
البيت مش محتاج فلوس وبس، محتاج كمان راجل يحمي أهل بيته، ويسأل عنهم، ويتأكد إنهم عايشين في أمان.
وهو للأسف، قصّر في حق ندى.
شال يونس بالراحة، وجهّز نفسه مع مراته، وبعد أقل من نص ساعة كانوا وصلوا المستشفى.
الدكتور سمع من سيف كل اللي حصل، وطلب لندى تحاليل دم كاملة وفحوصات، وكمان كشف على جرح القيصرية عشان يعرف سبب الوجع المستمر اللي بتشتكي منه.
ولما النتائج ظهرت، الدكتور بص في الورق، وملامحه اتغيرت.
رفع عينيه لسيف وسأله:
_ إنت جوز المدام؟
_ أيوه يا دكتور.
_ طيب، ممكن أعرف هي كانت بتاكل إيه في التلات شهور اللي فاتوا؟
سيف سكت، وما عرفش يرد.
الدكتور حط التحاليل على المكتب وقال بجدية:
_ مراتك عندها أنيميا حادة وسوء تغذية وضعف عام شديد، ولازم نتابع حالتها كويس، ونعمل فحوصات إضافية عشان نطمن على جرح القيصرية ونعرف سبب الألم اللي مستمر معاها.
سيف حس إن قلبه وقع في رجليه.
الدكتور كمل:
_ إنت عارف هي خسّت قد إيه بعد الولادة؟
سيف هز راسه بالنفي.
_ حوالي ستة كيلو، حسب الوزن اللي سجلناه. نزول الوزن بعد الولادة ممكن يحصل بشكل طبيعي، لكن لما يكون مصحوب بأنيميا حادة وسوء تغذية ودوخة وألم مستمر، لازم ناخد الموضوع بجدية.
سيف سأله بقلق:
_ يعني حالتها خطيرة يا دكتور؟
_ إحنا هنبدأ العلاج ونتابعها كويس، لكن الأهم إننا نتأكد إنها بتاخد التغذية المناسبة، وإنها بتتعافى من العملية بشكل سليم. هي لسه والدة من فترة قريبة، وجسمها محتاج وقت واهتمام.
وبصله الدكتور بنظرة جادة، وقال:
_ لازم تهتم بمراتك أكتر من كده. هي عدّت بتجربة ولادة صعبة، وصحتها الجسدية والنفسية محتاجين رعاية حقيقية، مش مجرد إن حد يبقى موجود في البيت وخلاص.
سيف وطّى راسه وقال:
_ حاضر يا دكتور، أنا فاهم.
لكن الحقيقة إنه كان عارف إنه فهم متأخر أوي.
بعد الضهر، ندى اتنقلت لأوضة خاصة في المستشفى عشان تقدر ترتاح وتاخد العلاج اللازم.
سيف رتّب وجود ممرضة مؤهلة تساعد في رعايتها ورعاية يونس، وبعدها نزل جاب لها شوربة دافية، وبيض مسلوق، وأكل خفيف يناسب حالتها حسب تعليمات الدكتور.
ولما رجع الأوضة، لقى ندى قاعدة مسنودة على المخدة.
حط الصينية على الترابيزة جنبها، وكانت ريحة الشوربة الدافية مالية المكان.
ندى بصت للطبق وسكتت.
سيف لاحظ سكوتها، فقرب منها وسألها:
_ مالك يا حبيبتي؟
_ مفيش.
_ الشوربة مش عاجباكي؟ أجيبلك حاجة تانية؟
_ لأ يا سيف، مش كده.
ندى مسكت المعلقة، وخدت معلقة صغيرة من الشوربة.
وأول ما بلعتها، عينيها اتمْلوا دموع.
سيف اتخض وقرب منها بسرعة.
_ مالك؟ بتوجعك؟ أنده للدكتور؟
ندى هزت راسها، والدموع بدأت تنزل على إيديها.
_ لأ والله، مش بتوجعني.
