
بعد سبع ايام من غياب جوزي، ضرتي رمتني ببناتي بره البيت لان الغائب كتب لها ولاولادها كل اللي حيلته، اما انا سابلي بيته القديم وقالي ده ورثك بارضه وترابه، وقتها جريت انا وبناتي حفرنا الارض عشان نعرف مخبي ايه، بس مكانش فيه دهب ولا فلوس، اللي لقيناه كان اغرب بكتير خلاني اتجمدت من الصدمه ولحد انهارده مفهمتش ليه جوزي عمل كده!!!!
كنت قاعدة في الصالة، شايفة الدنيا بتضيق بيا، وساكتة. جوزي عبد القادر كان في عز شبابه لما المرض الصعب هجم عليه وتمكن منه في شهور قليلة. الأطباء قالوا كلمتهم الأخيرة مفيش أمل، أيام معدودة.
البيت كان مليان حزن وخوف، بس الخوف الحقيقي محدش حسه غيري أنا.. مش بس عشان هيغيب وأنا بحبه وكنت بتمنى أشيل وجعه كله، لكن عشان وراه أم مفيش في قلبها رحمة، ومراته التانيه اللي اتجوزها بعد زن من امه كل همها المصلحة وبس.
في الوقت ده أم عبد القادر دخلت عليه الأوضة وهو نايم على السرير وقالتله بصوت ناشف:
يا ابني فيه حاجه لازم نكلم المحامي ونعملها بسرعه، بناتك مسيرهم هيتجوزوا ويروحوا لبيوت أزواجهم، فلوسك وأرضك لو راحت لهم يبقى هتروح للغريب! حرام تعب سنينك يضيع برة العيلة، اكتب كل اللي ليك للولدين اللي حيلتك.
ضرتي نطت بسرعة وقالت بتأييد:
بالظبط يا حماتي، امال تعب الراجل يروح لرجالة غريبة؟ ده إحنا كفاية إنه هيغيب في عز شبابه! ولا إيه رأيك يا عبد القادر؟
انا بصتلهم بوجع وقولتلهم: بس ده ظلم لبناتي.
عبد القادر نزل عيونه في الارض من المرض ومن قلة الحيلة. بصلي أنا وبناتي الأربعة الواقفين في زاوية الأوضة، ودموعه لمعت في عينيه، وقال بصوت واطي:
أمي معاها حق يا جميلة.. البنات ملهُمش ورث.
الكلمة دمرتني. كنت عايزة أصرخ وأقوله بناتك دول حتة منك!.. بس لما بصيت على وشه، شفت الوجع والحزن والمرض تانين في ملامحه، صعب عليا أوي. حسيت إنه بيغيب، وكنت عارفة كويس إن طول عمره الكلمه اللي بتقولها أمه مفيش فيها نقاش.
بلعت مرارة القهر، وبصيتله وبدموع نزلت غصب عني قلتله:
ربنا يديك طولة العمر يا أبو البنات، ومالك يفضل ليك.. إنت …ربنا قادر على كل شيء.
خدت بناتي الأربعة ودخلت بيها على الأوضة بتاعتنا، وتحت أنظار النصر والفرحة اللي كانت بتلمع في عيون ضرتي.. اللي ضمنت المستقبل كله لعيالها على حسابنا.
وفعلاً، مخدش الموضوع أيام.. جابوا المحامي لحد البيت، وكتب كل شبر وكل قرش باسم الولاد الصبيان.
بعدها بكام يوم، جوزي حالته ساءت قوي، لدرجة إنه جمعنا كلنا حواليه وصوته كان يا دوب بيطلع، وقال:
أنا كتبت كل حاجة لاولادي الصبيان.. حتى البيت اللي إحنا قاعدين فيه ده.
سكت شوية، واخذ نفسه بصعوبة، وبعدين كمل وقال:
بس.. جميلة وبناتها.. سبتلهم بيتي القديم، تلم بناتها فيه.
أنا اتصدمت! البيت القديم؟! البيت ده كان متهالك، واقع، مهدود، وحيطانه متشققه، ده كان كوم تراب وطوب قديم من أيام أبوه!
في اللحظة دي، ضرتي مقدرتش تكتم ضحكتها، وقالت بتريقة:
خير ما عملت يا خويا! كتر خيرك إنك سبتلهم مأوى، ده آخرهم أصلاً!.
عبد القادر ما ردش عليها. بصلي أنا، ومد إيده الباردة التعبانة وقال بصوت ضعيف كأنه بيترجاني:
قربي يا جميلة.. قربي.
قربت منه بسرعة وحطيت راسي جنب بقه، وبصيت في عينيه لقتهم مليانين كلام كتير مش مفسر. قال لي بصوت هامس:
مسمحاني؟.. أنا هغيب وعايزك تبقي مسمحاني.
قلتله بوجع: من كل قلبي مسمحاك يا حبيبي.. ربنا يجعل يومي قبل يومك.
ابتسم ابتسامة ضعيفة جداً، وضغط على إيدي جامد بقوة غريبة بالنسبة لواحد بيغيب، وقال:
البيت القديم.. ليكي إنتي والبنات.. ليكي بأرضه وترابه.. فهماني؟ بارضه وترابه!.
مكنتش فاهمة هو قاصد إيه بالكلام ده بالظبط، ولا إيه الحكمة انه يقول بارضه وترابه، بس هو كان حرفيا بيغيب. هزيت رأسي بالموافقة عشان أريح قلبه.. وفي اللحظة دي، إيد عبد القادر وقعت من على إيدي، وسكن نفسه الأخير.. وغاب!
وغابت معاه كل سعادتي من الدنيا.
بعد أسبوع واحد بس من غيابه، ضرتي متضيعش وقت.. طردتني أنا وبناتي من البيت الكبير، وقالتلي ببرود:
يلا يا حبيبتي إنتي وبناتك.. جوزك سابلك خرابه اقعدي فيها.
لميت هدوم بناتي، وخدتهم ورحنا البيت القديم. لما وصلنا، لقينا البيت فعلاً عبارة عن كوم حجارة ومكان متهالك يخوف.
البنات قعدوا يعيطوا، وقالولي:
هنقعد هنا إزاي يا ماما؟ ده مش بيت.. ده موحش!.
حضنتهم وأنا دموعي على خدودي، بس وسط العياط، كلمة جوزي فضلت ترن في وداني ليكي بأرضه وترابه.. فهماني؟ بارضه وترابه!.
قعدت أفتكر نظرة عينيه الأخيرة، وضغطته على إيدي. بصيت حواليا في أرضية البيت، لقيت عدة حفر قديمة من سنين طويلة. وحسيت إن الارض دي وراها سر كبير.
بصيت للبنات وقلت لهم بحزم:
ساعدوني.. هنحفر.
وبالفعل، بدأنا نحفر الأرض بالعده اللي في البيت ..وحتى بنتي الصغيره كانت بتحفر معانا بايدها. كل يوم، كنا بنهلك من التعب والعرق وضرتي كل ما تعرف إننا بنحفر في التراب والخرابة، كانت تتصل عليا تفضل تضحك وتقولي:
ها يا جميلة.. لقيتي كنوز سليمان ولا لسه؟ ولا هتحفري لحد ما تتعبي في التراب؟.
كنت بقفل في وشها التليفون من غير ما أرد، وأرجع أكمل حفر بإصرار أكبر.
لحد ما اخيرا وقعت عيني فجأة على حاجة غريبة جداً جوه الحفرة.. حاجة مكانتش دهب ولا فلوس.. اللي لقيناه كان أغرب بكتير، خلاني اتجمد مكاني من الصدمة، وبقيت واقفة عيوني مزغللة ومش فاهمة لحد إنهارده.. ليه جوزي عمل كده؟!
فضلت واقفة مكاني، مش قادرة أتحرك ولا حتى أصرخ، وأنا ببص على الحاجة اللي ظهرت قدامي بعد ما شيلنا طبقة التراب الأخيرة.
كانت عبارة عن باب حديد صغير، مدفون تحت الأرض، وعليه قفل قديم، وفوقه بلاطة رخام مكتوب عليها اسمي بخط جوزي!
جميلة عبد القادر.
حسيت إن قلبي هيقف، وبناتي اتلموا حواليا، وبنتي الكبيرة قالتلي وهي مرعوبة:
ماما، هو باب إيه ده؟ وإزاي بابا كاتب اسمك عليه؟
قعدت على ركبتي ومسحت التراب بإيدي، وفضلت أبص على اسمي وأنا بعيط. هو كان عارف؟ هو كان مخبي إيه تحت البيت ده؟
جبت مطرقة صغيرة من الأدوات اللي معانا، وفضلت أحاول أكسر القفل، لحد ما اتفتح أخيراً.
رفعت الباب الحديد بصعوبة، واتفاجئت بسلم ضيق نازل لتحت، والضلمة مالية المكان.
بنتي الصغيرة مسكت في هدومي وقالت:
ماما بلاش ننزل، أنا خايفة.
حضنتها وقلت لها:
متخافيش يا حبيبتي، إحنا هنفهم أبوكي كان عايز يقولنا إيه.
نزلت أنا وبنتي الكبيرة، وشغّلنا كشاف الموبايل، ولما وصلنا تحت، لقينا أوضة صغيرة مبنية بالطوب والأسمنت، فيها دولاب حديد، وترابيزة، وكرسي، وعلى الترابيزة صندوق خشب كبير.
لكن الصدمة الحقيقية كانت في الحيطة اللي قدامنا.
كان فيه أربع صور لبناتي، كل صورة متعلقة لوحدها، وتحت كل صورة اسم بنتي وتاريخ ميلادها!
فضلت أبص للصور وأنا مش فاهمة.
ليه عبد القادر عامل مكان زي ده؟ وليه حاطط صور بناته هنا؟



