منوعات

تحت مسمي الحب ج1

الكاتبه نرمين عادل همام

حنا ماشيين على خطة متحفظة وبسيطة جداً، وهي ماشية في التحسن أهو بسرعة. بصلي وهو مبتسم ابتسامة تحذيرية. الابتسامة دي كانت تحسسني كأن في إيد تقيلة محطوطة على بؤي عشان تكتمه.

صح يا حبيبتي؟ أمي سألتني وهي بتبص في عيني.

قلت بتعب وإحباط: أنا مجهدة بس يا أمي.. الحمد لله. ده كان الحق، وعشان كده كان أسهل حاجة أقولها من غير ما أكذب أو أعمل مشكلة قدامها.

 

بعد ما أمي مشيت، مصطفى نزل البطانية اللي كان طبقها بحرص، ولمحلي بضيق ونرفزة إني أحرجته وزعلته لما ظهرت قدام أمي إني مش مبسوطة ولا مرتاحة من رعايته.

أهلك أصلاً فاكرين إني مقصر ومبعملش اللي عليا، قالها بغضب مكتوم وهو بيلف في الأوضة.

محدش فيهم يفكر كده يا مصطفى، أمي بتدعي لك!

يبقى ما تخليهمش يقلقوا ع الفاضي ويتدخلوا في اللي مالهمش فيه.

 

لما طلبت منه تاني أشوف تعليمات ورقة الخروج والروشتة عشان أطمن، رجعلي بعد شوية بصورة لصفحة واحدة مقصوصة على موبايله. مسك الموبايل بزاوية من إيده وقرا الحتت اللي شايف إنها مهمة بس ومناسبة لوجهة نظره.

طلبت منه يبعتلي الصورة كاملة على واتساب عشان أقرأها براحتي.

بعدين.. أنا مشغول مع البنت دلوقتي ومش فاضي للهسس ده.

طب ممكن بكره؟ قلت له بنبرة استعطاف.

أنا هراجع الموضوع بكره ونشوف. كنت بحبه وبتمسك بأي قشة لأنه ما فرضش عليا إجابة قاطعة بالرفض، وده كان بيديني أمل مزيف إنه هيصلح عقله.

بالليل، مصطفى عمل مكالمة فيديو مع أخته نادين المقيمة في دبي. مسك رنا في الكادر بمقاس مظبوط، وساند راسها، وقعد يحكي لنادين هي بتاكل قد إيه وبترضع كويسة بالمللي. ولما نادين سألته عليا وعلى صحتي والجرح، لف الكاميرا عليا فجأة.

قوليلها إنك بقيتي أحسن يا حبيبتي ومفيش وجع.

ابتسمت ابتسامة صفرا ومصنوعة للراشة: الحمد لله.. كل يوم أحسن من اللي قبله.

نادين قالتلي ما استعجلش على نفسي والقيصري محتاج وقت. مصطفى هز رأسه بجدية وشديدة وكأنه بيقولها إني بقولها نفس الكلام طول الوقت ومستعجلة!

 

بعد المكالمة، رنا كانت محتاجة تغير الحفاضة. طلبت من مصطفى يديهالي بعد ما يخلص عشان أقعد معاها وأشيلها وأحن عليها. قال بصرامة إني لازم أرتاح وبلاش فزلكة ومجهود مالوش لازمة.

عايزة أشيل بنتي يا مصطفى! دي بنتي!

يبقى تبطلي تجهدي نفسك وتبذلي مجهود طول اليوم في النكد والشكوى.

بصيت لسرير البنت. كانت في أمان، نظيفة، ومحاطة برعاية.. بس كل ده ما يغيرش حقيقة إني بقيت خايفة وخجلانة حتى إني أطلب أشيل بنتي في بيتي!

أحد أيام التلات بعد الظهر، لقيت الكشكول السلك بالصدفة تحت كومة غيار البيبي المغسولة على التسريحة. مكنش المفروض أتسحب وأبص في ملاحظات تخص علاجي أنا، بس عملت كده من وراه والفضول والحرقة ياكلوا في قلبي. كل سطر كان فيه وقت، ورقم، وتعليق مستفز ومريض:

 

الأحد، 9:30 صباحاً — طلبت الدوا بدري عن ميعاده بساعة كاملة.

الإثنين، 7:15 مساءً — رد فعل منفعل وعصبي تجاه الحدود المضبوطة.

التلات، 11:40 صباحاً — مركزة ومصرة على الحبوب تاني بشكل ملفت.

وجنب السطر الأخير ده، مصطفى كان راسم علامة استفهام صغننة بالأسود وكاتب بخط يده: إدمان؟ أظن بتطلب المسكن الداعي بدون ألم حقيقي.

زوري اتخنق ونفسي اتقطع والدم اتجمد في عروقي. يوم التلات الساعة 11:40 دي، كنت بسأله بحسن نية لو ينفع أكلم الدكتورة المتابعة لأن القعدة لسة بتوجعني جداً وجرحي بيشد وبيفرز كدمة. قال لي ساعتها إن الوجع ده طبيعي جداً ومفيش داعي للمبالغة والدلاعة، وإني هحرج نفسي بس لو اشتكيت، وأن العيادة هتقولي نفس الكلام اللي هو بيقوله بالحرف. اتاريه كان مسجل المحادثة دي في سرّه وكأني بجد بجري ورا مخدرات وأقراص مهدئة!

 

سمعت خطواته طالعة على السلم الرخام، فزقيت الكشكول بسرعة تحت القماش والهدوم.

بتعملي إيه عندك؟ سأل وهو بيبصلي بتركيز وشك من فوق لتحت.

بأدور على فوطة نظيفة لرنا.. قلت بجمود.

بص لكومة الهدوم، وبعدين بص في عيني مباشرة ببرود.

على فكرة، قال بنبرة تهديد مغلفة بنصيحة، لو الممرضة المنزلية سألتك يوم الجمعة الدنيا ماشية إزاي، أنا محتاجك تكوني صريحة جداً معاها وتقوليها على عدد المرات اللي بتطلبي فيها مسكنات زيادة بدون داعي عشان تساعدنا نعدي الأزمة دي.

 

عيني راحت بسرعة للمكان المخبية فيه الكشكول تحت الفوط. الممرضة كانت جاية يوم الجمعة.. ومصطفى كان جهّز القصة والحبكة سيناريو وحوار من بدري عشان يطلعني أنا اللي مريضة ومجهزة على

على يوم الأربع، 10 يونيو، كنت اتعلمت أحسب طاقة اليوم بالخطوات من كتر الألم والتعب.

خمس خطوات من السرير لباب الحمام. سبع خطوات كمان لحد التواليت. ثلاث خطوات للمغسلة. وبعدين الرحلة الطويلة والمرعبة عبر الطرقة، اللي كنت بقف فيها وأنا ساندة إيدي على الحيطة الرخام وأستنى الوجع يهدى شوية وشهقاتي تروح.

 

أمي كانت بتسمي النظام ده واحدة واحدة على نفسك يا سلوى. مكنتش تعرف إني كنت بحسب كل حركة بناءً على احتمالية إن مصطفى يرفض طلبي الجاي للمسكن ويكسفني. الأدوية التانية والمضادات اللي مكتوبة في روشتة الخروج كانت لسة مركونة ومقفول عليها.

 

مشيت على التعليمات اللي قادرة أشوفها بالعافية، مع الأكل والمية، بس كان عندي وجع رهيب في جنب الجرح بيخلي حتى الحركة العادية شبه مستحيلة. كنت محتاجة دكتورة متخصصة تقولي هل أنا بتعافى صح ولا في التهاب أو مشكلة، مكنتش محتاجة مصطفى يقرر نيابة عني هل من حقي أسأل ولا لأ!

الساعة 9 الصبح، وهو تحت في المطبخ بياكل وبيعمل قهوته، فتحت الأبلكيشن بتاع المستشفى على الموبايل بخفاء. كتبت رسالة لعيادة النسا والتوليد والدكتورة اللي ولدتني:

أنا سلوى، عملت قيصرية طارئة التلات اللي فات. الوجع شديد ومخليني مش قادرة أمشي ولا أراعي بنتي ومفيش تحسن. محتاجة أراجع خطة الدوا والمسكنات ضروري.

راقبت المؤشر وهو بيلف وبيبعت على الشاشة وترددت لحظة. وبعدين ضفت جملة فاصلة بالبلدي:

جوزي قافل على علبة الدوا والروشتة في شنطة عدته ومش راضي يديهالي، ومحتاجة مساعدة.

 

الكلام كان شكله يخوف ومرعب على الشاشة. كنت سامعة صوت مصطفى تحت في المطبخ بيفتح الأدراج ويقفلها. تخيلت وشّه ورده فعله لو عرف إني بلغت حد غريب. باغتّ نفسي وبعت الرسالة قبل ما أتردد وأغير رأيي.

الرد التلقائي جه إن الرسائل ممكن ما تتقريش في ساعتها وإن الحالات الطارئة محتاجة اتصال تليفوني. كنت عارفة كده، بس بعد ست أيام من التشكيك في مشاعري وإتقال إني ببالغ، حسيت إن بعت الجملتين دول كان زقة لباب حديد تقيل كان مقفول في وشي.

لما مصطفى طلع الأوضة، قلت له إني بعت للعيادة. وقف مكانه متنح.

إيه ده؟ عن إيه إن شاء الله؟

عن الوجع.. عايزة أتأكد إني بتعافى بشكل طبيعي.

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى