روايات وقصص

مبخلفش ج3

اماني سيد

مرت الأيام، وبدأت أرجع لحياتي واحدة واحدة، وقررت إني مش هفضل مستنية تعويض من حد، وإن لازم أعتمد على نفسي وأبني حياة أكون راضية عنها. قدمت في كذا مدرسة، وربنا كرمني بشغل مدرسة في مدرسة خاصة، وبدأت أحس إن ليا قيمة وإن حياتي مش واقفة على جوازي ولا على قدرتي إني أخلف.

وبعد فترة، ربنا رزقني براجل فقد زوجته اسمه عادل، كان عنده بنت صغيرة اسمها ليلى، واتعرفت عليه عن طريق زميلة ليا في المدرسة. في البداية كنت مترددة جدًا، خصوصًا إني كنت خايفة أكرر نفس التجربة، لكن عادل كان مختلف في كل حاجة.

كان راجل هادي ومحترم، وعارف يعني إيه ست تتجرح، وعمره ما سألني عن موضوع الإنجاب بطريقة تحسسني إني ناقصة، بالعكس، لما صارحته بظروفي قالي: ـ أنا مش بدور على أم تجيبلي عيال يا جيهان، أنا بدور على شريكة حياة، وبنتي محتاجة واحدة تحبها وتحن عليها، ولو ربنا رزقنا بطفل يبقى خير، ولو مرزقناش فالحمد لله على اللي عندنا.

الكلام ده خلاني أحس إن ربنا بعتلي إنسان يعوضني عن سنين الوجع اللي عشتها. اتجوزنا، وانتقلت أعيش معاه ومع ليلى، والبنت اتعلقت بيا بسرعة، وأنا حبيتها من قلبي، وكنت بحاول أعوضها عن غياب أمها من غير ما أحسسها إني جاية أخد مكان حد.

عادل كان بيقدرني، ويسألني عن يومي، ويهتم بتفاصيلي، ولو تعبت يسيب كل حاجة ويقعد جنبي، وعمره ما خلاني أحس إن مشكلة الإنجاب دي عيب فيا أو إنها تقلل من قيمتي عنده. عدت سنتين كانوا من أسعد أيام حياتي، سنتين نسيت فيهم إني في يوم من الأيام كنت ست منفصلة ومكسورة، ونسيت حتى أفتح صفحة فيصل أو أسأل عنه.

مكنتش عايزة أعرف إذا كان لسه مبسوط مع هبة ولا حصل بينهم إيه، بقى بالنسبالي شخص من الماضي، وكل اللي كان يهمني إني أحافظ على بيتي وراجل بيحبني وبحبه. وربنا كرمني من واسع فضله، وحملت بعد جوازي بعادل، وكانت فرحتي بالدنيا كلها، خصوصًا إني كنت فاقدة الأمل إني أعيش إحساس الأمومة.

عادل كان فرحان أكتر مني، وكل يوم يطمن عليا ويهتم بيا، وليلى كانت مستنية أخوها بفارغ الصبر. ولما جه معاد الولادة ورزقني ربنا بولد، حسيت إن الدنيا كلها بتضحكلي، وعادل اختار له اسم عز، وقال إن وجوده عزوة وسند لينا.

ومن يومها بقيت حاسة إن ربنا عوضني عن كل دمعة نزلت مني، وعن كل كلمة وجعتني، وعن كل مرة حسيت فيها إني أقل من غيري. مكنتش محتاجة أثبت لحد إني أقدر أبقى أم، ولا كنت مستنية فيصل يعرف إني خلفت، لأن ببساطة بقيت مش مهتمة يعرف عني أي حاجة، وكنت أخيرًا عايشة حياتي اللي تمنيتها.

بعد فترة، كنت راجعة من المدرسة وقابلت واحدة من جيران فيصل القدام، كانت تعرفني كويس، وأول ما شافتني سلمت عليا وفضلنا نتكلم شوية، لحد ما سألتني عن أحوالي وعرفت إني اتجوزت وخلفت، وباركتلي، وبعدها فتحت سيرة فيصل وقالتلي: ـ على فكرة يا جيهان، إنتِ عارفة إيه اللي حصل لفيصل؟

بصيتلها باستغراب وقلت: ـ لا والله، أنا بقالي فترة طويلة مش بسأل عنه، خير؟

قالت وهي بتهز راسها: ـ يا حبيبتي ده حاله اتقلب، هبة مراته زهقت وطفشت وسابتله العيلين ومشيت، وهو دلوقتي متبهدل معاهم ومش عارف يعمل إيه.

سألتها بفضول: ـ طب ليه؟ حصل بينهم إيه؟

قالت: ـ هبة من الأول مكنتش عايزة مسؤولية، كانت عايزة تعيش حياتها وتخرج وتسافر، ولما لقت نفسها بقت مسؤولة عن طفلين وبيت وجوز، زهقت وقررت تمشي وتسيبهم له. وفيصل بعدها اتجوز واحدة تانية، بس دي بقى حكاية تانية خالص.

قلت: ـ ليه؟ مراته الجديدة عملت إيه؟

ردت: ـ دي مش طايقة العيال أصلًا، وكل يوم والتاني تغضب عند أهلها وتسيبه وتقول له: أنا ماربيش عيال غيري، ابعتهم لأمهم أو ودّيهم لأي حد، أنا مش جاية أربي عيال واحدة تانية!

فضلت ساكتة وأنا بسمعها، فقالت: ـ والراجل مش عارف يلم الدنيا، لا هو قادر يستغنى عن مراته الجديدة، ولا عارف يتصرف في عياله، خصوصًا إنهم لسه صغيرين ومحتاجين رعاية.

ابتسمت ابتسامة خفيفة وقلت: ـ ربنا يصلح حالهم ويهديهم، دول أطفال مالهمش ذنب في أي حاجة.

الجارة بصتلي وقالت: ـ سبحان الله، فاكرة لما كان بيتكلم عنك ويقول إنه نفسه يخلف؟ أهو ربنا رزقه، بس طلع مش عارف يحافظ على النعمة.

هزيت راسي وقلت: ـ ربنا يرزق كل واحد على قد نيته، وأنا مش عايزة أتكلم في اللي فات، الحمد لله ربنا كرمني وعوضني.

ومشيت وأنا بفكر في الطفلين، مش في فيصل، لأنهم فعلًا مالهمش ذنب في اختيارات أبوهم وأمهم، لكن في نفس الوقت كنت عارفة إن حياتي الجديدة وبيتي وجوزي وابني عز أمانة لازم أحافظ عليها، ومش هسمح للماضي يرجع يفرض نفسه عليا تاني. تمت

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى