
كان شعيب يغلي من الغضب، والغيرة تنهش قلبه دون رحمة، تتلاعب بعقله وترسم له مئات المشاهد بين مالكة القلب وابن عمه! يتخيلها خلال فترة زواجهم.
هل رآها هكذا! هل تمتع بالنظر إليها! هل ارتدت له هذا الثوب المستفز لأعصابه وتحكمه بذاته!
رباه، سيفقد عقله بالتأكيد، سيفقده. كان يظن بأنه تخلى عن غيرته المجنونة نحوها، أنه أصبح أكثر تعقلًا، ولكن فليذهب العقل للضيق، تلك المرأة حبيبته، تلك من خفق قلبه لها وحدها، تلك ليست أي امرأة، تلك مالكة القلب والوجدان، عشقه المستحيل، تلك امرأته زوجته بحق الله.
تنهد بعذاب، لو ترك العنان لغيرته لأحرق الأخضر باليابس.
تفاجأ بدخول نورا دون استئذان، فهتف بصلابة: أنت إزاي تدخلي من غير ما تستأذني؟
نورا بحرج: أنا أسفة بس كنت…
قاطعها بنفاذ صبر: أسفك مش مقبول، وياريت متدخليش عليا بالطريقة دي مرة تانية، ولا تدخلي في مكان أكون فيه لوحدي من غير ما يكون في محرم معانا يا أم مالك.
بهتت ملامح نورا قائلة بصدمة: محرم!!! وأم مالك!
هدر شعيب ببرود: مالك بيعيط، اتفضلي روحيله.
أومأت بحرج ثم اندفعت خارج المكتب واتجهت إلى طفلها الباكي، تحمله بقوة آلمته ولكنها لم تهتم، فقد كانت تحترق بغضب أسود سيحرقهم جميعًا دون استثناء!
انتبهت لقول حنان: بينا يا نورا خلينا ننزل، قصدنا يوم طويل.
أومأت موافقة، وعقلها يرسم ويخطط بشر قادر على إهلاك دولة بجيوشها!
هدر مهران بعنف: ابنك مش هيعتب مكان باسمي يا توفيق، أنا سكتله كتير بس خلاص رصيده خلص عندي.
توفيق برجاء: يا حج، عشان خاطري أديله فرصة، هو راجع نادم، وقصدني أتوسط له عندك، بالله عليك يا حج ماتكسفني، خليه يرجع يعيش معانا من تاني ويرجع لشغله.
مهران بأسف: طول ما أنت بتسامحه على عمايله السودة دي عمره ما هيتعدل، أنا مش عارف أنت بتفكر إزاي!!! ياواد، ابنك محتاج لقلم يفوقه قبل ما يضيع منك على الآخر، طول ما أنت بتضلل عليه عمره ما هيبقى راجل يعتمد عليه ويشيل مسؤولية نفسه، هيبقى أخره يتشطر على الحريم، أما لو وقف قدام راجل زي شعيب كده هيبقى زي الفار.
توفيق ببؤس: عماد مش زي شعيب، عماد ابني.
قاطعه مهران بقسوة: عماد ابنك لا شبه شعيب ولا هيكون ابنك نمرود، ماشي يتفشخر باسمي ومالي؟ فكرك أنا مش عارف بسهره كل ليلة والتانية في الأماكن غير المناسبة؟ ابنك بقى يتفنن في معصية ربه، وآخر كلام عندي: الده مش هيدخل بيتي، بيت الحج مهران.
توفيق: طب يا حج، يحضر حتى خطوبة أخوه.
مهران باستياء: ربنا يسهل، لسه أسبوعين على الخطوبة، وبطل زن الحريم ده يا ابن مهران، دا مش توبك ولا مقامك.
انحنى ظهر توفيق بضعف وانكسار، يعلم بأفعال عماد غير الحميدة ويخجل منها، ولكنه يخشى أن تركه بعيدًا عنه وعن العائلة فيغرق أكثر وأكثر في ملذاته!
لم تكن طبيعية على الإطلاق، هذا ما فكر به شعيب وهو يرى لتين ترتب أواني الطهي، أول ليكون محقًا تعذبها!!
هدر بخشونة: لتين.
تجاهلت الرد عليه واستمرت بإفراغ كافة غضبها على الأواني المسكينة.
عاد يناديها بصوت أكثر حدة: لتين.
أطاحت بالطبق المعدني ثم نظرت إليه صارخة بعنف: نعم!!!
لم ينفعل ولم يغضب، بل تطلع إلى عينيها ليرى دموعها المتحجرة داخل محجريهما، ثم تنفسها السريع وكأنها تركض في سباق عنيف، اقترب منها ببطء.
انفجرت لتين باكية، تبكي وتبكي وتبكي حتى شعرت بجفاف دموعها وعدم قدرتها على البكاء.
أومأت بالنفي، فابتسم براحة: الحمد لله، أنا خفت تغرقينا بدموعك.
نظرت له بحقد، فضحك بمرح: لا حقيقي، عندك دموع كتيرة أوي، زهرة مكنتش كده.
رآن الصمت لدقائق بعد قوله العفوي، قطعته لتين قائلة باشتياق رغم تهجم ملامحها: زهرة كانت الأحلى في كل حاجة، كانت بتكره الدموع، مش بتطيق الحزن، ضحكتها كانت بتنور أي مكان تروحه، محدش عرفها إلا وحبها.
ابتلعت غصة بكاء ثم هتفت: كانت بتحبك جدًا، حب لا عمري شوفته ولا هشوف زيه، كانت بتحلم باليوم اللي تكون فيه على اسمك، كانت عندها أحلام كتير عنوانها أنت يا شعيب.
هيئ لها برؤيتها لدموع لمعت في عينيه، ثم انزلقت إحداهما تروي صدغه كأرض قاحلة ترتوي بقطرة ماء.
فركت عينيها ثم عادت تنظر إليه فرأته كما اعتادت أن تراه: جبلًا مهيبًا صامدًا.
هدر شعيب بصوت أجش: زهرة خدت كل حاجة من اسمها، زهرة كانت اسم على مسمى، ربنا يرحمها ويصبرنا على فراقها.
همست بخفوت: آمين.
صاح شعيب فجأة: أيه رأيك نخرج النهاردة؟
لتين باستغراب: نخرج!!! هنروح فين؟ وبعدين مش النهاردة المفروض أن العيلة كلها هتتغدى مع بعض.
هتف بلا مبالاة: مش مهم، هنفلسع من وراهم.
صاحت بصدمة: هن إيه نفلسع!
أومأ بتأكيد: أيوه، نخرج في الخباثة يعني.
ثم فرد ذراعه يصافحها: أتفقنا!
صافحته بحماس: أتفقنا.
شاركها الحماس قائلًا: طب يلا جهزي البنات، خلينا نلحق اليوم من أوله.
أسرعت إلى غرفة البنات لتنفيذ مهمتها، أما شعيب فابتسم بحنان هامسًا: الدنيا اللي جت عليك وسرقت شبابك وفرحتك، هعافر فيها وفيك علشان ترجعلك ضحكتك، علشان تحبي نفسك من جديد، فتعرفي تحبيني.
لا تدري كيف طاوعته على اقتراحه المجنون بالهروب من التجمع العائلي، ولكنها لم تكن مستعدة لمواجهة الجميع، لم تكن مستعدة لنظراتهم وتساؤلاتهم.
تنهدت بعمق وهي تتطلع إلى الفتاتين السعيدتين، وارتسمت ابتسامة حنونة على شفتيها، ولكن تلك الابتسامة انمحت عند وقوف السيارة أمام ملاهي حكومية تكاد تكون شعبية، بها عدد من الناس ليس بقليل أبدًا.
هتفت لتين بذعر: أنت وقفت هنا ليه!
شعيب بابتسامة رائعة: خلاص وصلنا.
ردت بحذر: وصلنا فين بالظبط!
نفخ بضيق: الملاهي يا لتين، مالك مش شايفه ولا أيه!
لتين: أنا شايفه الحمد لله، المهم أنت شايف شعيب؟ أنت واعي إحنا فين؟
هدر بنفاذ صبر: أيوه واعي، قصاد الملاهي، هنركب المراجيح ونشتري بلالين.
جحطت عيناها بصدمة: بلالين!!! أنت متأكد أنك شعيب مهران، ملك الصاغة في مصر والشرق الأوسط، ومن أشهر مصممي الحلي في العالم؟



