
_ أنا مش عارفة المفروض اللي لسه والدة تاكل إيه بالظبط، بس أكيد مش ده الأكل اللي طنط بتديني إياه.
وبدأت تحكيله عن الأيام اللي عاشتها في غيابه.
_ الفطار يا إما شوية رز بمية، يا إما عيش ناشف مع حبتين طرشي. والغدا مكرونة مسلوقة بمية وملح، وتحطلي فوقها شوية خضرة وخلاص. أما العشا، ففي أيام بتعدي عليا ما بشوفش فيها لا لحمة ولا فراخ.
ندى سكتت لحظة، وبعدها قالت:
_ وفي مرة طلبت منها تعمللي شوربة دافية، عشان كنت تعبانة ومش قادرة أبلع الأكل الناشف، قالتلي الشوربة مش هتشبعك في حاجة، لو جعانة كلي رز أكتر!
سيف بص ناحية سلة الزبالة، ووطّى صوته وهو بيسألها:
_ وطبق الشوربة بتاع الصبح؟
ندى ابتسمت ابتسامة مكسورة، وقالت:
_ أنا شفتها بعيني يا سيف. ما لحقتش حتى أحط المعلقة في بقي، لقيتها خدت السلطانية ورمتها كلها في الزبالة.
سيف قام من مكانه ومشي ناحية سلة الزبالة، وبعدها نزل على ركبته وبص جواها.
الشوربة اللي تعب فيها من الفجر، واللي فضل يظبط طعمها وريحتها عشان مراته تقدر تاكل منها، بقت بواقي مرمية في قاع السلة.
عصرة لمون والبصل المفروم كانوا غرقانين في الشوربة اللي بردت.
فضل باصص ليها، وافتكر الصبح لما قام بدري، ونضف السمك بإيده وشال قشره وغسله كويس، وبعدها حط الحلة على النار وفضل يتابعها ويظبط النار عشان الشوربة تطلع مظبوطة.
كان نفسه يفرّح ندى بأكلة بتحبها، ويطمن إنها بتاكل كويس وبتسترد صحتها بعد الولادة اللي كانت هتتعرض لخطر فيها.
كل ده كان بيعمله بحب، وفي الآخر لقى تعبه كله مرمي في الزبالة، من غير حتى ما أمه تفكر إن الأكل ده معمول مخصوص لواحدة لسه والدة وتعبانة.
سيف قام ورجع قعد جنب مراته، وبصلها بعينين مليانين وجع.
_ إنتِ بقالك قد إيه ساكتة ومتحملة كل ده؟ وليه ما قولتيليش يا ندى؟
ندى بصتله بابتسامة حزينة وقالت:
_ وحتى لو كنت قولتلك، كنت هتعمل إيه؟
السؤال نزل عليه زي القلم.
ندى كملت بهدوء:
_ دي أمك يا سيف. يعني لو كنت حكيتلك كل اللي بيحصل، كنت هتقوم تطردها من البيت مثلًا؟
سيف فتح بقه عشان يرد، لكنه ما عرفش يقول حاجة.
ما قدرش يوعدها بحاجة هو نفسه مش عارف هيقدر يعملها ولا لأ.
ندى لاحظت تردده، وملامحها زادت تعب.
_ أنا فاهمة إن موقفك صعب، ومش عايزاك تحس إنك لازم تختار بيني وبين أمك. دي الست اللي تعبت في تربيتك، ودي مراتك اللي المفروض تكون عايشة معاك في أمان. أنا عارفة إنك مش عايز تزعل حد فينا.
أخدت نفس عميق، وحاولت تمنع دموعها من النزول، لكنها ما قدرتش.
_ بس أنا خلاص يا سيف، جبت آخري.
سيف قرب منها أكتر، وهي كملت بصوت بيرتعش:
_ في أيام ما باكلش غير وجبة واحدة طول اليوم، وفي الأيام اللي بعتبرها حلوة باكل وجبتين. ببقى جعانة لدرجة إني أول ما أقف من على السرير، الدنيا بتلف بيا وبيسودّ كل حاجة قدام عيني.
وبصت ناحية بطنها، وحطت إيدها بحذر فوق مكان الجرح.
_ جرح القيصرية لسه بيوجعني يا سيف. كل ما أشيل يونس، بحس بنغزة جامدة، وساعات الوجع بيبقى شديد لدرجة إني بعرق عرق بارد. ولما كنت بشتكي لطنط، كانت تقولي إني دلوعة وما بستحملش الشغل، وتقعد تحكيلي عن ستات زمان اللي كانوا بيولدوا وينزلوا الغيط تاني يوم، ولا كأن حصلهم حاجة.
مسكت طرف البطانية بإيديها الضعيفة، وكملت:
_ بس أنا ما ولدش طبيعي يا سيف، أنا دخلت عملية وفتحوا بطني. لحد دلوقتي، لو إيدي لمست الجرح بالغلط، جسمي كله بينتفض من الوجع.
الدموع بدأت تنزل على خدودها، وصوتها اتكسر وهي بتقول:
_ ونسيت كمان إني كنت أعاني على ترابيزة العمليات.
سيف حس إن قلبه بيتقطع.
ما قدرش يستحمل أكتر من كده، فقرب منها وضمها لحضنه بالراحة، وهو واخد باله ما يضغطش على جرحها.
جسم ندى كان خفيف بشكل خضه، كأنه بيحضن طفلة صغيرة مش مراته اللي كان شايفها دايمًا قوية وبتعتمد على نفسها.
أول ما ندى لقت نفسها في حضنه، انفجرت في العياط.
كانت بتحاول تكتم صوتها طول الفترة اللي فاتت، لكن أول ما حست إن فيه حد أخيرًا بيسمعها، ما قدرتش تمنع نفسها.
سيف لف دراعه حواليها بحنية، وسابها تعيط على صدره، وهو نفسه كان بيحاول يحبس دموعه.
_ حقك عليا يا ندى.
صوته خرج مخنوق، وبعدها باس راسها وقال:
_ أنا آسف يا حبيبتي. أنا كنت مغفل. كنت فاكر إنك في أمان مع أمي، وإنها هتراعيكي وتخاف عليكي زي ما أنا بخاف عليكي، وما خدتش بالي من اللي إنتِ بتتعرضيله.
ندى هزت راسها بضعف، ومسحت دموعها وهي بتحاول تهدى.
_ أنا مش بلومك على كل حاجة يا سيف.
سكتت شوية، وبعدها قالت بنبرة هادية وجعت قلبه أكتر من العياط:
_ بس عمري ما تخيلت إن حياتي بعد الجواز هتبقى صعبة بالشكل ده.
سيف حس كأن حد بيقطع قلبه بوجع.
ما كانش الوجع عشان مراته بتلومه، لكن عشان اكتشف إنها وصلت لمرحلة من التعب واليأس خلتها حتى مش قادرة تزعل منه.
ندى اللي كان يعرفها زمان كانت مختلفة تمامًا.
كانت بنت قوية، وعندها كرامة وعزة نفس، وعمرها ما كانت بتحب تمد إيدها لحد أو تطلب حاجة من حد.
وده بالذات كان أكتر شيء جذبه ليها من أول يوم شافها فيه.
بقالهم خمس سنين يعرفوا بعض؛ تلات سنين خطوبة وحب، وسنتين جواز، وسيف عمره ما نسي أول مرة قابلها فيها.
ساعتها كانت شغالة محاسبة في شركة صغيرة، ومرتبها ما كانش بيكمل أربعة آلاف جنيه في الشهر.
كان بالعافية مكفي مصاريفها الأساسية، ومع ذلك عمرها ما اشتكت من ظروفها، ولا طلبت مساعدة من حد.
كانت مأجرة أوضة صغيرة في منطقة شعبية قديمة، وبتقوم كل يوم الساعة ستة الصبح، تجهز نفسها بسرعة وتنزل تركب الأتوبيس وسط الزحمة عشان تلحق شغلها.
كانت بتقضي يوم طويل في الشغل، وترجع آخر النهار تعبانة، ومع ذلك عمرها ما كانت بتحب تبين ضعفها لحد.
وده كان أكتر شيء سيف بيحبه فيها، وأكتر شيء وجعه دلوقتي، وهو شايف إن الست اللي عمرها ما انحنت لحد، بقت مكسورة بالشكل ده وهي في بيت جوزها.
وبعد يوم طويل في الشغل، كانت ندى بترجع أوضتها ورجليها مش شايلاها من التعب.
ومع كل ده، كانت بتحاول تعتمد على نفسها، وتدبّر أمورها على قد ما تقدر. عمرها ما استسلمت لظروفها، ولا فكرت تستغل حد عشان تخلّص نفسها من ضيق العيشة.
ندى كانت بنت عزيزة النفس، بتشتغل وتتعب عشان تصرف على نفسها، وما بتحبش تمد إيدها لحد مهما كانت محتاجة.
والنهارده، بعد كل اللي شافته في حياتها، بقت قاعدة على سرير المستشفى، وبتطلب من جوزها بكل كسوف لو ينفع تاكل بيضة زيادة!
سيف بص لطبق الطرشي اللي كان على الترابيزة، وحس بغصة في زوره.
إزاي مراته وصلت للحالة دي وهو مش حاسس بيها؟
بصلها وقال بحزم:
_ ندى، من النهارده مش عايزك تشيلي هم زعل أي حد في البيت ده تاني، فاهمة؟
ندى رفعت راسها وبصتله باستغراب.
_ إنت ناوي تعمل إيه يا سيف؟
_ هاخدك المستشفى حالًا.
_ طب ويونس؟
_ يونس هياخدنا معاه، مش هسيبه ولا هسيبك.
ندى بصتله كأنها مش مصدقة إنه أخيرًا أخد قرار من غير ما يفكر في زعل حد تاني.
سيف طلع تليفونه واتصل بسكرتيرته، وأول ما ردت عليه قال:
_ ألغِيلي كل مواعيد واجتماعات النهارده، وأي شغل مش مستعجل يتأجل لبكرة.
السكرتيرة استغربت وقالت:
_ بس يا أستاذ سيف، عندنا اجتماع مهم جدًا النهارده مع الشركاء!
_ عندي ظرف عائلي طارئ.
سكت لحظة، وبعدها كمل بنبرة حاسمة:
_ مفيش صفقة ولا عقد في الدنيا أهم من مراتي وابني.
قفل التليفون، ودخل أوضة يونس.
كان ابنه الصغير نايم في سريره، عنده تلات شهور، ووشه البريء وإيديه الصغيرين كانوا يخلّوا أي حد يبصله يبتسم غصب عنه.
سيف وطّى وبص لابنه، وحس بوخزة وجع في قلبه.
طول التلات شهور اللي فاتوا، كان بيطحن نفسه في الشغل، وبيجري من اجتماع لاجتماع، وكل اللي في دماغه إنه يوفر لمراته وابنه حياة كويسة وما يحتاجوش لحد.
بس نسي أهم حاجة.


