منوعات

تحت مسمي الحب ج1

الكاتبه نرمين عادل همام

ي اللحظة دي، وهي دافية وحضناها على صدري وريحتها زكية، ما بقاش في أي حاجة تاني تهم في الدنيا. راح قايل بثقة وتعالي: شفتي بقى؟ أنتِ زي الفل أهو لما ما تفتعليش الزعر والخوف. الموضوع نفسي في المقام الأول.

 

كان شخص تاني خالص في المستشفى قدام الناس والدكاترة. كان هو اللي بيمسك كوباية المية، ويكلم أهلي وأهله، ويقول للتمريض قد إيه أنا شجاعة وبطلة.

ولما بابا، الأستاذ كمال، سأله لو محتاجين أي مساعدة أو دادة في البيت، مصطفى رد بثقة ونخوة مزيفة إنه مسيطر على كل حاجة ومظبط الأمور ومش محتاجين مخلوق.

في البيت بقى، اتضح إن مسيطر على كل حاجة دي معناها مصطفى يسيطر عليا أنا شخصياً ويكتم نفسي.

مصطفى عمل الفطار بنفسه. غير حفاضة رنا وجابها لي لما جاعت عشان ترضع. دي كانت حاجات حقيقية وبيعملها فعلاً بمهارة، وواقعيتها دي هي اللي كانت بتلخبطني وبتجنني وتخليني أشك في ظني بيه. كان أسهل عليا أصدق إن عنده خطة غريبة بس حنينة وعايز مصلحتي، من إني أستوعب إن الراجل اللي بيحمصلي العيش التوست دلوقتي وبيعملي شاي بلبن ممكن يكون هو نفس الشخص اللي بيخليني أتوسل له عشان يرحمني من وجع جرح القيصرية.

 

الساعة 11 الصبح، طلبت منه ورقة الخروج بتاعة المستشفى والروشتة الأصلية عشان أقرأ التعليمات بنفسي. قال بلامبالاة إنها تحت في المطبخ في مكان ما ومش فاضي يدور. الساعة 1 الظهر، سألته بطلب رجاء لو ينفع يجيب علبة الدوا تقعد جنبي على الكومودينو مع التعليمات المكتوبة عشان أحس بأمان. هز رأسه بنفي قاطع.

لو فضلت جنبك، كل ما تحسي بشوية عدم راحة هتمدي إيدك وتاخدي منها وتلخبطي الجرعات.

أنا مش في حالة عدم راحة، أنا بتألم وجسمي بيصرخ يا مصطفى!

وأنا بحاول أحميكي من نفسك، بكره تشكريني.

أداني حباية واحدة في الكوباية البلاستيك، وقعد يراقبني بحذر بصلابة وش وهو واقف فوق رأسي وأنا ببلعها بالمية، وبعدين فتح كشكول سلك صغير بشرائط ملونة كان جايبه معاه من المكتبة فوق.

بتعمل إيه؟ سألته وأنا بمسح بؤي.

بأيد جدول الأدوية والملاحظات. الممرضة قالت لازم نتابع كل حاجة بدقة.

الكلام ده في ظاهره كان منطقي وعقلاني جداً. تدوين مواعيد الدوا بيمنع اللخبطة والأخطاء، خصوصاً والأب والأم تعبانين ومش نايمين من السهر. حتى إني شكرته وقتها وقلت له ربنا يخليك ليا. كتب الوقت بخطه المنظم. وبعدين كتب حاجة تانية بسرعة، وميّل الصفحة بعيد عن عيني بحركة مريبة.

عدها بشوية، لما رنا نامت ومصطفى نزل المطبخ يرمي الزبالة ويعمل قهوة، تسحبت ببطء شديد وبصيت في الكشكول السلك المتروك على الكومود.

قريت مكتوب:

1:08 ضهراً — سلوى طلبت الدوا تاني بدري. منفعلة وعصبية وغير متزنة لما فكرتها بالحدود.

وقفت مسنودة بإيد واحدة على حرف التسريحة، وقريت الجملة مرتين وثلاثة وأنا مش مصدقة عينيا ودموعي هتفر من الشوك. أنا مكنتش منفعلة! أنا كنت بسأل سؤال عادي وبترجاه بكسرة! قفلت الكشكول بسرعة ورجعته مكانه قبل ما يرجع، بس الكلمات فضلت محفورة في دماغي زي الوشم. في المستشفى، كنت مريضة ومحتاجة رعاية واهتمام.. وفي أوضة نومي، جوزي كان بيسجلني في كشكوله الخاص على إني مشكلة نفسية ومبتلعة أدوية!

وكان ده مجرد أول يوم لينا في البيت بعد المستشفى.

على يوم الأحد، مصطفى كان عمل نظام وسيستم عسكري لكل حاجة في البيت. ظبط منبهات لمواعيد رضاعة رنا. رص الحفاضات النظيفة والمناديل المبللة جنب ترابيزة الغيار بالمسطرة. عمل جدول إكسيل طابعه ومقشره لكمية اللبن اللي بشفطه وأوقات نومها. وعلى باب التلاجة في المطبخ، لزق ورقة صفرا كبيرة مكتوب عليها بخط عريض: خطة التعافي، وكأن بيتنا تحول لمستشفى استثماري صغير وشغال بكفاءة ألمانية. أي حد يزورنا كان هيحلف إني ملكة ومحظوظة بيه ومتهنية في عيشتي.

أمي، الحاجة ماجدة، جت بعد الظهر عاملة حلة شوربة فراخ بلدي دافية، وجابت بيجامة قطن نظيفة، ونفس نظرة الشفقة والحيرة اللي بتبان على وشها لما تحاول ما تتدخلش في حياتي الزوجية. بصت حوالين المطبخ والأوضة وابتسمت بشرود.

بسم الله ما شاء الله، أنتوا منظمين أوي يا ابني، ربنا يخليكم لبعض.

 

مصطفى فتح التلاجة بفخر عشان يوريها العلب المتعلمة والمترتبة.

سلوى محتاجة ترتاح يا طنط. أنا محجم الموضوع ومسهل الجدول خالص عشان ما تتعبش.

جابلي الشوربة على صينية شيك، وغطى ركبي ببطانية خفيفة، وباس دماغي قدامها بحنية مفرطة. ماعرفتش أطلع كلمة ولا أشرحلها إن كل فعل عطف وحنية منه، كان نازل ومربوط بشرط وقاعد على قلبي خنيقة وابتزاز عاطفي.

رنا كانت نايمة في أمان في سريرها لما أمي سألتني بتوجس ونبرة أمومة دافية لو كنت قادرة أتغلب على الوجع والجرح بيلم ولا لأ. فتحت بقي عشان أتكلم وأفضفض، مصطفى رد قبلي بسرعة وبدقة.

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى