
لمطعم كله سكت في لحظة واحدة، أول ما مدّيت إيدي ولمست الكلب الأسود الضخم اللي كان قاعد جنب ترابيزة راجل غريب. الجرسون وقع منه الكوباية من الخضة، واتنين من الحراس المسلحين حطوا إيديهم جوه جاكيتاتهم، والراجل اللي لابس بالطو رمادي غامق بصلي كأني عملت حاجة مستحيل حد يعملها.
اللي ما كنتش أعرفه ساعتها إن الكلب ده ملك أخطر زعيم مافيا في القاهرة، وإن فيه ناس اتعرضت لإصابات لمجرد إنها حاولت تعمل نفس اللي أنا عملته!
اسمي ملك عبدالسلام، وعندي 26 سنة، وبشتغل ورديتين في مطعم راقي جدًا في الزمالك، عشان أعرف أوفّر مصاريفي وأسدد التزاماتي. الليلة دي بالذات رجليا كانت بتوجعني، وظهري مكسّر من الوقفة طول اليوم، وكل اللي كنت بفكر فيه إني أخلص شغلي وأروح أنام.
لحد ما عيني وقعت على كلب أسود جميل، قاعد جنب ترابيزة رقم 12.
كان ضخم بشكل يخض، وفروه أسود زي الليل، وعينيه بلون العسل الغامق. وأنا بقرب عشان ألمّ الأطباق، لقيته فجأة حط راسه الكبيرة على رجلي بهدوء.
ابتسمت من غير ما أحس، وانحنيت ناحيته وأنا بقول بصوت واطي
يا حبيبي إنت… إيه الجمال ده؟
ومديت إيدي أحكله ورا ودانه.
الكلب مال براسه على إيدي، وكأنه مستني الحنية دي من زمان.
لكن فجأة، لاحظت إن فيه حاجة غريبة.
المطعم كله سكت!
الناس بطلت كلام، وكل العيون اتوجهت ناحيتي برعب واضح. حتى الجرسون اللي كان معدّي وقع منه الكوباية على الأرض. واتنين رجالة واقفين عند المدخل وقفوا مكانهم، وإيديهم قربت بشكل مريب من الجواكت اللي لابسينها.
سحبت إيدي بسرعة وقلت بتوتر
أنا آسفة… والله افتكرته عايز حد يطبطب عليه بس!
في اللحظة دي، الراجل اللي كان قاعد على الترابيزة قام من مكانه بالراحة.
كان طويل وعريض الكتفين، وملامحه حادة ووسيم بشكل ملفت. شعره أسود، وعينيه رمادي بارد، ونظرته لوحدها كانت كفاية تخلي أي حد يعيد حساباته قبل ما ينطق بكلمة.
قال بهدوء
إنتِ مضايقتيهوش.
بصيت حواليّا باستغراب وقلت
أمال كل الناس بتبصلي كده ليه؟
لف عينيه على الموجودين في المطعم.
وفي ثانية، كل واحد رجع يبص في طبقه كأنه ما شافش حاجة!
رجع بصلي وقال
عشان أورايون مش بيسمح لأي حد غريب يلمسه.
بصيت للكلب اللي كان لسه لازق في رجلي، وقلت باستغراب
بجد؟ ده شكله طيب جدًا!
رد عليّا فورًا
لأ… هو مش طيب.
رمشت بعيني باستغراب، وبعدين رجعت أحكله ورا ودانه بحذر.
الكلب بدأ يخبط بديله في الأرض بسعادة، وغمّض عينيه كأنه أخيرًا لقى المكان اللي مرتاح فيه.
ضحكت وقلت
طب يمكن هو بس عنده ذوق حلو في اختيار الناس!
لأول مرة، لاحظت إن ملامح الراجل الجامدة كادت تتحول لابتسامة.
لكن أنا ما كنتش أعرف إني واقفة قدام آدم المنشاوي، أخطر رجل أعمال في القاهرة، والاسم اللي مجرد ذكره كان كفيل يخلي ناس كتير ترتجف. راجل بيحكم إمبراطورية ضخمة من وراء الستار، وحوالينه حراسة مسلحة في كل مكان.
ما كنتش أعرف إن الرجالة اللي واقفين عند الأبواب دول حراسته الشخصية، ولا إن أورايون سبق وهاجم راجل واتسبب في إصابته لمجرد إنه قرب من صاحبه من غير إذن.
أنا كل اللي شوفته كان كلب ضخم، شكله وحيد ومحتاج شوية حنية.
وقبل ما أمشي، همستله وأنا بربت على راسه للمرة الأخيرة
تصبح على خير يا جميل.
شيلت الصينية واتجهت بسرعة ناحية باب المطبخ.
لكن قبل ما الباب يتقفل، بصيت ورايا للحظة.
اتصدمت لما لقيت أورايون واقف على رجليه، وباصص ناحية المطبخ اللي أنا دخلته، وبيطلع صوت أنين حزين من صدره.
أما الراجل الغريب، فما بقاش باصص ناحيتي خالص…
كان مركز مع كلبه، وكأن اللي حصل قدامه مش مجرد تصرف غريب من حيوان.
تاني يوم الصبح، وصلت المطعم وأنا متوقعة يوم شغل طويل ومرهق زي كل يوم.
لكن أول ما دخلت، لقيت المدير بيشدني على جنب. وشه كان شاحب، وصوته واطي بشكل غريب.
قاللي
ملك… إنتِ عملتي إيه بالظبط مع كلب الأستاذ آدم المنشاوي امبارح؟
بصيتله باستغراب وقلت
ولا حاجة! ده أنا طبطبت عليه بس… هو فيه إيه؟
بلع ريقه بالعافية وقال
عشان رجالة الأستاذ آدم بيسألوا عنك من الصبح.
حسيت ببرودة غريبة بتجري في جسمي.
سألته بقلق
بيسألوا عني ليه؟ هو أنا عملت حاجة غلط؟
قبل ما يرد، عربية SUV سوداء وقفت قدام المطعم.
نزل منها راجلين لابسين بدل سودا، ووقفوا قدام الباب بكل ثقة، كأن المكان كله بقى ملكهم.
في اللحظة دي، موبايل المدير رن.
رد بسرعة، وفضل يسمع من غير ما يتكلم. لكن كل ما المكالمة كانت بتطول، لون وشه كان بيختفي أكتر.
ولما قفل، نزل الموبايل من على ودنه وبصلي مباشرة.
قال بصوت متوتر
ملك… الأستاذ آدم عايز يشوفك.
قلبي بدأ يدق بسرعة.
سألته وأنا بحاول أتماسك
هو عايز مني إيه؟
بص ناحية العربية السودا، وبعدين رجع بصلي وقال
على حسب اللي فهمته… الكلب من ساعة ما إنتِ مشيتي، لا أكل ولا نام، وفضل واقف قدام الباب مستنيكي طول الليل!
سكت لحظة، وبعدها قرب مني وخفض صوته لدرجة إني بالعافية سمعته
بس فيه حاجة تانية… الأستاذ آدم اكتشف معلومة عن ماضيكي، ولما عرفها قال إن الموضوع مستحيل يكون مجرد صدفة!
وقتها حسيت إن الأرض بتتحرك من تحتي.
إيه علاقة ماضي ملك بالراجل الأخطر في البلد؟ وليه كلبه اللي عمره ما سمح لغريب يلمسه، اتعلق بيها بالشكل ده من أول مقابلة؟
والأغرب من كل ده… إيه السر اللي آدم المنشاوي اكتشفه عنها، لدرجة إنه قرر يقابلها بنفسه؟
الكلب الذي اختار الفتاة الوحيدة… والسر الذي أخفاه أخطر رجل في القاهرة لمدة 26 سنة!
ركبت ملك السيارة السوداء وهي مش فاهمة أي حاجة. كان فيه راجل قاعد جنب السواق، وراجل تاني جنبها، والاتنين ساكتين تمامًا.
بعد حوالي عشرين دقيقة، وقفت العربية قدام فيلا ضخمة في منطقة التجمع الخامس. بوابة حديدية عالية، وكاميرات مراقبة في كل زاوية، ورجالة واقفين بأسلحة عند المدخل.
نزل واحد من الحراس وفتح لها الباب.
قال باحترام اتفضلي يا آنسة ملك. الأستاذ آدم مستنيكي.
نزلت وهي بتحاول تخفي ارتباكها.
لكن أول ما دخلت الفيلا، سمعت صوت نباح قوي جاي من آخر الصالة.
التفتت بسرعة، وشافت أورايون بيجري ناحيتها بكل قوته!
صرخت واحدة من الخادمات خلي بالك!
لكن ملك ما لحقتش تتحرك.
الكلب الضخم وقف قدامها، ورفع قائمتيه الأماميتين على كتفيها، وبدأ يلحس وشها وهو بيهز ديله بجنون.
ضحكت ملك رغم خوفها يا نهار أبيض! إنت كنت مستنيني للدرجة دي؟
وفي اللحظة دي، ظهر آدم من على السلم.
كان لابس قميص أسود، وأكمامه مرفوعة، وملامحه متغيرة تمامًا عن اللي شافته في المطعم.
قال وهو بيبص للكلب أول مرة أشوفه بيستقبل حد بالشكل ده.
ردت ملك وهي بتحاول تبعد وشه عنها واضح إنه بيحبني أكتر منك!
الحراس بصوا لبعض بصدمة.
ما كانش فيه حد في القاهرة يقدر يهزر مع آدم المنشاوي بالطريقة دي ويخرج من الموقف سليم.
لكن آدم نفسه ضحك ضحكة قصيرة.
وقال تعالي. فيه حاجة لازم تشوفيها.
دخلت ملك مكتبه، ولقت على المكتب ملف بني قديم، وصورة فوتوغرافية لست شابة شايلة طفل صغير.
أول ما عينيها وقعت على الصورة، وشها اتغير.
همست ماما…
آدم قعد قدامها وقال اسم والدتك كان سعاد عبدالسلام، صح؟
رفعت عينيها بسرعة إنت تعرف أمي منين؟
فتح الملف وطلع منه صورة تانية، لرجل شاب واقف جنب والدتها، وخلفهم كلب أسود صغير.
قال




