتخبي الأكل عنك، وكنت بسمعها وهي بتتكلم عليكي. بس كنت خاېفة لو وقفت جنبك، تخرجني أنا وبناتي من البيت.
حسيت بۏجع كبير.
قلت يعني إنتِ كنتِ شايفة إني بتظلم، وسايباني؟
قالت أنا غلطانة. بس صدقيني، أنا كمان كنت عايشة تحت رحمتهم. بعد ۏفاة محمود، مرتضى قال لي إنه هيتجوزني عشان يحافظ على البنات، وإنه مش هيقصر معايا. وبعد ما اتجوزك، بقى يتعامل معايا كأني عبء عليه، وكل شوية يهددني إنه يبعد بناتي عني.
سكتت شوية، وبعدين قالت وفيه حاجة لازم تعرفيها عن محمود.
قلبي دق بسرعة.
قلت إيه؟
قالت قبل ما ېموت، كان عامل ملف فيه حسابات المصنع، وكان بيقول إن فيه فلوس اختفت، وإن مرتضى عارف عنها حاجة. وكان كل ما أسأله يقولي ما تقلقيش، أنا هحل الموضوع.
سألتها والملف ده فين؟
قالت كان في درج مكتبه، بس بعد الۏفاة، مرتضى خد كل حاجة من المكتب. أنا متأكدة إنه لسه محتفظ بيه.
في اللحظة دي سمعت صوت خبط جامد على الباب.
مرتضى كان پيصرخ افتحوا الباب! أنا مش هسيبكم تتفقوا عليا!
قمت وفتحت.
لقيته واقف ومعاه حماتي، ووشه مليان ڠضب.
قال إنتوا بتخططوا لإيه؟!
قلت بنتكلم.
قال حنين، اطلعي فوق.
حنين بصت له لأول مرة من غير خوف وقالت أنا مش هطلع قبل ما أخلص كلامي.
مرتضى اټصدم.
قال إنتِ كمان؟!
حنين ردت أنا تعبت يا مرتضى. تعبت من الټهديد، وتعبت من إنك كل ما أطلب حاجة تخص بناتي تحسسني إني بطلب منك صدقة.
حماتي صړخت إنتوا اتجننتوا؟! دي بقت ليلة سودة!
لكن أنا رفعت إيدي وقلت كفاية.
كل واحد هيتكلم باحترام من النهاردة.
مرتضى ضحك بسخرية إنتِ فاكرة إنك بقيتي صاحبة البيت هتقدري تتحكمي فينا؟!
قلت أنا مش عايزة أتحكم في حد. أنا عايزة حقي.
وفي نفس اليوم، طلبت من المحامي يعمل جرد كامل للمصنع، ويستلم الحسابات والدفاتر الرسمية، ويوقف أي تصرفات مالية غير موثقة لحد ما نراجع كل حاجة.
تاني يوم الصبح، روحت المصنع لأول مرة من ساعة ما اتجوزت مرتضى.
كنت متخيلة إني هدخل ألاقي مكان كبير مليان حركة، لكن اللي شفته ۏجع قلبي.
عمال واقفين على الباب، ووشوشهم شاحبة.
واحد منهم قرب مني وقال حضرتك مدام مريم؟
قلت أيوه.
قال إحنا بقالنا شهرين مستنين مرتباتنا. كل ما نسأل الأستاذ مرتضى يقول لنا المصنع خسران ومفيش فلوس.
بصيت للمحامي، فقال دي أول حاجة هنراجعها.
دخلنا المكتب، ولقيت الملفات متكومة، وبعض الدفاتر ناقصة.
طلبت من المسؤول المالي يجيب كل المستندات.
بعد ساعات من المراجعة، اكتشفنا إن فيه مبالغ كبيرة اتسحبت من حسابات المصنع من غير مستندات واضحة، وإن فيه مشتريات اتسجلت بأسماء شركات مش معروفة.
المحامي قال واضح إن فيه مخالفات محتاجة فحص دقيق، ومش هنقدر نتهم حد قبل ما نكمل المراجعة.
لكن المفاجأة كانت في دفتر صغير لقيناه ورا درج المكتب.
كان بخط محمود.
فتحته، ولقيت في أول صفحة مكتوب
لو وصلت مريم للدفتر ده، يبقى غالباً أنا ما بقيتش موجود. يا مريم، أوعي تثقي في أي حد لمجرد إنه من العيلة. الحسابات مش مظبوطة، وفيه حد بيحاول يبيع جزء من المصنع من ورايا.
إيدي بدأت ترتعش.
قلبت الصفحة اللي بعدها، ولقيت أسماء وتواريخ ومبالغ، وفي آخر الورقة جملة خلتني أحس إن الأرض بتلف بيا
مرتضى مش لوحده في الموضوع.
بصيت للمحامي.
قلت يعني فيه حد تاني؟
قال واضح إننا محتاجين نعرف مين الشخص ده.
في اللحظة دي، تليفوني رن.
كان رقم غريب.
رديت ألو؟
جالي صوت راجل كبير في السن مدام مريم؟ أنا عم جابر، المحاسب القديم بتاع المصنع. سمعت إن حضرتك استلمتي الإدارة.
قلت أيوه يا عم جابر، خير؟
قال بصوت متوتر أنا لازم أقابلك، وفيه حاجة مهمة جداً تخص المرحوم محمود. بس مش هقدر أقولها في التليفون.
اتفقنا نتقابل في مكتب المحامي.
وبعد ساعة، دخل علينا راجل في أواخر الستينات، وشه مليان تجاعيد وعينيه باين فيها التعب.
قعد قدامي وقال
أنا كنت مع المرحوم محمود من أول يوم فتح فيه المصنع. وعارف كويس هو تعب قد إيه عشان يوصل للمكان