_ أمال بتعيطي ليه يا ندى؟
حاولت تبتسم وسط دموعها وقالت:
_ أصلي بقالي كتير أوي ما كلتش لقمة سخنة ونضيفة، من غير ما أفضل خايفة حد يزعقلي أو يعايرني عشان باكل.
المعلقة اتهزت في إيد سيف، وحس إن الكلام دخل في قلبه زي الوجع.
قعد جنبها، ومسك إيدها وقال:
_ من النهارده، مش عايزك تستأذني في الأكل ولا في أي حاجة تخصك. نفسك في إيه، قوليلي، وأنا هجيبهولك. إنتِ في بيتك يا ندى، ومش من حق أي حد يحسسك إنك تقيلة عليه.
ندى ما ردتش.
وطّت راسها وبدأت تاكل الشوربة معلقة ورا التانية، بالراحة أوي، وكأنها لسه مش مصدقة إن محدش هييجي ياخد الطبق من قدامها أو يزعقلها عشان بتاكل.
سيف فضل باصص لها، وكل معلقة كانت بتاخدها كانت بتفكره قد إيه هو كان بعيد عن اللي بيحصل في بيته.
افتكر كلام أمه كل ما كان يرجع من الشغل ويسألها عن ندى.
كانت دايمًا تطمنه وتقول:
_ ندى أكلت كويس النهارده، ما تشغلش بالك.
_ يونس زي الفل، وأنا واخدة بالي منه.
_ أنا عملتلها الشوربة بإيدي.
_ روح شغلك وإنت مطمن، طول ما أنا موجودة مفيش حاجة تقلقك.
وكان بيصدق كل كلمة بتقولها.
مش بس كده، ده كان بيحوّل لأمه فلوس زيادة كل شهر مخصوص عشان تجيب لندى أكل كويس ومغذي يساعدها تسترد صحتها.
كان بيبعتلها تمانية آلاف جنيه كل شهر، غير مصاريف البيت اللي كان بيتكفل بيها بنفسه.
كان فاكر إن الفلوس دي هتضمن إن مراته تاكل أحسن أكل وتاخد بالها من صحتها.
لكن دلوقتي، بعد ما شاف بعينيه ندى كانت عايشة إزاي، سؤال واحد فضل يلف في دماغه:
الفلوس دي كلها راحت فين؟
طلع تليفونه وفتح تطبيق البنك، وراجع التحويلات اللي كان بيبعتها لأمه.
تلات شهور، تمانية آلاف جنيه كل شهر، يعني أربعة وعشرين ألف جنيه.
المبالغ كلها اتحولت في مواعيدها، ومفيش تحويل واحد ناقص.
سيف قبض على تليفونه، وعينيه ضاقت وهو بيفكر في طبق الرز الحاف والطرشي اللي كانت مراته بتاكلهم طول الفترة دي.
كان عايز يعرف أمه صرفت الفلوس دي على إيه بالظبط.
على الساعة أربعة العصر، سيف رجع الشقة.
أول ما فتح الباب، سمع صوت أمه وهي بتتكلم في التليفون من الصالون.
_ ما تقلقيش، هبعتلك الفلوس الشهر الجاي إن شاء الله.
كانت الحاجة سميرة قاعدة على الكنبة، وقدامها علبة حلويات غالية وشنطتين مليانين مشتريات من محلات معروفة.
واضح إنها كانت مشغولة في المكالمة لدرجة إنها ما خدتش بالها إن ابنها دخل.
كملت كلامها وهي بتضحك:
_ ما هو أختك لسه والدة وظروفهم مش أحسن حاجة، لو إحنا ما وقفناش جنبها، مين هيقف جنبها؟
سكتت تسمع الرد، وبعدها ضحكت تاني وقالت بفخر:
_ يا سيدي ربنا يخليهولي، سيف بيبعتلي كل شهر مبلغ محترم، ده ابن بار وأصيل، ربنا يحفظه ويباركله في مراته وابنه.
سيف وقف مكانه، وحس إن رجليه اتسمّرت في الأرض.


