قصص و روايات

لقمه من ايد حماتي ج4

الكاتبه نرمين عادل همام

سيف فضل يبصلها شوية، وفجأة افتكر اليوم اللي رجع فيه الشقة ولقى ندى بالحالة اللي كانت عليها.

افتكر لو كان ما نسيش تليفونه ورجع البيت في اليوم ده، كان ممكن ما يعرفش اللي بيحصل لمراته، ولا يعرف حجم التعب اللي كانت بتتحمله لوحدها.

الفكرة خنقته، فحاول يبعدها عن دماغه، لكنه ما قدرش يمنع نفسه من إنه يحمد ربنا إنها بخير، وإنها لسه جنبه.

ندى لاحظت إنه باصص لها بتركيز، فسألته بابتسامة:
مالك يا سيف؟ بتبص لي كده ليه؟

سيف ابتسم وقال لها:
بحمد ربنا على الحظ الحلو اللي رزقني بيه.

ندى ضحكت باستغراب:
حظ إيه بقى؟

قرب منها شوية، وبصلها بحب وقال:
إنك لسه معايا وفي حضني.

ندى سكتت لحظة، لأنها فهمت هو يقصد إيه. مدت إيدها ومسكت إيده بحنية، وقالت له:
سيف، كل اللي حصل ده بقى ماضي خلاص. أنا مش عايزة أفضل طول عمري عايشة في ذكريات التلات شهور دول، ولا كل ما أفرح بحاجة أفتكر الوجع اللي عديت بيه.

سيف بص لها باهتمام، وهي كملت:
أنا تعبت فعلًا، واتوجعت كتير، بس مش عايزة أفضل محبوسة في اللي حصل. عايزة أفتكر الحاجات الحلوة اللي بينا، وأركز في حياتنا وفي يونس، وفي كل حاجة لسه مستنيانا.

سيف ضغط على إيدها، وقال لها بحب:
وأنا أوعدك يا ندى إني هفضل أعمل كل اللي أقدر عليه عشان تبقي مبسوطة ومطمنة، وإن بيتنا يفضل مكان تحسي فيه بالأمان، مش مكان تخافي فيه من حد.

ندى ابتسمت له، وبصت لابنها اللي كان لسه بيصفق بإيديه الصغيرة، وقالت:
ربنا يخليك لينا يا سيف.

سيف باس إيدها، وبعدها شال يونس وضمه لحضنه، وندى وقفت جنبهم وهي بتضحك.

وفي اللحظة دي، الاتنين حسوا إنهم فعلًا بيبدأوا صفحة جديدة؛ صفحة مش معناها إنهم نسوا كل اللي فات، لكن معناها إنهم اتعلموا منه، وبقوا عارفين قيمة بعض أكتر.

لأن البيت مش بيتبني بالحب لوحده، ولا بصلة القرابة، ولا بكلام الناس. البيت بيتبني بالاحترام، وبالرحمة وقت الضعف، وبإن كل واحد يحافظ على كرامة التاني، خصوصًا في أصعب لحظات حياته.

وندى، اللي دخلت بيت جوزها وهي فاكرة إن العيلة هتكون سندها، اتعلمت بالطريقة الصعبة إن مش كل الناس هتحبك زي ما إنتِ بتحبيهم، لكن ده مش معناه إنك تتنازلي عن نفسك عشان ترضيهم.

وسيف اتعلم إن بره بأمه وأهله مش معناه إنه يسمح لهم يظلموا مراته، وإنه يقدر يحب أهله ويحترمهم، وفي نفس الوقت يحط حدود واضحة تحمي بيته ومراته وابنه.

أما سميرة، فبدأت تفهم متأخر إن القسوة مش قوة، وإن الاعتذار مش ضعف، وإن اللي بنخسره لما نظلم حد ممكن يكون أغلى بكتير من أي فلوس أو دهب.

وفي الآخر، ندى ما كسبتش بس شغل ومرتب وترقية؛ ندى كسبت نفسها من جديد، ورجعت تعرف قيمتها، وبقت قادرة تعيش حياتها باختيارها، من غير ما تستنى موافقة حد أو رضاه.

الدنيا اتغيرت كتير خلال السنة دي. ندى بقى عندها شغل ثابت ومرتب كويس، أعلى بكتير من مرتبها الأول، وبدأت كمان تاخد كورس محاسبة متقدم عشان تطور نفسها وتوصل لمكانة أحسن في شغلها.

وسيف هو كمان اتغير. ما بقاش فاكر إن مسؤولية الراجل تقتصر على إنه يشتغل ويجيب فلوس البيت وخلاص. اتعلم يشيل البيبي، ويحضر له الرضعة، ويغير له الحفاضة، ويفضل يهزه لحد ما ينام.

وفي الليالي اللي يونس كان بيتعب فيها أو حرارته تعلى، كان بيسهر جنب ندى لحد الصبح، وكل واحد فيهم يشيل الولد شوية عشان التاني يرتاح. ولو ندى كانت مضغوطة في شغلها، كان سيف ياخد يونس ويخرج بيه أو يقعد يلعب معاه، عشان يديها فرصة تركز في شغلها.

ما بقاش يقول لها: اقعدي في البيت وربي العيال.
بقى يسألها: محتاجة أساعدك في إيه النهارده؟

طبعًا، مش كل أيامهم كانت وردية. ساعات كانوا بيختلفوا، وساعات ضغط الشغل ومسؤولية البيت كانت بتتعبهم، لكنهم اتعلموا يتكلموا مع بعض ويسمعوا بعض، بدل ما كل واحد يكتم اللي جواه لحد ما ينفجر.

والأهم من ده كله، إنهم اتعلموا يحافظوا على خصوصية حياتهم، وما يسيبوش أي حد يتدخل بينهم أو يقرر لهم يعيشوا إزاي.

زيارة سميرة

في عيد ميلاد يونس، سميرة جت ومعاها هدية صغيرة لحفيدها.

المرة دي ما جابتش حاجة غالية عشان تتباهى بيها قدام الناس، ولا حاجة تحسس ندى إنها مدينة لها بجميل. جابت مجموعة قصص أطفال ملونة، فيها صور وحكايات بسيطة تناسب سنه لما يكبر شوية.

حطت الهدية على الترابيزة، وبعدها بصت لندى بتردد، وسألتها بأدب:
ممكن أشيل يونس شوية يا ندى؟

ندى بصت لابنها، وبعدين رفعت عينيها لحماتها وابتسمت ابتسامة بسيطة.
اتفضلي يا طنط، أنا قاعدة أهو.

سميرة قربت وشالت يونس بحنية، وفضلت تلعب معاه وهو بيشد في أزرار قميصها وبيحاول يمسكها بإيديه الصغيرة.

ما بقتش تخطفه من أمه وتتصرف كأن ندى مش موجودة، ولا بقت تنتقد كل حاجة بتعملها معاه، ولا تقول لها إنها أكبر منها وعندها خبرة أكتر وإنها عارفة مصلحته.

بدأت تفهم إن كونها أمه وجدته مش معناه إن من حقها تفرض نفسها على حياة ابنها ومراته. وإنها لو عايزة يبقى ليها مكان في حياتهم، لازم تحترم بيتهم وحدودهم الأول.

وهي قاعدة جنب حفيدها، بصت له بحزن وحنية. افتكرت الأيام اللي كانت فاكرة فيها إن الكل لازم يسمع كلامها لمجرد إنها الأم الكبيرة، وإن محدش من حقه يعترض على تصرفاتها.

لكن العناد ده كان قرب يضيّع منها ابنها، ويبعد عنها حفيدها، ويخليها تخسر علاقتها بالناس اللي المفروض يكونوا أقرب ناس ليها.

دلوقتي، وهي قاعدة وسطهم في هدوء، بدأت تفهم إن القيمة الحقيقية مش في السيطرة، ولا في إن الناس تخاف تزعلها، ولا في إنها تبان قدام العيلة صاحبة الكلمة الأخيرة.

القيمة الحقيقية إن الناس تحبك بجد، وتحس بالأمان وهي معاك، وتفتح لك باب بيتها برضاها، مش خوفًا منك ولا مجاملة ليك.

شوربة السمك

بالليل، بعد ما الضيوف مشيوا، سيف دخل المطبخ، بينما ندى كانت بتلم ألعاب يونس من الصالة.

وبعد شوية، ريحة شوربة السمك بدأت تنتشر في الشقة.

ندى رفعت راسها باستغراب ونادت عليه:
بتعمل إيه يا سيف؟

سيف طلع راسه من المطبخ، وابتسم لها بفخر:
عملت شوربة سمك مرجان.

ندى وقفت مكانها، وبصت له للحظات.

سيف سألها:
تحبي تشربي سلطانية؟

ندى سكتت كام ثانية، وبعدها ابتسمت وقالت:
أحب طبعًا.

كان سيف مجهز السمك من بعد الضهر، ومنقّيه كويس، ومظبط الثوم والتوابل، وماشي في خطوات التحضير واحدة واحدة.

كل حاجة كانت شبه اللي حصل من سنة بالظبط.

لكن الفرق المرة دي كان كبير.

من سنة، كان بيعمل الشوربة وهو قلقان على مراته، ومستني إن حد تاني يهتم بيها ويقوم على راحتها. أما دلوقتي، فكان بيعملها بنفسه، لأنه فهم إن الاهتمام بمراته مش مسؤولية حد تاني، وإن الحب مش مجرد كلام حلو يتقال وقت الزعل، لكنه أفعال بتبان في أصغر التفاصيل.

بعد شوية، الشوربة جهزت.

سيف غرف سلطانية سخنة، وحطها قدام ندى، وقال لها:
دوقي كده وقولي لي رأيك.

السابق1 من 3
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى