
الجزء الثالث والاخير
فتحت الملف، والغريب إن إيدي ما كانتش بتترعش.
كنت هادية بشكل غريب.
لأن الإنسان ساعات لما بيتوجع أكتر من اللازم، مبقاش عنده طاقة حتى إنه يعيط.
بيبدأ بس يشوف الحقيقة زي ما هي، ويفهم، وياخد قراره.
أول ورقة كانت فيها تقسيمة الشقة اللي في أوسكودار.
الأوضة الرئيسية محجوزة لحماتي شكران وحمايا نهاد.
أوضة المكتب اللي كنت بستخدمها طول السنين، قرروا يدوها لسرجان وأي واحدة هيتجوزها في المستقبل.
وجزء من الصالة كانوا ناويين يحولوه لأوضة أطفال.
أما أوضتي أنا وكرم، فكان مكتوب جنبها ملاحظة:
«هننقل حاجات إليف للأوضة الصغيرة».
غمضت عيني.
يعني في بيتي أنا، وبعد كل اللي عملته، المكان اللي شايفين إنه مناسب ليا هو أصغر أوضة!
الورقة التانية كانت خاصة بالشقة اللي في كاديكوي، ومكتوب عليها اسم سرجان.
أما الورقة التالتة، فكانت الصدمة الأكبر.
قائمة بمصاريف الفرح، والعربية، والديون، والإجازات.
دهب لبشرى علشان فرحها…
عربية مستعملة لسرجان…
ديون أخو كرم الكبير…
ومبالغ متراكمة على حمايا بسبب شراكة قديمة.
الإجمالي كان 6 مليون و200 ألف ليرة.
وفي آخر الورقة، كان مكتوب بالقلم الأحمر:
«هنحل كل ده عن طريق الاستفادة من ممتلكات إليف».
وتحتها بخط إيد كرم كانت فيه ملاحظة تانية:
«لو حصل طلاق، لازم نبحث إمكانية تقسيم الشقق».
فضلت باصة للورقة فترة طويلة.
وبعدين طلعت موبايلي وصورت كل الصفحات.
وبعتهم للمحامية بتاعتي، الأستاذة سلين.
بعد دقيقة تليفوني رن.
\- إليف، إنتِ لقيتي الأوراق دي فين؟
\- على ترابيزة السفرة.
\- خليكي حريصة، متغيريش ترتيب الأوراق الأصلية، واحتفظي بالصور.
سكت شوية وبعدين سألتها:
\- هو ممكن يكون كرم كان بيخدعني من البداية؟
ردت بحذر:
\- مقدرش أجزم بده، لكن واضح جدًا إن عنده أفكار ومطالب مالية تخص ممتلكاتك.
سكتّ شوية، وبعدين سألتها:
\- هو أنا ممكن أخلص من العيلة دي وأعيش حياتي؟
ردت بثقة:
\- طبعًا يا إليف، لكن مش بالطريقة اللي هما عايزينها، بالطريقة اللي القانون يسمح بيها.
تاني يوم الصبح بدأت أجهز شنطتي.
شنطة سفر كبيرة، وشنطة ظهر صغيرة، ومعاهم علبة خشب قديمة كانت من أمي.
العلبة دي كان فيها كام صورة قديمة، وإسورة بسيطة، وخطاب كان بابا كاتبهولي من سنين.
بابا توفى بعد ما خلصت الجامعة بفترة قصيرة.
وماما كانت عايشة في بورصة مع أختي الكبيرة.
إحنا عمرنا ما كنا عيلة غنية.
بابا كان عنده محل صغير لبيع الأدوات الكهربائية، وماما اشتغلت سنين طويلة في الخياطة.
لكن أغلى حاجة ورثتهالي عيلتي مكانتش فلوس.
كانوا علموني إزاي أعتمد على نفسي.
وأنا بحط العلبة في الشنطة، افتكرت كلام بابا:
«يا إليف، لو في يوم حد طلب منك تتنازلي عن كل حاجة علشان يثبتلك إنه بيحبك، اسألي نفسك الأول: هل الشخص ده هيفضل جنبك لو مبقاش معاكي أي حاجة؟»
في اليوم ده كنت عارفة الإجابة.
كرم مش هيفضل.
شكران مش هتفضل.
ولا أي حد من الناس اللي عايشين في البيت ده.
بعد الضهر كرم رجع البيت، وأول ما شاف الشنطة وقف مكانه.
\- إنتِ رايحة فين؟
\- هبعد شوية عن المكان ده.
\- رايحة عند أمك تاني؟
\- لأ.
\- أمال فين؟
\- مش لازم تعرف.
وشه اتغير وقال بعصبية:
\- إليف، إنتِ مراتي!
بصيتله وقلت:
\- إحنا في إجراءات طلاق يا كرم.
\- لسه ما اتطلقناش!
\- صحيح.
قفلت سوستة الشنطة وقلت:
\- بس الجوازة دي انتهت بالنسبالي.
اتحرك ناحيتي ومد إيده علشان يمسك دراعي، لكني رجعت لورا.
\- متلمسنيش.
\- أنا بكلمك!
\- وأنا سامعاك.
وكملت كلامي من غير ما أعلي صوتي:
\- تلات سنين وأنا شايلة عيلتك. سكتّ على إهاناتهم، ورجعت من شغلي أغسل مواعين خمستاشر شخص، وسيبت أوضة مكتبي، وصرفت فلوسي، ولما أمك ضربتني، إنت حتى ما دافعتش عني.
بص بعيد وقال:
\- أمي طبعها حاد شوية.
\- لأ يا كرم، أمك اعتدت عليّا وضربتني.
\- إنتِ عايزة إيه مني؟
بصيت في عينيه وقلت:
\- مبقتش عايزة منك أي حاجة.
الكلمة دي استفزته.
لأنه طول الوقت كان متعود إني أطلب منه حاجة.
اعتذار، ورد اعتبار، ورد فعل، أو حتى كلمة حلوة.
لكن المرة دي أنا مكنتش عايزة حاجة خالص.
قال بعصبية:
\- إنتِ مش ممكن تمشي بالسهولة دي!
\- أقدر أمشي.
\- هتفضحيني قدام عيلتي!
\- إنت اللي فضحت نفسك بتصرفاتك.
شلت الشنطة واتجهت ناحية الأسانسير.
وقبل ما الباب يقفل، سمعته بيزعق:
\- أسبوع وهترجعي!
رفعت عيني وقلت:
\- لأ يا كرم، المرة دي مش هرجع.
الليلة دي ما سافرتش على طول.
قعدت الأول في مكان مؤقت المحامية رشحتهولي.
وتاني يوم رحت شغلي وقدمت طلب إجازة سنوية.
مديرتي، الأستاذة عائشة، لاحظت التعب على وشي.
\- إنتِ كويسة يا إليف؟
\- بمر بفترة صعبة شوية.
قالتلي:
\- مفيش مشكلة في الإجازة، خدي وقتك واهتمي بنفسك.
وقبل ما أمشي، وقفتني وقالت:
\- عايزة أقولك حاجة، إنتِ مش مجرد موظفة عندنا، إنتِ مهندسة ديكور شاطرة جدًا وليكي قيمة كبيرة. ولو حبيتي تشتغلي من البيت فترة، إحنا معندناش مانع.
عيني دمعت.
لأن بعد تلات سنين، دي كانت أول مرة حد يساعدني من غير ما يكون مستني مني مقابل.
شكرتها، وبعدها قابلت دريا.
كان فيه مشتري جاهز للشقة اللي في كاديكوي، وبدأنا نكمل إجراءات البيع.
راعينا حقوق المستأجر والعقد الموجود، والمشتري الجديد وافق يحترم كل الالتزامات الخاصة بيه.
أما الشقة الكبيرة اللي في أوسكودار، فكان موضوعها محتاج إجراءات قانونية أكتر لأنها كانت بتُستخدم كمسكن زوجية.
المحامية سلين راجعت وضع الملكية والموافقات المطلوبة، وتأكدت من صحة المستندات قبل أي خطوة.
المشتري، الأستاذ مراد، كان عارف إن فيه أفراد من العيلة عايشين في الشقة، وطلب إن كل شروط التسليم تكون واضحة ومكتوبة.
كرم اتبلغ رسميًا بالموضوع، واتأكدت موافقته المكتوبة على البيع وموعد تسليم الشقة من خلال المحامين.
لكن كرم كان لسه فاكر إني هتراجع في آخر لحظة.
كان مقتنع إن اللي بعمله ده مجرد نوبة غضب، وإن بعد كام يوم هرجع أعيط وأطلب منه نبدأ من جديد.
مكانش يعرف إنه غلطان.
يوم ما البيع تم، الفلوس نزلت في حسابي.
فضلت أبص للرقم اللي قدامي وأنا فاكرة السنين اللي تعبت فيها علشان أوصل للحظة دي.
أيام كنت بصحى فيها الساعة ستة الصبح.
ليالي كنت بسهر فيها على تصميمات ومشاريع.
أول مرتب قبضته.
وأول مرة مسكت فيها مفتاح شقة اشتريتها من تعبي.
كان جوايا إحساس غريب.
مش فرحة بس، ولا حزن.
كان إحساس إني أخيرًا نزلت حمل تقيل جدًا من على ضهري.
دريا ابتسمت وسألتني:
\- طيب، هتعملي إيه دلوقتي؟
ابتسمت وقلت:
\- هعيش شوية.
\- فين؟
\- جنب البحر.
ضحكت وقالت:
\- تستاهلي كل خير.
وقبل ما أسافر لأنطاليا، غيرت رقم موبايلي القديم.
وخليت التواصل مع كرم وعيلته من خلال المحامية بس، علشان أي إجراءات قانونية مطلوبة.
أنا مكنتش بهرب من مسؤولياتي.
أنا بس مبقتش عايزة أبقى متاحة طول الوقت للناس اللي أذوني.
حجزت أوضة صغيرة في فندق في كاش.
الأوضة مكانتش كبيرة، لكن كان فيها بلكونة فيها كرسيين، وترابيزة صغيرة عليها إزازة مية، ومن الشباك كنت بشوف زهور الجهنمية.
وأجمل حاجة؟
محدش كان مستنيني أصحى الساعة ستة علشان أجهز الفطار.
محدش كان بيرمي المواعين قدامي.
ومحدش كان بيطلب مني فلوس.
أول صباح صحيت فيه، فضلت باصة للسقف فترة طويلة.
وبعدين نزلت أفطر.
حطيت شوية زيتون، وحتة جبنة، وطماطم، وعيش.
وصبيت لنفسي كوباية شاي.
وأكلت براحة، من غير ما أكون مستعجلة ألحق أي حاجة.
في اللحظة دي وصلتلي رسالة من المحامية سلين:
«النهارده يوم تسليم الشقة. الأستاذ مراد رايح مع محاميه، وكرم كان اتبلغ بالموعد من قبل كده».
قريت الرسالة، وحطيت الموبايل على الترابيزة.
وبصيت للبحر وهمست:
«خلاص، أنا مبقتش هناك».
وفي إسطنبول، كان فيه يوم صعب جدًا بيبدأ.
عرفت التفاصيل بعدين من محامي الأستاذ مراد ومدير العمارة.
كرم مكنش قال لعيلته إن الشقة اتباعت.
أو بمعنى أصح، مكانش عنده الشجاعة يقولهم.
كان عارف إن أمه هتعمل إيه لما تعرف.
وفوق كل ده، كان لسه فاكر إني ممكن أرجع في كلامي.
الساعة تسعة الصبح، الأستاذ مراد وصل ومعاه محاميه.




