روايات وقصص

قلمين من حماتي انهو جوازي ج3

ميليس سكتت شوية، وبعدين قالت:

\- على فكرة، كرم سألني عليكي.

\- قولتيله إيه؟

\- قولتله إنك كويسة وعايشة حياتك.

ابتسمت وقلت:

\- قولتيله الحقيقة.

بعدها ميليس قالت بصوت هادي:

\- واضح إنه لسه مستوعبش إنه خسرك.

رديت عليها:

\- ميليس، هو خسرني من زمان، قبل ما أمشي بكتير.

أنا كنت عايشة معاه، لكن كنت بضيع نفسي كل يوم.

دلوقتي أنا رجعت لنفسي.

وبعد سنة تقريبًا، ماما جات تزورني في أنطاليا.

نزلنا سوا نتمشى على البحر وقت الغروب.

السما كانت لونها برتقالي ووردي.

ماما مسكت دراعي وسألتني:

\- يا بنتي، هتفكري تتجوزي تاني؟

ضحكت وقلت:

\- مش دلوقتي يا ماما.

\- طب مش هتتعبي من الوحدة؟

فكرت شوية وبعدين قلت:

\- يا ماما، أنا كنت متجوزة تلات سنين، ومع ذلك عمري ما حسيت بالوحدة قد ما كنت حاسة بيها وقتها.

ماما مسكت إيدي وقالت:

\- ودلوقتي؟

ابتسمت وقلت:

\- دلوقتي أنا عايشة لوحدي، بس مش حاسة إني وحيدة.

وبدأت أحكيلها عن شغلي، والمشاريع الجديدة، وصحابي، والكورسات اللي بقيت بحضرها.

حتى إني بدأت أتعلم الفخار وأرجع أقرأ الكتب اللي كنت بطلتها من سنين.

ماما كانت بتسمعني وهي مبتسمة.

كأنها أخيرًا رجعت تشوف بنتها اللي كانت تعرفها زمان.

وفي الصيف، وصلتني رسالة من جولجان.

كتبتلي:

«إليف، عايزة أقولك حاجة».

رديت:

«اتفضلي».

قالت:

«أنا كمان بدأت أشتغل».

فرحت جدًا وكتبتلها:

«مبروك، ربنا يوفقك».

بعد شوية بعتت رسالة تانية:

«وعايزة أعتذرلك عن حاجة».

بصيت للموبايل.

وكملت:

«يوم ما شكران ضربتك، أنا كنت موجودة وشوفت كل حاجة».

كتبتلها:

«أيوه، فاكرة».

ردت:

«أنا سكتّ وقتها، علشان كنت خايفة».

وبعدها بعتت:

«بس خوفي مش معناه إن اللي عملته كان صح».

عيني دمعت.

كتبتلها:

«إنك اعترفتي بده معناه كتير بالنسبالي».

ردت:

«بعد ما مشيتي، كلنا اتعلمنا حاجات كتير».

سألتها:

«زي إيه؟»

قالت:

«إن استغلال طيبة الإنسان مش معناه إننا بنحبه».

قفلت الموبايل وأنا حاسة براحة غريبة.

خروجي من البيت مغيرش حياتي أنا بس.

ده خلّى ست تانية كانت ساكتة طول السنين تبدأ تتكلم.

وفي يوم من أيام الخريف، وصلتني رسالة من رقم غريب.

كنت راجعة من اجتماع شغل، وماشية على طريق البحر.

تليفوني رن، لكني مردتش.

بعد شوية وصلتني رسالة:

«إليف، أنا كرم».

وقفت وبصيت للشاشة.

كمل:

«أنا عارف إنك مش عايزة تتواصلي معايا، لكن طلبت من ميليس توصل رسالتي ليكي عن طريق المحامية».

وبعدين كتب:

«لو في يوم قدرتي تسامحيني، عايزك تعرفي إني ندمان على كل اللي عملته فيكي. أنا خسرت مش البيت بس، أنا خسرت الحب اللي إنتِ كنتِ بتديهولي».

فضلت باصة للكلام فترة طويلة.

دي كانت الكلمات اللي زمان كنت مستعدة أعمل أي حاجة علشان أسمعها.

لكن دلوقتي مكنتش بتحرك جوايا أي حاجة.

حطيت الموبايل في جيبي، وبالليل بعت للمحامية رد مختصر:

«مش عايزة أفتح الماضي تاني. أتمناله الخير في حياته الجديدة».

ومن بعدها كرم مبعتش تاني.

وأنا كمان مبصتش ورايا.

وبعد سنتين، حققت حلم جديد.

فتحت مكتب صغير للتصميم الداخلي في أنطاليا.

وعلى الباب كتبت اسمي:

ELİF YILMAZ – استوديو التصميم الداخلي

أول موظفة اشتغلت معايا كانت بنت صغيرة لسه متخرجة من الجامعة اسمها ديلان.

