
\- كنت تمنعها!
\- أمنعها إزاي؟!
صرخت:
\- إنت جوزها!
وفجأة كرم انفجر في وشها:
\- أنا كمان بقالي تلات سنين مش عارف أعيش حياتي بسببكم!
شكران دخلت في نوبة عياط.
\- يعني إحنا بقينا السبب؟!
كرم ماردش.
لكن الحقيقة كانت واضحة قدامه.
أنا لما مشيت، طلبات العيلة مخلصتش.
بس الشخص اللي كان بيدفع تمن كل حاجة اختفى.
بقى فيه إيجار، وتأمين شقة، ومصاريف نقل، وأكل، وفواتير، واحتياجات يومية.
وشكران كل يوم تتصل بيه:
\- ابعت فلوس.
\- ساعد أخوك.
\- هات علاج أبوك.
\- ساهم في فرح بشرى.
ومرتبه مبقاش يكفي كل ده.
طول تلات سنين كان متعود على دخلي، وعلى إني أشيل المصاريف من غير ما أتكلم.
دلوقتي لأول مرة بدأ يفهم معنى إنه يعيش على قد إمكانياته.
وفهم حقيقة واحدة:
أنا مكنتش مجرد مراته.
أنا كنت الشخص اللي شايل مصاريف عيلته كلها من غير ما حد يحس.
وبعدها كرم حاول يرجعني.
بعتلي ورد.
وبعت رسائل طويلة.
ولما مقدرش يوصلّي، بدأ يبعت للمحامية علشان توصلني كلامه.
«أنا ندمان».
«هتكلم مع أمي».
«محدش من عيلتي هيعيش معانا تاني».
«أرجوكي اديني فرصة أخيرة».
كنت وقتها قاعدة في كافيه صغير في كاش، والبحر قدامي.
قريت كل الرسائل واحدة واحدة.
وبعدين قفلت الموبايل.
وفكرت شوية، وبعدها بعت للمحامية:
«عايزة أكمل إجراءات الطلاق».
ندم كرم جه متأخر جدًا.
لأني مكنتش فقدت حبه.
أنا كنت اكتشفت أخيرًا إني مكنتش متحابة بالطريقة اللي أستحقها.
وفيه فرق كبير بين الاتنين.
بعد شهر، الإجراءات الخاصة بالشكوى اللي قدمتها ضد شكران كملت.
التقرير الطبي، وأقوالي، والأدلة اللي اتجمعت، كلها اتراجعت.
وفي الأول معظم أفراد العيلة رفضوا يتكلموا.
لكن جولجان قررت أخيرًا تقول الحقيقة.
وقالت في شهادتها:
«شكران ضربت إليف مرتين، وأنا كنت موجودة وشوفت ده بعيني».
الكلام ده كان مهم جدًا بالنسبالي.
لأن يومها كل اللي كانوا موجودين اختاروا يسكتوا.
لكن المرة دي حد قرر ما يسكتش.
وبعد استكمال الإجراءات القانونية، شكران اضطرت تواجه نتيجة تصرفاتها.
ومبقاش ينفع حد يعتبر الضرب مجرد خلاف عائلي بسيط ويتجاهله.
أما أنا، فمطلبتش انتقام.
كل اللي كنت عايزاه إن حقي ميتضيعش، وإن اللي حصل مايتحولش لحاجة عادية الناس تسكت عليها.
وبعد فترة، طلاقي من كرم بقى نهائي.
المحكمة درست طلبات الطرفين والمستندات المقدمة.
وأوراق الملكية اللي كانت بتثبت إن الشقق من ممتلكاتي قبل الجواز كانت مهمة جدًا.
وفي النهاية، صدر حكم الطلاق وبقى نهائي بعد استكمال الإجراءات.
اليوم اللي عرفت فيه إن الطلاق خلص، مكنش عندي احتفال ولا كنت مجهزة أي حاجة.
لكن صحيت بدري ونزلت على البحر.
خلعت جزمتي ومشيت حافية على الرمل.
وبعدين قعدت على كرسي.
فجأة تليفوني رن.
كانت ماما.
\- إليف؟
\- أيوه يا ماما.
\- إنتِ كويسة يا بنتي؟
بصيت للبحر وقلت:
\- أنا كويسة.
