قصص و روايات

ابو مراتي

حكاوي شيمو

«أنا مش عايز أبو مراتي يدخل بيتي كل يوم… لكن عمري ما تخيلت إن كلمة قلتها لمراتي هتخليها تمشي من شارع تاني علشان تهرب من أبوها!»

أنا متجوز بقالي فترة، وبشتغل وبجري طول اليوم علشان أقدر أعمل بيت وأوفر لمراتي حياة مستقرة، وعمري ما كنت من النوع اللي يمنعها عن أهلها أو يضايقها لو حبت تزورهم أو تقضي معاهم وقت.

لكن من 3 أيام حصل موقف غريب بدأ يكبر بيني وبين مراتي، ومكنتش متخيل إنه هيوصلنا للحالة دي.

أبو مراتي راجل كبير، ومن كام يوم اشتغل فرد أمن في عمارة جنب بيتنا. أول ما مراتي عرفت إنه بقى قريب مننا، فرحت جدًا، وقالتلي إن دي فرصة إنها تشوف أبوها كل يوم بدل ما كانت بتستنى الأيام اللي تروح فيها تزوره.

وأنا بصراحة مكنتش معترض، بالعكس، قلت ربنا يرزقه ويعينه على شغله.

لكن اللي حصل إن مراتي بقت أول ما تخلص شغل وتعدي من الشارع، لازم تدخل تسلم عليه وتعرض عليه ييجي يتغدى معانا.

الراجل يطلع معاها، ويدخل بيتنا، ويقعد أقل من عشر دقايق، وبعدها يستأذن ويمشي.

الموضوع في ظاهره بسيط جدًا، وأي حد يسمعني ممكن يقول إيه المشكلة؟ ده أبوها وبيشوف بنته!

لكن أنا بدأت أحس إن حياتنا بقت مرتبطة بوجوده بشكل يومي، وإن مفيش مساحة إننا نرجع من شغلنا ونقعد مع بعض أو نرتب يومنا من غير ما يبقى فيه زيارة لازم تحصل.

والأغرب إن الراجل كل ما يقعد يدعي لبنته، يقولها كلام من القلب، زي: «ربنا يرضى عنك يا بنتي، ويكرمك ويسعدك، ويخليكي لبيتك وجوزك، وما يحوجكيش لحد غيره».

مراتي كانت بتتأثر جدًا بدعواته، وأوقات كانت عينيها بتدمع، وتفضل تحكيلي قد إيه أبوها بيحبها وبيفرح لما يشوفها.

وأنا كنت ساكت، لحد ما في يوم قلتلها: «بصي يا حبيبتي، أنا مقدر إن ده أبوكي، ومش عايز أمنعك عنه، لكن مش لازم كل يوم يبقى فيه زيارة، إحنا كمان عندنا شغل ومسؤوليات، ولسه بنبني حياتنا، ومحتاجين ننظم وقتنا».

هي بصتلي باستغراب وقالت: «هو بابا بيعمل إيه؟ ده بيطلع يقعد عشر دقايق ويمشي، ولا طلب مني فلوس ولا طلب منك حاجة!».

قولتلها: «أنا ما قولتش إنه بيطلب حاجة، بس مش معنى إن الزيارة قصيرة إن لازم تحصل كل يوم. وبعدين أنا مش عايز حياتنا تبقى مفتوحة لأي زيارة في أي وقت من غير اتفاق بينا».

الكلام ده زعلها، لكنها مردتش.

تاني يوم رجعت من شغلها، واكتشفت إنها اختارت تمشي من شارع تاني علشان أبوها ميشوفهاش، ولما اتصل بيها مردتش عليه.

بعد شوية بعتلها رسالة: «طمنيني عليكي يا حبيبتي، أنا عايز أطمن عليكي بس».

ردت عليه إنها كويسة وإنها مسمعتش المكالمة.

لكن الراجل فضل يحلفلها إنه مش بيتصل علشان يطلب منها حاجة، وإن كل اللي نفسه فيه إنه يشوفها ويطمن عليها.

لما مراتي حكتلي الموقف، شوفت في عينيها كسرة عمري ما شفتها قبل كده.

قالتلي: «عارف يا فلان، بابا طول عمره بيشتغل ويتعب، ولما ربنا جابله شغل جنب بيتي، كان فرحان إنه أخيرًا هيشوفني كل يوم. أنا عمري ما حسيت إنه عبء عليا، ولا هو عمره طلب مني حاجة. هو كل اللي بيعمله إنه يشوفني ويدعيلي، وأنا من ساعة ما مشيت من الشارع التاني حاسة إني عملت فيه حاجة كبيرة».

حاولت أبرر موقفي وقلتلها: «أنا مش عايزك تزعليه، بس برضه لازم يبقى فيه حدود لحياتنا».

ردت عليا بجملة وجعتني: «أنا مش عايزة أختار بينك وبين أبويا، هو أبويا ومش هيعيش طول عمره، وأنا مش عارفة هفضل أشوفه قد إيه».

ساعتها سكت، وحسيت إن الموضوع أكبر من مجرد زيارة يومية.

أنا مش ضد أبوها، ولا ضد إنه يدخل بيتي، ولا حتى ضد إنه ييجي كل يوم لو ده مريحنا كلنا. لكن أنا خايف إن حياتنا الزوجية تفقد خصوصيتها، وخايف كمان إن مراتي تحس إنها لازم تلبي كل طلب حتى لو مجرد مكالمة، وإلا تبقى بنت عاقة أو مقصرة.

وقررت إني أتكلم معاها بهدوء ونوصل لاتفاق يرضي كل الأطراف.

لكن اللي حصل بعدها كان صدمة ليا…

تاني يوم وأنا راجع من الشغل، لقيت أبو مراتي واقف قدام العمارة، ولما شافني نده عليا وطلب مني أقف معاه دقيقتين.

ابتسمت وسلمت عليه، لكنه مسك إيدي وقاللي: «يا ابني، أنا عايز أقولك حاجة، وياريت تسمعني للآخر… أنا عارف إنك مش مرتاح من وجودي جنب بيتكم، وعارف إن بنتي بقت بتخاف تعدي من قدامي علشان متزعلش منك».

اتكسفت جدًا، وحاولت أقوله إن الموضوع مش بالشكل ده، لكنه قاطعني وقال:

«أنا مش عايز أكون سبب في مشكلة بينك وبين بنتي، ولو وجودي مضايقك أنا ممكن أطلب نقلي من هنا، بس قبل ما أمشي لازم تعرف أنا اشتغلت في المكان ده ليه…».

وبعدين مد إيده في جيبه وطلع ظرف صغير، وقاللي:

«الظرف ده كنت مستنيه أوصله لبنتي من يوم ما بدأت الشغل، بس بعد اللي حصل أنا مش عارف أديهولها ولا لأ».

فتحت الظرف، وأول ما شوفت اللي جواه حسيت إن الأرض بتتهز من تحتي…

يتبع…

إيه رأيكم؟ هل الزوج من حقه يطلب تنظيم الزيارات والحفاظ على خصوصية بيته، ولا وجود الأب جنب بنته نعمة المفروض يفرح بيها بدل ما يحط لها حدود؟

مستني رأيكم في التعليقات، ومتنسوش تصلوا على النبي ﷺ.

#حكاوي_شيمو

الجزء الأخير

وقفت ماسك الظرف ومش فاهم إيه اللي جواه، ولما فتحته لقيت ورقة مكتوبة بخط أبو مراتي، ومعاها إيصال تحويل بنكي.

بصيتله باستغراب وقلت: «إيه ده يا عمي؟ وإيه حكاية الظرف؟».

ابتسم ابتسامة حزينة وقال: «بص يا ابني، أنا عارف إنكوا لسه بتبنوا حياتكم، وعارف إن المصاريف كتير، وإن بنتي مش بتحكيلي كل حاجة، بس أنا أبوها، وبحس بيها حتى لو مش بتتكلم».

كمل كلامه وقال: «أنا لما عرفت إن فيه شغل فرد أمن في العمارة دي، طلبت من واحد صاحبي يساعدني فيه. مش علشان المرتب كبير، ولا علشان أنا محتاج أقعد جنب بيتكم وأدخل عليكم كل يوم. أنا كنت عايز أبقى قريب من بنتي، أشوفها وهي راجعة من شغلها، أطمن إنها بخير، وأدعي لها بدل ما أفضل قاعد في البيت مستني تليفون منها».

سكت شوية وبعدين قال: «أنا عارف إنك راجل وبتحب يكون ليك خصوصية في بيتك، وده حقك. وأنا عمري ما هفرض نفسي عليكم. لكن يا ابني، أنا مش هفضل شاب طول العمر، ومش عارف العمر مخبيلي إيه. وجودي جنب بنتي مفرحني، والعشر دقايق اللي بقعدهم معاها دول ساعات بيكونوا أحلى حاجة في يومي كله».

بصيت للإيصال اللي في إيدي، وسألته: «والتحويل ده إيه يا عمي؟».

قاللي: «ده جزء من المرتب اللي قبضته، كنت عايز أديهولها، بس مش عايزها تعرف دلوقتي. أنا عرفت إن عندكم التزامات، وكنت ناوي أساعدكم من غير ما أحسسها إنها محتاجة لحد. أنا مش عايز منها غير إنها تفضل مبسوطة ومستورة».

السابق1 من 2
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى