
لما خلص، مسح إيده على خشب الرف، وبص للعلبة البنية الفاضية.
شايلاها ليه العلبة دي يا سلوى؟ سألني.
عشان فاضية يا بابا، قلت له.
وهو ده السبب اللي خليكي تحتفظي بيها؟
عشان عايزة أفتكر دايماً إني أنا الشخص الوحيد اللي يقرر إيه اللي يتحط جواها.
بصلي بابا فترة طويلة، وبعدين هز رأسه بنعم كأن في حاجة استقرت وارتاحت في صدره. ما قالش أي كلمة تانية عن العلبة، بس فضل واقف جنبي لحظة بحنية، وبعدين رجع مسك الشنيور يكمل بقية الشغل.
في الليلة دي، طفيت النور في أوضة رنا بعد ما راحت في النوم، ووقفت في الطرقة المتنورة بوهج وناسة صغننة. سمعت صوت عربية معدية في الشارع تحت، وبعدين مشيت للمطبخ، صبيت لنفسي كوباية مية، وشربتها وأنا واقفة عند الشباك.
المنطقة كانت هادية جداً.. وكان في النور بتاع المبانى البعيدة بيلمع في الأفق.
فكرت في الصفحة الأخيرة من التقرير الرسمي، وفي السطر الصغير اللي كُتب تحت: 12 حباية ناقصين.. ومفيش تفسير منطقي. فكرت في كل حاجة كانت باينالي وقتها مرعبة وكبيرة أوي: رقم، وكشكول سلك، وشنطة حديد مقفولة. وفكرت في كل حاجة باينالي دلوقتي صغننة ومفيهاش خوف، وفي الحاجات الكبيرة الحقيقية اللي في حياتي دلوقتي.
الرقم ما تفسرش ومالوش إجابة قطعية.. بس أنا بقيت في مطبخي، في شقتي، بشرب المية وأنا مطمنة، وعارفة دوايا، وعارفة بنتي، وعارفة نفسي ومستوعباها أكتر بكثير من اليوم اللي صحيت فيه في صباح شهر يونيو إياه. وده بالظبط، من غير زيادة ولا نقصان، كان كل اللي يرضيني ومناسبني.
حطيت الكوباية في الحوض، طفيت النور، وقفلت باب أوضة رنا بالراحة وبكل هدوء.
في أواخر سبتمبر، وصلتني رسالة. كانت في ظرف أبيض عادي، بخط يد مصطفى، وموجهة إليّ. لم يرسلها عبر المحامية، ولم يمررها عبر مدير المركز، ولم يضعها في صندوق البريد إلا بعد أسبوعين من كتابتها. عرفت ذلك من التاريخ مكتوب في أعلاها.
قرأتها وأنا واقفة عند صندوق البريد، وبعدين دخلت الشقة، وقعدت على السلم، وأعادت قراءتها بتركيز.
كتب إنه كان بيقعد في غرفة من غير شبابيك في عيادة دكتور نفسي في مدينة ثانية قريبة، مرة كل أسبوع، وإنه كان بيتكلم هناك عن حاجات عمره ما قالها لأي بني آدم. كتب إنه لما بدأ يتكلم عن أبوه، وعن سنين مراهقته، وعن مشكلة ضهره اللي بقت جزء من هويته وشخصيته، أدرك إن الحبايات دي عمرها ما كانت تخصني ولا عني أنا. كانت عن ثقل وهَم كان شايله لوحده، عن حاجة ظن إنه لازم يحميها بنفسه، وعن راجل ما عرفش إزاي يطلب المساعدة والنجدة من حد، فطلب بدالها إنه يسيطر ويتحكم في كل حاجة.
وكتب جملة قريتها مرتين وأنا مش مصدقة:
أنا مش بطلب منكِ تسامحيني يا سلوى.. أنا حتى مش فاهم التسامح ده محتاج إيه عشان يحصل. أنا بطلب حاجة أصغر بكتير: إنك تبقي عارفة إني مكنتش بكذب عليكِ لما قلت لكِ إني كنت بحاول أحميكِ.. أنا كنت بكذب في حاجة ثانية، وهي إني كنت بحمي نفسي، وكنت بأسَمي ده حُب.
وفي آخر الصفحة، كتب سطر واحد بس:
الـ 12 حباية كانوا معايا أنا.. ما بعتهمش، وما أديتهمش لأي حد. كنت باخدهم لما ضهري كان يشتد عليّ ويوجعني جامد، وأقعد أقول لنفسي إني أستحقهم وأولى بيهم منكِ.. الكلام ده أوحش وأبشع بكتير من اللي تخيلتيه، وأنا لسة مش عارف أشيل ذنبه إزاي.
طبقت الرسالة. قعدت على السلم فترة طويلة، ورنا نايمة جوة في أوضتها، وأمي مكنتش هناك، وبابا في بيته، والدنيا والشارع برة عايشين حياتهم عادي كأن مفيش أي حاجة حصلت.
حسيت بإحساس غريب جداً: مكنش فرح بالاعتراف والتبرئة، ولا غضب متأخر على اللي فات.. كان مجرد هدوء. الرقم واللغز اللي رافقني لأكتر من سنة بقوا أخيراً حاجة ليها شكل وسبب حقيقي. المعرفة دي ما نفعتنيش أو غيرت الماضي في حاجة، بس حسيت إن الفوضى اللي كنت عايشة فيها استقرت في مكانها الصح، كأن حجر تقيل اترمى أخيراً من كيس كان متعلق في صدري وبيدايق نفسي.
الرد
كتبت له رد ورسالة في نفس الليلة. مكنتش عارفة هقدر أبعتها ولا لأ، بس اختارت إني أبعتها في الآخر.
ما كتبت ورقتين ولا كلام كتير.. كتبت أربع أسطر محددين:
وصلتني رسالتك.. شكراً لأنك قلت لي الحقيقة الصافية. أنا لسة مش عارفة هعمل إيه بالحقيقة دي، بس هقولك على حاجة مهمة: بسبب التجربة دي وبسببك، اتعلمت إزاي أعرف دوايا بنفسي، وإزاي أسأل وأطالب بحقي، وإزاي ما استسلمش أبداً لأي صوت يقولي إن اللي بحس بيه مبالغة وتهويل. عشان كده أنا ممتنة لك بطريقة غريبة مكنتش أتوقعها.. أما بالنسبة للـ 12 حباية، ما تستناش مني أقولك إن الموضوع انتهى واتمسح، بس أنت مابقتش الشخص الوحيد اللي شايل سرهم لوحدك.
وفي آخر السطر، اترددت شوية، وبعدين زدت جملة واحدة:
رنا بتسأل عليك ساعات.. تحياتي، سلوى.
بعت الرسالة فوراً قبل ما أتردد وأغير رأيي.
مر سنتين كاملين.