سألتني تاني:
\- بجد؟
سكتّ شوية، وبعدين عيني دمعت.
\- يا ماما، أعتقد إني لأول مرة من سنين طويلة حاسة إني فعلًا كويسة.
ماما عيطت وقالت:
\- إنتِ بس خليكِ مبسوطة يا بنتي.
افتكرت طفولتي.
صوت ماكينة الخياطة بتاعة ماما.
ورجوع بابا من المحل بالليل.
ولمّتنا حوالين الترابيزة الصغيرة في المطبخ وإحنا بنشرب الشاي.
إحنا عمرنا ما كنا أغنيا.
لكن عمرنا ما قللنا من قيمة حد، ولا استغلينا تعب حد، ولا اشترينا الحب بالفلوس.
في اليوم ده فهمت قد إيه كنت محتاجة أفتكر أنا مين.
بعد الطلاق قررت أبدأ حياة جديدة في أنطاليا.
لكن المرة دي متهورتش.
ما اشتريتش فيلا كبيرة، ولا صرفت كل فلوسي على حاجات ملهاش لازمة.
استأجرت شقة صغيرة، وبدأت أختار كل حاجة فيها بنفسي.
كنبة لونها فاتح.
مكتب خشب.
مكتبة صغيرة.
وعلى البلكونة حطيت قصاري ريحان.
وفي المطبخ اشتريت طقم سفرة يكفي أربعة أشخاص بس.
لأني مبقتش مضطرة أطبخ لخمستاشر شخص كل يوم.
أول ليلة عملت لنفسي شوربة عدس وسلطة صغيرة.
وقعدت على السفرة.
كان فيه هدوء غريب.
مفيش صوت تليفزيون عالي.
مفيش خناق.
مفيش عيال بتجري.
ومفيش حماتي بتديني أوامر.
كان فيه بس صوت الهوا داخل من الشباك.
في الأول حسيت إن الهدوء غريب عليّا.
لكن بعدين فهمت إنه مش فراغ.
ده كان صوت الراحة.
رجعت أركز في شغلي، وبعد فترة جالي عرض أشتغل على تصميم فندق صغير جديد في أنطاليا.
صاحبة المشروع كانت ست اسمها زينب.
في أول اجتماع بينا قالتلي:
\- أنا عايزة الناس لما تدخل المكان تحس إنها في بيتها.
الجملة دي لمست حاجة جوايا.
لأني كنت عشت سنين في بيت، ومكنتش حاسة إنه بيتي.
بدأت المشروع بحماس كبير.
اهتميت بدخول ضوء الشمس، واستخدمت الخشب الطبيعي والألوان الهادية والحجر المحلي.
وخليت كل أوضة فيها ركن صغير للراحة.
ولما زينب شافت التصميمات ابتسمت وقالت:
\- واضح إنك حاطة قلبك في الشغل ده.
ابتسمت وقلت:
\- لأني بقيت عارفة كويس يعني إيه مكان يخلي الإنسان يحس بالأمان.
بعد شهور الفندق خلص، ويوم الافتتاح وقفت عند المدخل وبصيت لشغلي.
الست اللي كانت زمان بتصرف كل طاقتها علشان تريح ناس بيستغلوها، بقت بتبني مستقبلها بإيديها.
وبتشتغل لنفسها.
وباسمها.
وبقرارها.
وبعد فترة، سمعت أخبار كرم.
اتصلت بيا صديقة مشتركة اسمها ميليس.
قالتلي:
\- إليف، عايزة أحكيلك حاجة.
\- خير؟
\- شوفت كرم.
\- عامل إيه؟
\- اتغير كتير.
\- إزاي؟
\- مبقاش عايش مع أمه، وأجر شقة صغيرة، وبقى بيشتغل شغلانتين علشان يقدر يصرف على نفسه.
قلت بهدوء:
\- ربنا يوفقه.
كملت ميليس:
\- علاقته بأمه كمان اتغيرت، وبقى يقولها إنه مش قادر يصرف عليها زي الأول.
قفلت عيني لحظة.
زمان كنت ممكن أزعل عليه، أو أفكر أكلمه وأساعده.
لكن دلوقتي بقيت عارفة إن كل إنسان مسؤول عن اختياراته.