أول يوم ليها في المكتب قالتلي بحماس:

\- أستاذة إليف، أنا نفسي في يوم أبقى زيك وأفتح مكتبي الخاص.

ابتسمت وقلت:

\- وهتعملي كده.

\- بجد؟

\- طبعًا، بس عايزاكي تفتكري حاجة.

\- إيه هي؟

\- متستنيش حد يقولك إن تعبك ليه قيمة، إنتِ لازم تكوني عارفة قيمته بنفسك.

هزت راسها بابتسامة.

وأنا بصيت من شباك المكتب.

الشمس كانت طالعة، والناس ماشية في الشارع، والحياة مستمرة.

زمان كان عندي بيت كبير في إسطنبول، عايش فيه خمستاشر شخص.

لكن مكنش ليا فيه حتى ركن صغير أحس إنه بتاعي.

دلوقتي عندي شقة صغيرة، ومكتب باسمي، وناس قليلة اخترتهم بإرادتي.

أثاث أقل.

زحمة أقل.

لكن راحة أكتر بكتير.

وفي صباح يوم جمعة، قبل ما أروح المكتب، قعدت أفطر على البحر.

فتحت الموبايل وبدأت أتفرج على الصور القديمة.

وفجأة ظهرت قدامي صورة عائلية من تلات سنين.

الصالة الكبيرة.

سفرة طويلة.

كرم.

شكران.

نهاد.

بشرى.

سرجان.

وباقي القرايب.

وأنا واقفة في آخر الصورة.

كلهم كانوا بيضحكوا.

وأنا كمان كنت بضحك.

لكن لما بصيت للصورة كويس، لاحظت حاجة غريبة.

كنت وسط الزحمة كلها، ومع ذلك كنت باينة وحيدة جدًا.

مسحتش الصورة.

لأني مكنتش بخجل من ماضيّا.

أنا بس كنت عارفة إني مبقتش أنتمي للمكان ده.

قفلت الموبايل وخلصت قهوتي.

الهوا كان بيحرك شعري.

وفجأة سمعت طفلة صغيرة قاعدة على الترابيزة اللي جنبي بتسأل أمها:

\- ماما، يعني إيه بيت؟

أمها ابتسمت وقالتلها:

\- البيت هو المكان اللي الإنسان بيحس فيه بالأمان.

حطيت الفنجان على الترابيزة وكررت الجملة جوايا.

أيوه.

البيت هو المكان اللي الإنسان يحس فيه بالأمان.

مش مجرد عنوان مكتوب في عقد ملكية.

ومش مهم يكون عايش فيه كام شخص.

المهم تكون قادر تكون نفسك من غير خوف.

فاكرة شكران لما قالتلي زمان:

«إنتِ دخلتي العيلة دي كزوجة ابن، يبقى لازم تستحملي كل حاجة».

وكرم لما قاللي إني أستاهل الضربتين اللي أمه ضربتهوملي.

الاتنين كانوا فاكرين إني هفضل ساكتة للأبد.

لأني طول عمري كنت بسكت.

لما كنت بتكسر، كنت بسكت.

لما كنت بتعب، كنت بسكت.

لما كانوا بيطلبوا فلوسي، كنت بديهم.

ولما أخدوا مني أوضتي، مكنتش بتكلم.

لكن في يوم فهمت إن الطيبة مش معناها إني أضحي بنفسي.

وإن العيلة مش معناها إن شخص واحد يشيل تعب ومصاريف كل الناس.

وإن الجواز مش معناه إن الست تتنازل عن حقوقها وكرامتها.

أنا يوم ما بعت بيتي، مهدّمتش عيلة.

أنا بس سبت نظام ظالم كان عايش على حسابي من سنين.

شكران مبقتش قادرة تتحكم في حياة الناس زي الأول.

كرم بقى بيواجه نتيجة اختياراته.

سرجان اشتغل.

بشرى بدأت تتحمل مسؤولية جوازها.

وجولجان بقت بتكسب فلوسها بنفسها.

أما أنا…

فرجعت أبقى أنا.

وفي الصبح ده، وأنا ماشية على شاطئ كاش، فهمت أهم حقيقة في حياتي:

ساعات أكبر مكسب في حياة الإنسان مش إنه يشتري بيت جديد، لكن إنه يقدر يبعد عن الناس اللي خلوه غريب في بيته.

أنا بعت شقتين.

وأنهيت جواز استمر تلات سنين.

وسبت جوزي وعيلته الكبيرة ورايا.

لكن عمري ما حسيت إني خسرت حاجة.

لأني في النهاية رجعت أغلى حاجة كانت ضاعت مني.

رجعت حياتي… ورجعت نفسي.

النهاية ❤️

4 من 4التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى