
كانت بتتكلم عن أخته الكبيرة ميرفت، اللي متجوزة بقالها ست سنين، وجوزها شغال وشغله مستقر، وحياتهم المادية كويسة.
ده حتى الشهر اللي فات كانت منزلة صور ليها من رحلة في دهب، في فندق خمس نجوم، وكل الصور باين فيها إنها عايشة حياة مرتاحة.
سيف ما فهمش ليه أمه بتقول إنها محتاجة مساعدة مادية بالشكل ده، وليه بتديها فلوس من المبلغ اللي هو مخصصه لأكل مراته.
فضل واقف ساكت، مستنيها تخلص المكالمة.
وأول ما قفلت، ناداها:
_ يا أمي.
الحاجة سميرة لفت بسرعة، واتخضت أول ما شافته.
_ سيف؟! إنت رجعت بدري ليه؟
بصلها من غير ما يبتسم وقال:
_ ندى في المستشفى.
الضحكة اختفت من على وشها في لحظة.
_ في المستشفى؟! ليه يا ابني؟ حصلها إيه؟
_ الدكتور اكتشف إن عندها أنيميا حادة وسوء تغذية وضعف شديد.
الحاجة سميرة كشرت ورفعت حاجبها وقالت باستهانة:
_ يا ابني ما كل الستات بتتعب بعد الولادة! هنفضل نجري بيها على المستشفيات ونصرف فلوس على الفاضي ليه؟ ما هي شوية تعب وهتخف.
سيف فضل باصص لها، لكن المرة دي ما كانش نفس الابن اللي بيتراجع أول ما أمه تعلي صوتها.
قال بهدوء:
_ أنا كنت ببعتلك تمانية آلاف جنيه كل شهر عشان تهتمي بندى وتجيبي لها أكل نضيف ومغذي. الفلوس دي كنتِ بتصرفيها في إيه؟
وش الحاجة سميرة اتغير، وبصتله بحدة.
_ إنت تقصد إيه بالكلام ده؟
_ أقصد إن أنا عايز أعرف الفلوس راحت فين.
_ مصاريف البيت يا سيف! أكل وشرب وطلبات، والبيت مش بيمشي ببلاش. إنت فاكر تربية العيال ببلاش ولا إيه؟
سيف رد من غير ما يعلي صوته:
_ اللبن والحفاضات أنا اللي كنت بجيبهم وبحاسب عليهم بره المبلغ ده، ومصاريف البيت كلها أنا متكفل بيها أصلًا. التمانية آلاف دول كنت ببعتهم مخصوص عشان ندى تاكل كويس وتسترد صحتها.
الحاجة سميرة اتلخبطت، وحاولت تلاقي رد مناسب.
_ أصل… أصل الأسعار غليت يا ابني، وكل حاجة بقت غالية.
سيف قرب خطوة وقال:
_ طب أمال ليه مراتي كانت بتاكل رز حاف وطرشي ومكرونة مسلوقة طول التلات شهور اللي فاتوا؟ ليه ما كانتش بتاكل لحمة ولا فراخ ولا حتى شوربة دافية؟
الحاجة سميرة خبطت بإيدها على الترابيزة، وقالت بصوت عالي:
_ آه، فهمت بقى! مراتك حكتلك، وإنت صدقتها وجاي تحاسب أمك وتتهمها إنها مقصّرة!
سيف ما اتحركش، ولا رد عليها بعصبية.
اكتفى إنه يصلها ويقول:
_ أنا مش باتهمك بحاجة من دماغي يا أمي. أنا بسألك سؤال واضح، ومستني منك إجابة واضحة.
الحاجة سميرة قامت من مكانها، ووقفت قدامه وهي بتزعق:
_ إجابة إيه اللي إنت عايزها؟! أنا سايبة بيتي وجاية أخدمكم، وفي الآخر بدل ما تشكرني، واقف تحقق معايا كأني حرامية؟!
سيف فضل ثابت في مكانه، وقال:
_ أنا ما طلبتش منك غير إنك تراعي مراتي، خصوصًا إنها كانت لسه خارجة من عملية صعبة، وإنتِ بنفسك اللي قولتيلي إنك هتشيلي البيت كله.
الحاجة سميرة ردت بعصبية:
_ وأنا فعلًا كنت براعيها! وبعدين إنت فاكر إن الست بعد الولادة لازم تاكل طول النهار؟! الأكل الكتير بيخلّي البطن تكبر، وأنا بخبرتي عارفة مصلحتها أكتر منها. الستات زمان كانوا بيولدوا وينزلوا يشتغلوا تاني يوم، إنما دلوقتي كله بقى دلع وقلة احتمال!
سيف بص لأمه بصدمة، ولأول مرة حس إن المشكلة مش مجرد سوء تفاهم بينهم.
دي كانت مقتنعة فعلًا إن اللي عملته صح، وإن مراته ما تستحقش حتى إنها تاكل كويس وهي بتتعافى من ولادة كادت تودي بحياتها.
وساعتها، سيف قرر إنه مش هيسكت تاني.
_ إنتِ بس إيه؟! ما هو لو كل واحدة هتسمع كلام الدكاترة وتطلب لحمة وفراخ كل يوم، يبقى نفتح جمعية خيرية أحسن!
ندى سكتت، وفضلت باصة للروشتة اللي أمه رمتها في الزبالة، كأنها مش مصدقة إن حتى طلب الدكتور بقى تهمة لازم تدافع عن نفسها بسببها.
في الفيديو، ندى حاولت تتكلم تاني:
_ يا طنط، أنا مش بطلب كل يوم، بس الدكتور قال إن عندي أنيميا ولازم أهتم بأكلي عشان أقدر أرضع يونس وأخف من العملية.
الحاجة سميرة ردت عليها بحدة:
_ ما هو إنتِ لو كنتِ بتاكلي باعتدال من الأول، ما كانش جسمك ضعف بالشكل ده! إنما إنتِ كل ما تجوعي تقولي عايزة آكل، وكل ما تتعبي تقولي عايزة أرتاح. هو أنا جايالك هنا عشان أفضل واقفة على دماغك طول النهار؟!
ندى وطّت راسها، وبعد لحظة قالت:
_ حاضر يا طنط، مش هطلب حاجة تاني.
ولفت راجعة أوضة النوم بخطوات بطيئة، وهي ساندة إيدها على الحيطة.
سيف وقف الفيديو فجأة.
حط إيده على وشه، وفضل ساكت فترة طويلة، كأنه بيحاول يستوعب اللي شافه.
كل مرة كان بيسأل أمه عن ندى، كانت بتقوله إنها كويسة، وإنها بتاكل وبتشرب وبتنام، وإنها بتدلّعها وبتعاملها زي بنتها بالظبط.
وهو كان بيصدقها من غير ما يسأل سؤال واحد زيادة.
لكن الحقيقة كانت قدامه على شاشة اللاب توب، وكل فيديو جديد كان بيكشف له جزء من المعاناة اللي مراته عاشتها وهو بعيد عنها.
ندى كانت قاعدة جنبه، ساكتة، وعينيها متعلقة بإيديها.
سيف لف ناحيتها وسألها بصوت مخنوق:
_ هي كانت بتعاملك كده كل يوم؟
ندى ما ردتش في الأول، وبعد شوية هزت راسها ببطء.
_ مش كل يوم بنفس الطريقة، بس تقريبًا كل يوم كان لازم يحصل موقف يخليني أعيط أو أحس إني تقيلة عليها.
سيف بلع ريقه بصعوبة.
_ وإنتِ كنتِ بتستحملي كل ده لوحدك؟
ندى رفعت عينيها له وقالت:
_ كنت بحاول أستحمل عشانك يا سيف. كنت عارفة إنك بتحب أمك، وما كنتش عايزة أبقى السبب في إنك تزعل منها أو تحس إنك مضطر تختار بينا.
سيف حس إن الكلام بيوجعه أكتر من أي اتهام ممكن توجهه له.
مد إيده ومسك إيدها، وقال بحزم:
_ إنتِ مش السبب في أي حاجة يا ندى. إنتِ مراتي، ومن حقك تعيشي في بيتك وإنتِ مطمنة، تاكلي لما تجوعي، وتطلبي اللي محتاجاه من غير ما تخافي من حد.
ندى بصتله، وعينيها بدأت تلمع بالدموع.
_ أنا كل اللي كنت عايزاه إني أعيش معاك في هدوء، وأربي يونس، وأرجع أقف على رجلي تاني.
سيف قرب منها، وقال:
_ وده اللي هيحصل يا حبيبتي. بس المرة دي مش هسيبك تواجهِي أي حاجة لوحدك.
وبعدها رجع بص لشاشة اللاب توب، وفتح تسجيل تاني.
المرة دي، كان الفيديو من يوم قبل ما ندى تدخل المستشفى.
الصالة كانت هادية، والحاجة سميرة قاعدة على الكنبة بتتكلم في التليفون. وبعد دقايق، ندى خرجت من أوضة النوم وهي شايلة يونس، ووشها باين عليه الإرهاق.
وقفت قدام حماتها وقالت بصوت واطي:
_ يا طنط، ممكن تمسكي يونس شوية؟ أنا حاسة بدوخة ومحتاجة أقعد.
الحاجة سميرة بصتلها من فوق لتحت، وردت بضيق:
_ كل شوية دوخة وتعب! طب ما تقومي تعمليلك حاجة تاكليها بدل ما إنتِ قاعدة طول النهار.
ندى قالت بتردد:
_ أنا أكلت من الصبح شوية رز، بس لسه حاسة إني تعبانة.
الحاجة سميرة تنهدت بعصبية، وحطت التليفون جنبها.
_ يعني أنا هفضل أسيب كل حاجة في إيدي وأجري وراكي كل ما تحسي بالجوع؟ ما إنتِ عارفة مكان المطبخ أهو!
ندى سكتت، وبصت لابنها اللي بدأ يتحرك في حضنها.
وبعد لحظة، قالت:
_ طب ممكن آخد منه شوية لبن دافي أو أي حاجة خفيفة؟
الحاجة سميرة ردت باستهزاء:
_ لبن إيه دلوقتي؟ إنتِ فاكرة نفسك في فندق خمس نجوم؟!
سيف حس إن أعصابه مش قادرة تستحمل أكتر من كده.
قفل اللاب توب بعنف، وقام وقف من مكانه.
ندى اتخضت من الحركة، وبصتله بقلق.
_ سيف، إنت كويس؟
سيف أخد نفس طويل، وحاول يهدي نفسه قبل ما يرد.
_ لأ يا ندى، أنا مش كويس. أنا شايف قدامي كل اللي حصل، وكل مرة كنتِ محتاجة فيها حد يقف جنبك، ما كنتش موجود.
قرب منها وقعد جنبها تاني، وقال بصوت مليان ندم:


