روايات وقصص

نبضات بين الوجدان ج2

الكاتبه شيماء عصمت

ظلت متشبثة بصدره المنيع ترتشف منه الأمان والحماية.

قربها لقلبه أكثر.

في صباح اليوم التالي الجمعة

تفاجأت حنان بزيارة نورا في الصباح الباكر ومعها مالك.

نورا بابتسامة: صباح الخير يا مرات عمي، وحشاني.

حنان بترحيب: صباح النور يا حبيبتي، تعالى يا نورا، اتفضلي.

أشارت لها للدخول، ثم جلسوا في الصالون.

نورا ببراءة مصطنعة: عقبال ما تشيلي ولاد شعيب بإذن الله، طبعًا عائشة وملك ربنا يخليهم، بس برضه الولد فرحته مختلف.

ارتسم الألم والحزن على ملامح حنان، فقالت نورا بارتباك: أجادت صنعة، حقك عليا يا مرات عمي، أنا مقصدش حاجة، والله أنا نسيت أن دي حاجة مستحيل تحصل.

حنان بحزن: ولا يهمك يا نورا، أكيد متقصديش.

نورا: والله شعيب دبس نفسه في الجوازة، بس كان هيعمل إيه؟ ما برضه لتين لعبتها صح.

صاحت حنان باستنكار: لتين!! هي كانت في إيه ولا في إيه؟ بصراحة يا نورا، أخوك أفترى عليها، دي مهما كان بنت عمه.

أردفت نورا بأسف: أخويا!! يعيني عليه، أصلك مش عارفة كانت بتعمل فيه إيه. يلا ربنا أمر بالستر، وأهو خسر كل حاجة بسببها، شغله وعيلته، حتى لحد دلوقتي معندوش عيل يفرح بيه قلبه.

هتفت حنان بفضول وتسرب القلق إلى قلبها: هي كانت بتعمل فيه إيه بالظبط؟

التصقت عين نورا بالانتصار: مهما يجيب ويعمل مبيرضهاش، تتكلم على الرايح واللي جاي بالعاطل، والقريب قبل الغريب. أكيد لاحظتي قلة وجود عماد معانا، كل ده بسببها، كانت عايزة تسيطر عليه وتخليه زي الخاتم في صباعها، وكله كوم وغيرتها من زهرة الله يرحمها وشعيب كوم تاني خالص.

حنان بصدمة: معقولة!! تغير من أختها ومن ابني!! يا ساتر يارب، ليه كده؟

أكملت نورا بحقد: طبعًا كانت تغير من زهرة، مع أنها أختها والمفروض تتمنى ليها الخير، بس تقولي إيه؟ الطمع ملى عينها وعمى عينيها عن أقرب الناس. زهرة كانت الله أكبر عليها جمالًا وأدبًا ومكملة تعليمها، ولكن لتين لا. زهرة خلفت بدل المرة ما شاء الله اتنين، وهي لا. أما شعيب فكانت دايمًا تقارنه بأخويا، وانت يا مرات عمي عارفة عماد عصبي ومبيسكتش، وهي آخر مرة زودتها على الآخر فأدبها التأديب التمام.

حنان بقلق: عملت إيه؟

هتفت نورا بفرحة تكاد تقفز من عينيها وهي ترى نجاح خطتها: عملت اللي مفيش راجل يستحمله، قالته بكل وقاحة: أنت مش مكفيني، ياريتني كنت اتجوزت شعيب، هو اللي في إيده كل حاجة، فلوسه وفلوس جدي، وأنت يادوب شغال عنده، أما هو الكل في الكل، بكلمة منه يشردك في الشارع، وأنا لا يمكن أعيش مع واحد زيك. كنتوا مستنيين إيه من أخويا؟ يطاطي ويسكت؟ ودلوقتي تقوليلي إنها مش مخططه لجوازها من شعيب؟ أقطع دراعي إنها ما كانت عملت تمثيلية محاولة إيذاء النفس دي عشان تستولي على شعيب، وأنت عارفة بيحبها قد إيه.

طالعتها حنان بصدمة، فأكملت نورا: أيوه يا مرات عمي، أنا عارفة قد إيه شعيب بيحبها، ومش من دلوقتي، دا من زمان أووي، ودا اللي قلقني على شعيب. لتين للأسف هتخليه زي الخاتم في صباعها، هي شاطرة في الموضوع ده.

انقبض قلب حنان بقلق على فلذة كبدها، يجب أن تحميه من طمع لتين، يجب أن ينتهي هذا الزواج بأسرع ما يكون، وتحافظ على ابنها الوحيد وأحفادها.

الفصل العاشر

استمرت نورا في بث كلامها على مسامع حنان مستغلة سذاجتها واعتراضها منذ البداية على زواج شعيب من تلك الفتاة، لتين!

نورا بلؤم: بس برضه أنت غلطانة يا مرات عمي، أنت سيبالها الحبل على الغارق، حقها تركب وتدلدل رجليها كمان.

حنان بعدم فهم: قصدك إيه؟

أجابتها الأولى بتوضيح: يعني من وقت ما شعيب اتجوزها وأنت مطلعتيش عند ابنك ولا مرة، ولا حتى اطمنتي على عائشة وملك، ودا يخليها تحس أنها ملكت كل حاجة، وياخوفي تكون جذبت شعيب بدلعها ومكرها.

أردفت حنان بانفعال: أنت عندك حق، أنا غلطت لما سبتها براحتها، لازم اطمن على ابني وبناته، ولو اللي بتقوليه صح فيا ويلها وسواد ليلها، بنت فوزية!

ابتسمت نورا ابتسامة أفعى على وشك غرز أنيابها بفريستها، هامسة بخبث لم يصل إلى حنان: وأدي أول مسمار يندق في نعشك يا لتين، والأيام لسه ما بينا، يا أنا يا أنت!

أخذ يتطلع إليها بافتتان، يراقبها متأملًا ملامحها الفاتنة دون كلل أو ملل.

شهقت لتين بجزع قائلة: سلام قولًا من رب رحيم، أنت طابق على نفسي كده ليه!!!

تجاهل قولها الجاف، يهمس: صباح الخير.

عاد صوت الجرس بشكل أكثر إلحاحًا، نفخ بضيق ثم نظر لها بوله قبل أن يستقيم واقفًا يتجه نحو باب الشقة، يفتحه ليتفاجأ بوجود كل من والدته حنان ونورا ابنة عمه وصغيرها مالك!

أخذت تقى تتطلع لهاتفها الذي يتصاعد رنينه بشكل لحوح، كانت تعلم من يهاتفها جراء الرنة المميزة التي صدحت في أرجاء الغرفة.

كان مازن حبيب الطفولة والمراهقة، تتلهف لسماع صوته للاطمئنان عليه، ولكن كبرياءها يقف رادعًا لهتاف قلبها المتيم به.

نفخت بضيق هامسة: ولو، ولو، لو هيكرهني كده مش هرد عليه، خليه يتعلم الأدب، المز القمر ده!

توقف الهاتف عن الرنين وكأن صاحبه قد ملّ، فارتسم البؤس والإحباط على ملامحها الرقيقة، وارتعدت شفتاها تعلن عن نوبة بكاء حادة!

ولكن الصوت المنبعث من هاتفها بوصول رسالة على أحد مواقع التواصل الاجتماعي جعلها تقرأها بلهفة.

كانت الرسالة من مازن يحذرها: لو مردتيش على التليفون يا تقى هنزل أكسره على دماغك.

ضحكت ببلاهة وكأنه يغازلها بأرق الكلمات، ثوانٍ وتلقت اتصالًا آخر منه.

ردت بتأفف مصطنع: عايز إيه؟

أجابها مازن بهيام: صدقيني أنا عايز أعمل أي حاجة عشان أرضيكي، عايز أبقى حد يستاهل بجد يبقى ليكي.

كنتي تايه وأما شفتك ابتدت أحلامي بيكي واللي فات بقى ذكريات، ده أنا ابتديت عمري بهوااكي.

أنا كنت قبلك مين؟ أنا كنت قبلك فين؟

غلطان بأيديا اخترت التوهة مع التايهين.

غابت عني الحقيقة وعرفت طريقها منين.

أول ما قلبي حس هواكي يعني مشفتش غيره وياكي.

صدقيني أنا عايز أعمل أي حاجة عشان أرضيكي، عايز أبقى حد يستاهل بجد يبقى ليكي.

أردفت تقى ببرود رغم سعادتها التي لن تصفها الكلمات: صوتك وحش.

انفجر مازن ضاحكًا ثم قال: كنت متأكد أنك هتقولي كده.

تقى: عايز إيه يا مازن؟ أخلص!

مازن باستياء: في واحدة تكلم خطيبها كده؟ فين الرومانسية؟ فين الدلع؟ فين المأذون؟ فين أبوك اللي معرفش يربيك؟ يلا!

صدح صوت سالم بشكل مفاجئ، فارتعب مازن ودون تفكير أغلق الهاتف ينهي المكالمة.

وعلى الطرف الآخر انفجر سالم ضاحكًا قائلًا بخبث: الواد ده بيفكرني بنفسي أيام ما كنت لسه في الملاعب.

شهقت تقى بخجل، فانتبه سالم لوجودها ثم هدر بتحذير: الواد ده مترديش عليه، أنا مسمحتهوش على اللي عمله قدام العريس، مفهوم.

أجابته دون اعتراض: حاضر يا بابا.

طبع سالم قبلة حنونة على جبينها: قلب أبوك يا تقى، ربنا يسعدك يا حبيبتي.

لتين بسعادة: أزيك يا مرات عمي، وحشتيني والله.

ابتسمت حنان بتكلف قائلة: إن شاء الله ماتشوفيش وحش، أومال فين ملك وعائشة؟

شعيب بهدوء: انهارده الجمعة، الإجازة بتاعتنا، فهما لسه نايمين.

حنان بحرج: شكلنا جينا في وقت مش مناسب.

اقترب شعيب يقبل يدها قائلًا بعتاب: كده برضه يا حناني! بيت ابنك هو بيتك يا ست الكل، وقت ما تحبي تيجي وتنورينا في أي وقت.

ارتسمت السعادة بجلال على قسمات وجهها: حبيبي، ربنا يخليك ليا وميحرمنيش منك يا ضي عيوني.

نورا ببراءة: وأنت يا لتين أخبارك إيه؟ وشك منور ما شاء الله.

رآن الصمت لثوانٍ، تجمدت المشاعر في عروق لتين من فرط إحراجها، حتى حنان شعرت بالخجل من قول نورا، أما شعيب فاستقام واقفًا قائلًا بجمود: عن إذنك يا أمي، هدخل المكتب عندي مكالمة شغل ضرورية.

بعد انسحاب شعيب هتفت نورا باستغراب: هو أنا قولت حاجة غلط لا سمح الله؟ أنا بتكلم على اللي شيفاه!! وأكملت بخبث وصوت مرتفع وصل لشعيب: بس قوليلي.

برزت عروق شعيب حتى كادت أن تنفجر، وتشنجت عضلات فكه، وتمنى لو تحولت نورا إلى رجل حتى يستطيع مواجهتها، ولكن تحكم بأعصابه بصورة يحسد عليها وتستحق الثناء، ثم اندفع نحو مكتبه بخطوات غاضبة تكاد تخترق الأرض الرخامية، صافقًا باب المكتب بعنف جعل النساء يرتجفن رعبًا.

هتفت لتين بحدة: ملكيش دعوة بلبسي يا نورا، وأسلوبك ده ما يناسبش حفيدة مهران.

نورا بحقد: قصدك إيه يا لتين؟

أردفت الأولى بلا مبالاة: اللي فهمتيه، عن إذنك يا مرات عمي، هعملك حاجة تشربيها.

ثم توجهت بخطوات غاضبة تجاه المطبخ، تلعن وتسب نورا، فبرغم كل شيء شعيب زوجها ولا يستحق أن يستمع لكلمات نورا المسمومة، تعلم نواياها جيدًا، ترى الحقد والغيرة في عينيها، غيرة لا تعلم سببها!

تنهدت بضيق ثم بدأت في إعداد مشروب بارد كضيافة لزوجة عمها ونورا.

تفاجأت بمن يقبض على رسغها بقسوة تكاد أن يحطمه.

فصاحت بألم: مرات عمي، حضرتك بتوجعيني.

همست حنان بشراسة: وهكسر دماغك كمان. اسمعيني كويس أوي، إن كنتي فاكرة أنك كسبت تبقى غلطانة، واللي فشلتي في زمان مش هسمحلك تحققيه دلوقتي، عيني هتكون عليك دايمًا، فأحسنلك تمشي جنب الحيطة يا لتين، وافتكري أن شعيب يبقى جوز أختك، جوز أختك وابن عمك وبس، وأنا مش هسمح لابني يعيش مع واحدة متقدرش تجبله حتة عيل يشيل اسمه.

ثم تركتها بعنف تفر خارج المطبخ، تاركة لتين شاحبة وقد استحال وجهها للون الأبيض وفقدت كل مظاهر الحياة.

في نفس الوقت بغرفة المكتب

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى