عام

تحت مسمي الحب ج3

الكاتبه نرمين عادل همام

في صباح يوم من أيام شهر مارس، كنت واقفة في المطبخ، بأعد ساندوتش لرنا قبل ما تروح الحضانات/المدرسة. كانت بقت في سن أربع سنين، لابسة الجاكت الأصفر بتاعها، وقاعدة على الكرسي بتهز رجلها وتخبط في الترابيزة.

ماما.. ليه ما أخدنامش الشنطة الحمرا النهاردة؟

عشان الشنطة الحمرا في الغسيل يا رنا.. خدي الزرقا.

أنا مش بحب الزرقا.

الزرقا هي اللي معانا النهاردة.

اتنفست رنا بالراحة، ومدت إيدها وأخدت الشنطة الزرقا. قالت كلام بصوت واطي لنفسها، وبعدين قالتلي:

ماما.. في ولد معايا في الفصل اسمه عمر.. قاللي إن مامته تعبانة ومريضة.

يا حبيبتي.. وأنتِ قلتِ له إيه؟

قلت له إن مامي أنا كمان كانت تعبانة ومريضة زمان، وبعدين بقت زي الفل وخفت.

إيدي وقفت بالس\كينة على الساندوتش. بصيت لها بحب.

وهو قالك إيه لما قلتِ له كده؟

قاللي إن مامته هي كمان هتخف وتبقى كويسة، لو فضلت تروح للدكتور.

ابتسمت لها من قلبي:

قولي له إن كلامه صح مظبوط 100%.

خرجنا سوا. الشمس في القاهرة في الصباح ده كانت دافية وطالعة صافية، وترسم ضل رنا الطويل على الرصيف. مشيت معاها لحد باب المدرسة، وأنا شايلة شنطتها على كتفي، وهي ماسكة في إيدي بقوة.

عند البوابة برة، وطيت على ركبي، ظبطت لها الجاكت، وبست قورتها.

هتيجي تاخديني بعد المدرسة يا ماما؟

أكيد هجيلك طبعاً.. زي كل يوم.

هتكوني مستنياني هنا؟

هكون مستنياكي هنا بالظبط.

دخلت المدرسة. وقفت لحظة عند البوابة، بصيت للشنطة وهي بتبعد وسط الأطفال، وبعدين بصيت للضل الطويل على الرصيف. حسيت إني أخيراً بقيت الشخص اللي بيقف عند الباب، ويستنى، ويرجع بيته بهدوء وراحة بال، وعارف إيه اللي مكتوب ومحطوط في رَفّه، وعارف دواه وحياته كويس، وعارف إن الـ 12 حباية حتى لو راحوا، مابقتش حاجة تقرر إمشي إزاي ولا تعطل خطوتي.

كان يوم عادي جداً.. وده كان أجمل وأعظم حاجة ممكن تحصل.

العلبة الفاضية والنهاية

في المساء، بعد ما رنا راحت في النوم، كنت برتب الرفوف في المطبخ، وبصيت لعلبة الدوا الفاضية.

كانت لسة محطوطة هناك، جنب الكتاب المصور بتاع الحيوانات. مسكتها في إيدي وقعدت ألفها. كانت خفيفة جداً، وشفافة، وعليها الاستيكر القديم اللي مابئاش مقري بوضوح، والجزء السفلي منها كان اصفرّ شوية مع مرور الوقت والسنين.

فكرت في الأول إني أرميها في الزبالة وأخلص منها.. وبعدين فكرت أحتفظ بيها زي ما هي.. وبعدين عملت حاجة تالتة خالص: طلعت من درج المطبخ استيكر أبيض صغنن، وكتبت عليه بخط إيدي الواضح:

دي علبة فاضية.. ما اتستخدمتش. واللي تحتفظ بيها هو الوحيد اللي يقرر ده.

لزقت الاستيكر عليها، ورجعتها مكانها على الرف بكل اعتزاز.

خرجت للبلكونة، ووقفت في الهواء النظيف. المنطقة كانت نايمة، والأصوات بعيدة وهادية، والنجوم طالعة في السماء فوق النور. استنشقت الهواء بعمق، وبعدين رجعت لجوة الشقة، قفلت باب البلكونة، وطفيت الأنوار نور ورا نور، ومضيت لأوضة نومي.

كان مستنيني في الصباح بنت صغننة هتصحى بابتسامة، وساندوتش هيتجهز بكل حب، ومكتبة مدرسة مستنياني أروح شغلي فيها. دي كانت حياتي البسيطة..

وكانت كفاية جداً.. وكانت ملكي أنا بس.

مرّت السنين، والبيت الهادي اللي أسسته أنا ورنا في المعادي بقى ماليان دفء وحياة. رنا كبرت، وبقت تروح مدرستها بصحبتها وهي مبهورة بالدنيا، وبقت شخصيتها حرة، قوية، وما بتخافش تعبر عن مشاعرها ولا تطلب حقها.. وده كان أكبر إنجاز خرجت بيه من التجربة دي كلها.

مصطفى فضّل على تواصل منتظم مع رنا، وبقت زياراتهم دافية ومحترمة من غير أي خناق ولا ضغوط. اتعلم إزاي يكون أب حقيقي وموجود، من غير ما يدور على سيطرة ولا يخبي ورا أقنعة. والعلاقة بيننا بقت علاقة ناضجة، هادية، ومبنية على الحدود الواضحة اللي رسمتها إيدي بعناية.

في يوم، وأنا واقفة في مكتبة المدرسة وسط رصوص الكتب والولاد والبنات الصغيرين اللي جايين يقروا، بصيت من الشباك على الشمس وهي طالعة. افتكرت الأيام اللي كنت مش قادرة أقف فيها على رجليا من الوجع، وافتكرت شنطة العدة الحديد، وافتكرت الكشكول السلك.

ابتسمت ابتسامة صافية طالعة من أعماق قلبي.

الوجع زمان كان بيحاول يكسرني ويخليني أشك في نفسي وفي عقلي.. بس النهاردة، بقى مجرد جرح قديم على البطن اتلم وانقفل، وشاهد على إن سلوى قدرت تختار نفسها، وتحمي بنتها، وتعيش حياتها بشروطها هي وبس.

حطيت الدفتر اللي في إيدي على الكاونتر، وفتحت كتاب قصص أطفال جديد عشان أبدأ حصة القراءة. كانت الحياة مكملة، وكانت جميلة، وكانت حقيقية..

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى