الاخير تحت مسمى الحب للكاتبة نرمين عادل همام في سبتمبر، رن موبايلي في صباح يوم سبت. كان مصطفى. ما اتكلمناش تليفونياً خالص من ساعة الجلسة التانية في المركز. كانت كل الترتيبات والتفاصيل بتعدي في رسائل قصيرة وسريعة على الواتساب، أو عن طريق مدير المركز، أو عن طريق حماتي لما رنا تكون محتاجة حاجة. بس في الصباح ده بالذات، صوته في التليفون كان مختلف تماماً: مكنش حاد، ولا متحرّص وواخد حذره، ولا بيعتذر بالطريقة اللي بيستنى منها إني أقوله حصل خير. هو ينفع أشوف رنا النهاردة يا سلوى؟ سألني. معايا شنطة فيها حاجات ليها.. لعب، وكتب مصورة صغننة، وشوية حاجات أمي جابتها لها. بصيت لرنا، كانت قاعدة على السجادة بيني وبين اللعبة، وبتلف راسها ناحية خيوط الشمس اللي بتلمع على الأرض. ينفع، قلت له. في الجاردن بتاعة النادي الساعة أربعة.. هكون مجهزة كل حاجة. سلوى… أنا هكون قاعدة في الجاردن هناك برضه يا مصطفى، مش هسيبها لوحدها طبعاً.. بس أنت هتقعد معاها لوحدكم في الركن الخاص باللعب. تمام.. هكون هناك في الميعاد. الساعة أربعة، جه مصطفى. قعد على الدكة الخشب، حط كرتونة اللعب، وفتحها. كان جواها كتاب مصور بصور حيوانات، وشخشيخة قديمة، وحاجات تانية جابها لرنا. شالها بالراحة، وقعدها في حضنه. رنا كانت بتبص له ببطء، بتتعرف على وشّه وتستوعب. وبعدين مدّت إيدها الصغننة ومسكت الشخشيخة. مصطفى قعد معاها على السجادة البعيدة شوية، وما سمعتش كان بيوشوشها ويقولها إيه.. بس شفت راسه وهي بتوطى ناحيتها لما رنا كانت بتلتفت تبص لي، وشفت إيده وهي بتمتد عشان صوابعها الصغننة تلمس صوابعه، وابتسم لها الابتسامة الحقيقية الصافية اللي مفيهاش أي تمثيل أو كذب. في المساء، لما خلص وقت المقابلة وحط رنا في كرسيتها، اتقابلنا عند البوابة برة. شكراً يا سلوى، قالها بصوت واطي. ما تشكرنيش.. ده حقها الطبيعي عليك. إني أستوعب وأعرف ده كل يوم.. دي المشكلة والصعوبة. صح.. كل يوم اتدور مصطفى وجاي يمشي، وبعدين وقف وقالي: سلوى.. لما كنت بسأل في الصيدلية عن الدوا المسكن البديل… وسكت لحظة. كنت عايز أكون الشخص اللي بيحمي ويشيل الشيلة.. كنت شايف إني بحميكي أنتِ وهي.. أو ده اللي كنت فاكره عن نفسي وقتها. كنت بصاله تحت نور عمود النور اللي في الشارع. الأوضة اللي كنت محبوسة فيها يا مصطفى.. لما كنت بدور على الكشكول السلك بالسر، ولما رنا كانت بتعيط وأنا مش قادرة حتى أمد إيدي أشيلها من الوجع.. البنت اللي كانت جوة الأوضة دي كانت هي المحمية في نظرك؟ أنت عارف عنوان البنت دي إيه دلوقتي؟ ما عرفش يـرد ولا ينطق كلمة. حطيت رنا في كرسيتها في العربية، وقعدت ورا الدركسيون ومستنية بابا يفتح لي بوابة البيت. كل مرة كنت بمشي فيها في الطريق ده، كنت بفكر في نفس الحقيقة: إن الحب لما يفقد بوصلته وتوجيهه الصح، ممكن ينحرف ويتحول لسيطرة وأذى. الحب لما ما تبقاش عارف الطرف التاني محتاج إيه بجد، ممكن يتقلب لحاجة تانية مرعبة.. وده بالضبط الليحصل بينا. بعد سنة وأربع شهور، سددت بقية المصاريف في شركة التأمين، وقفلت ملف الشقة القديمة بالكامل، ورجعت لشغلي في مكتبة المدرسة بدوام كامل عادي. الحاجات مكنتش رجعت زي الأول طبعاً، بس مابقتش خلاص بدعبس ولا بجري ورا مصطفى ولا بشغل بالي بيه. في الأسابيع الأولى بعد أولجلسة، كان لسة بيبعت رسائل طويلة ع الواتساب يشرح لي فيها وجهة نظره واللي عمله.. وبعدين الرسائل دي اختفت تماماً. رجعت مرة ولا مرتين صدفة.. وبعدين مابقتش تيجي خالص. الست نادية جت زارتني للمرة الأخيرة، بعد ما الملف الطبي والتقارير اتقتفلت رسمياً، وأنا أخدت إخلاء طرف كامل من أي حاجة كانوا فاكرين إنها هتفضل متعلّقة ومسببة أزمة في حياتنا. جبتلك حاجة معايا، قالت لي الست نادية، وطلعت من شنطتها كيس بلاستيك شفاف. جوة الكيس كانت في علبة دوا بنية قديمة. دي مش العلبة الأصلية إياها، قالت لي. الأصلية اتوثقت في التقرير والملف الرسمي واتحفظت هناك. دي علبة فاضية زيها بالظبط الوكالة بعتتهالي. دي مش دليل قانوني دلوقتي ومفيهاش أي دوا طبعاً.. بس قلت يمكن تحبي تشيليها عندك. أخدتها منها. كانت علبة زجاج فارغة شبه القديمة بالظبط، وعليها ستيكر قديم. هعمل بيها إيه دي يا ست نادية؟ ما أعرفش.. القرار بتاعك أنتِ يا سلوى. ساعات الماضي بيكون محتاج بس رف يشيل ذكرياته.. مش عشان تفتكري وتتوجعي، بس عشان تتأكدي وتطمني إن كل حاجة بقت في مكانها المضبوط خلاص. أخدت العلبة وحطيتها على الرف في المطبخ، جنب كتب الطبخ، فوق سرير رنا الصغير. مكالمة الحماة وتصالح مع الماضي عدت شهور تانية قبل ما أسمع اسم مصطفى تاني في سياق مكنتش متوقعاه خالص. اتصلت بي أمه في يوم من أيام الخريف. مكنتش اتصلت بيّ قبل كده خالص، لا في أول أسبوع ولا في الشهور اللي تلت الأحداث. كان صوتها في التليفون متردد، ومغلف بأدب ورسمية، وفيه هزة خفيفة في آخره. سلوى.. أنا أسفة إني ببتعطلك وبزعجك. ما أعرفش لو كان الاتصال ده مناسب ولا لأ.. بس قلت أنتِ بالذات، ومن بين كل الناس، أكتر واحدة ممكن تفهمي. سكت ومستنية كملة كلامها. مصطفى راح لدكتور نفسي أخيراً يا سلوى.. دكتور جديد، ما يعرفوش من زمان. قال له إن في حاجات جواه مش عارف يشرحها، وإنه حاسس إنه شايل هم وثقل لوحده طول السنين دي. الدكتور قال له كلام ما أعرفش هو إيه بالظبط.. بس من اليوم ده، ومصطفى بيعمل حاجات ما عملهاش من سنين! بقيت ألاقيه يجي يقعد معايا في المطبخ، ويحكيلي على حاجات جواه.. حاجات كنت فاكرة إن ماليش دعوة بيها وما تخصنيش. بصيت لرنا من شباك المطبخ وهي تلعب في الجاردن الصغيرة قدام العمارة، بتحاول تمسك ورقة شجر شافة لونها مصفر. أنا فرحانة إنه بيعمل كده والله يا طنط، قلت لها. والكلمة كانت طالعة من قلبي وصادقة جداً. أنا عارفة إن اللي عمله معاكي ما يتصلحش بمغناطيس أو بكلمتين.. وأنا مش بطلب منك أي حاجة والله، أنا بس كنت حابة تبقي عارفة إن الدنيا النهاردة فيها حاجة بتتغير للأحسن. بعد ما قفلت المكالمة، قعدت على السلم برة. سرحت وفكرت: هو أنا كنت عايزة أقول إيه في أول جلسة؟ كنت عايزة أعرف مين اللي أخد الحبايات الناقصة! كنت عايزة أثبت حاجة وأطلع غلطانه أو صح.. بس النهاردة، المعرفة مابقتش فارقة. عرفت حاجة واحدة بس: إن في راجل شال شيلة وثقل لوحده لسنين طويلة، ولما اتعلم إزاي يبص للجرح ده ويكشفه، الحبايات دي مكنتش ق\ضية حلال وحرام وأخلاق.. دي كانت ق\ضية إنسان مش عارف يتعامل مع ألمه. في الربيع، كانت رنا بدأت تمشي بثبات وتجري في الممشى بتاع النادي. كانت كملت سنتين تقريباً، تلم الحصى الصغير في كف إيدها وتصرخ بفرحة. خدتها للحديقة في السنة دي، ومسكت إيدها في كل منزلق وطلعة، وسبتها تروح في المكان اللي هي عايزاه. كانت ملزوقة في دراعي، وبقت خفيفة على قلبي. قعدت هناك في الضل وأنا بقلب في موبايلي، قريت رسالة من زميلتي في المكتبة بتسألني لو ينفع نعمل ورشة قراءة للأطفال والرضع، قلت لها أيوه طبعاً يلا بينا. وفي طريقنا وأحنا راجعين للعربية، رنا وقفت قدام شجرة كبيرة. مدّت إيدها الصغننة، قطفت ورقة شجر، وكانت عايزة تتأكد من حاجة، ومسكتها جامد. بصي يا ماما! قالت لي. دي مش حصوة.. دي مش من هنا! وطيت عندها وبصيت للورقة. كانت ورقة شجر كبيرة، خضرا، وقعة من شجرة على الناحية التانية من الطريق. أخدتها منها بالراحة، وحطيتها في شنطتي وما رميتهاش. في العربية، وأنا بربط لها حزام الأمان، قعدت تمتم بكلام، وبعدين قالت بصوت واضح: ماما.. هو أنتِ دايماً بتفضلي زي ما أنتِ كده؟ ضحكت بصوت عالي: ما أعرفش يا رنا! تقصدي إيه يعني؟ تقصدي تقول كلام، وبعدين تعملي حاجة تانية؟ ضحكت أكتر بيني وبين نفسي، وبعدين جاوبتها: لا يا حبيبتي.. البني آدمين مش دايماً بيفضلوا زي ما هما، وفي حاجات في حياتنا لازم تتغير وتتعدل. رنا مالت براسها على مسند الكرسي، وحطت خدها ونامت وهي بتتنفس ببطء. حبيتها من كل قلبي.. في حاجة جوة روحي انقفلت واستريحت وأنا بحبها بالمنظر ده، مش لأني مكنتش بحبها قبل كده، بس لأني بقيت قادرة أحبها من غير خوف إن شغفي يضيع أو أضل طريقي، من غير ما أفكر هل أنا أستاهل أبقى أم ولا لأ، ومن غير ما أسأل نفسي هو ده كفاية في الوقت الحالي ولا مش كفاية. بقيت قادرة أعيش، وأحب، وأكمل حياتي من غير خوف. في الصيف، نقلت لشقة صغننة ولطيفة في المعادي. بيت بابا مكنش ضاق بينا ولا حاجة، بس كنت عايزة أفتح باب شقة مفتاحه في إيدي أنا بس. أوضة نوم لرنا، وأوضة ليا، وترابيزة صغننة في المطبخ حطيت عليها مكتبي وكتبي ودفاتري. وعلى الرف اللي فوق سرير رنا، حطيت علبة الدوا الفاضية اللي بعتتهالي الست نادية، جنب كتاب مصور عن الحيوانات. بابا جه يساعدني في تركيب الرف على الحيطة. وقف مسك الشنيور، ويسألني عايزة الرف فين بالظبط، وأقعد أظبط في المكان يمين وشمال كام سنتيمتر لحد ما اقتنعت وتأكدت. لما خلص، مسح إيده على خشب الرف، وبص للعلبة البنية الفاضية. شايلاها ليه العلبة دي يا سلوى؟ سألني. عشان فاضية يا بابا، قلت له. وهو ده السبب اللي خليكي تحتفظي بيها؟ عشان عايزة أفتكر دايماً إني أنا الشخص الوحيد اللي يقرر إيه اللي يتحط جواها. بصلي بابا فترة طويلة، وبعدين هز رأسه بنعم كأن في حاجة استقرت وارتاحت في صدره. ما قالش أي كلمة تانية عن العلبة، بس فضل واقف جنبي لحظة بحنية، وبعدين رجع مسك الشنيور يكمل بقية الشغل. في الليلة دي، طفيت النور في أوضة رنا بعد ما راحت في النوم، ووقفت في الطرقة المتنورة بوهج وناسة صغننة. سمعت صوت عربية معدية في الشارع تحت، وبعدين مشيت للمطبخ، صبيت لنفسي كوباية مية، وشربتها وأنا واقفة عند الشباك. المنطقة كانت هادية جداً.. وكان في النور بتاع المبانى البعيدة بيلمع في الأفق. فكرت في الصفحة الأخيرة من التقرير الرسمي، وفي السطر الصغير اللي كُتب تحت: 12 حباية ناقصين.. ومفيش تفسير منطقي. فكرت في كل حاجة كانت باينالي وقتها مرعبة وكبيرة أوي: رقم، وكشكول سلك، وشنطة حديد مقفولة. وفكرت في كل حاجة باينالي دلوقتي صغننة ومفيهاش خوف، وفي الحاجات الكبيرة الحقيقية اللي في حياتي دلوقتي. الرقم ما تفسرش ومالوش إجابة قطعية.. بس أنا بقيت في مطبخي، في شقتي، بشرب المية وأنا مطمنة، وعارفة دوايا، وعارفة بنتي، وعارفة نفسي ومستوعباها أكتر بكثير من اليوم اللي صحيت فيه في صباح شهر يونيو إياه. وده بالظبط، من غير زيادة ولا نقصان، كان كل اللي يرضيني ومناسبني. حطيت الكوباية في الحوض، طفيت النور، وقفلت باب أوضة رنا بالراحة وبكل هدوء. في أواخر سبتمبر، وصلتني رسالة. كانت في ظرف أبيض عادي، بخط يد مصطفى، وموجهة إليّ. لم يرسلها عبر المحامية، ولم يمررها عبر مدير المركز، ولم يضعها في صندوق البريد إلا بعد أسبوعين من كتابتها. عرفت ذلك من التاريخ مكتوب في أعلاها. قرأتها وأنا واقفة عند صندوق البريد، وبعدين دخلت الشقة، وقعدت على السلم، وأعادت قراءتها بتركيز. كتب إنه كان بيقعد في غرفة من غير شبابيك في عيادة دكتور نفسي في مدينة ثانية قريبة، مرة كل أسبوع، وإنه كان بيتكلم هناك عن حاجات عمره ما قالها لأي بني آدم. كتب إنه لما بدأ يتكلم عن أبوه، وعن سنين مراهقته، وعن مشكلة ضهره اللي بقت جزء من هويته وشخصيته، أدرك إن الحبايات دي عمرها ما كانت تخصني ولا عني أنا. كانت عن ثقل وهَم كان شايله لوحده، عن حاجة ظن إنه لازم يحميها بنفسه، وعن راجل ما عرفش إزاي يطلب المساعدة والنجدة من حد، فطلب بدالها إنه يسيطر ويتحكم في كل حاجة. وكتب جملة قريتها مرتين وأنا مش مصدقة: أنا مش بطلب منكِ تسامحيني يا سلوى.. أنا حتى مش فاهم التسامح ده محتاج إيه عشان يحصل. أنا بطلب حاجة أصغر بكتير: إنك تبقي عارفة إني مكنتش بكذب عليكِ لما قلت لكِ إني كنت بحاول أحميكِ.. أنا كنت بكذب في حاجة ثانية، وهي إني كنت بحمي نفسي، وكنت بأسَمي ده حُب. وفي آخر الصفحة، كتب سطر واحد بس: الـ 12 حباية كانوا معايا أنا.. ما بعتهمش، وما أديتهمش لأي حد. كنت باخدهم لما ضهري كان يشتد عليّ ويوجعني جامد، وأقعد أقول لنفسي إني أستحقهم وأولى بيهم منكِ.. الكلام ده أوحش وأبشع بكتير من اللي تخيلتيه، وأنا لسة مش عارف أشيل ذنبه إزاي. طبقت الرسالة. قعدت على السلم فترة طويلة، ورنا نايمة جوة في أوضتها، وأمي مكنتش هناك، وبابا في بيته، والدنيا والشارع برة عايشين حياتهم عادي كأن مفيش أي حاجة حصلت. حسيت بإحساس غريب جداً: مكنش فرح بالاعتراف والتبرئة، ولا غضب متأخر على اللي فات.. كان مجرد هدوء. الرقم واللغز اللي رافقني لأكتر من سنة بقوا أخيراً حاجة ليها شكل وسبب حقيقي. المعرفة دي ما نفعتنيش أو غيرت الماضي في حاجة، بس حسيت إن الفوضى اللي كنت عايشة فيها استقرت في مكانها الصح، كأن حجر تقيل اترمى أخيراً من كيس كان متعلق في صدري وبيدايق نفسي. الرد كتبت له رد ورسالة في نفس الليلة. مكنتش عارفة هقدر أبعتها ولا لأ، بس اختارت إني أبعتها في الآخر. ما كتبت ورقتين ولا كلام كتير.. كتبت أربع أسطر محددين: وصلتني رسالتك.. شكراً لأنك قلت لي الحقيقة الصافية. أنا لسة مش عارفة هعمل إيه بالحقيقة دي، بس هقولك على حاجة مهمة: بسبب التجربة دي وبسببك، اتعلمت إزاي أعرف دوايا بنفسي، وإزاي أسأل وأطالب بحقي، وإزاي ما استسلمش أبداً لأي صوت يقولي إن اللي بحس بيه مبالغة وتهويل. عشان كده أنا ممتنة لك بطريقة غريبة مكنتش أتوقعها.. أما بالنسبة للـ 12 حباية، ما تستناش مني أقولك إن الموضوع انتهى واتمسح، بس أنت مابقتش الشخص الوحيد اللي شايل سرهم لوحدك. وفي آخر السطر، اترددت شوية، وبعدين زدت جملة واحدة: رنا بتسأل عليك ساعات.. تحياتي، سلوى. بعت الرسالة فوراً قبل ما أتردد وأغير رأيي. مر سنتين كاملين. في صباح يوم من أيام شهر مارس، كنت واقفة في المطبخ، بأعد ساندوتش لرنا قبل ما تروح الحضانات/المدرسة. كانت بقت في سن أربع سنين، لابسة الجاكت الأصفر بتاعها، وقاعدة على الكرسي بتهز رجلها وتخبط في الترابيزة. ماما.. ليه ما أخدنامش الشنطة الحمرا النهاردة؟ عشان الشنطة الحمرا في الغسيل يا رنا.. خدي الزرقا. أنا مش بحب الزرقا. الزرقا هي اللي معانا النهاردة. اتنفست رنا بالراحة، ومدت إيدها وأخدت الشنطة الزرقا. قالت كلام بصوت واطي لنفسها، وبعدين قالتلي: ماما.. في ولد معايا في الفصل اسمه عمر.. قاللي إن مامته تعبانة ومريضة. يا حبيبتي.. وأنتِ قلتِ له إيه؟ قلت له إن مامي أنا كمان كانت تعبانة ومريضة زمان، وبعدين بقت زي الفل وخفت. إيدي وقفت بالس\كينة على الساندوتش. بصيت لها بحب. وهو قالك إيه لما قلتِ له كده؟ قاللي إن مامته هي كمان هتخف وتبقى كويسة، لو فضلت تروح للدكتور. ابتسمت لها من قلبي: قولي له إن كلامه صح مظبوط 100%. خرجنا سوا. الشمس في القاهرة في الصباح ده كانت دافية وطالعة صافية، وترسم ضل رنا الطويل على الرصيف. مشيت معاها لحد باب المدرسة، وأنا شايلة شنطتها على كتفي، وهي ماسكة في إيدي بقوة. عند البوابة برة، وطيت على ركبي، ظبطت لها الجاكت، وبست قورتها. هتيجي تاخديني بعد المدرسة يا ماما؟ أكيد هجيلك طبعاً.. زي كل يوم. هتكوني مستنياني هنا؟ هكون مستنياكي هنا بالظبط. دخلت المدرسة. وقفت لحظة عند البوابة، بصيت للشنطة وهي بتبعد وسط الأطفال، وبعدين بصيت للضل الطويل على الرصيف. حسيت إني أخيراً بقيت الشخص اللي بيقف عند الباب، ويستنى، ويرجع بيته بهدوء وراحة بال، وعارف إيه اللي مكتوب ومحطوط في رَفّه، وعارف دواه وحياته كويس، وعارف إن الـ 12 حباية حتى لو راحوا، مابقتش حاجة تقرر إمشي إزاي ولا تعطل خطوتي. كان يوم عادي جداً.. وده كان أجمل وأعظم حاجة ممكن تحصل. العلبة الفاضية والنهاية في المساء، بعد ما رنا راحت في النوم، كنت برتب الرفوف في المطبخ، وبصيت لعلبة الدوا الفاضية. كانت لسة محطوطة هناك، جنب الكتاب المصور بتاع الحيوانات. مسكتها في إيدي وقعدت ألفها. كانت خفيفة جداً، وشفافة، وعليها الاستيكر القديم اللي مابئاش مقري بوضوح، والجزء السفلي منها كان اصفرّ شوية مع مرور الوقت والسنين. فكرت في الأول إني أرميها في الزبالة وأخلص منها.. وبعدين فكرت أحتفظ بيها زي ما هي.. وبعدين عملت حاجة تالتة خالص: طلعت من درج المطبخ استيكر أبيض صغنن، وكتبت عليه بخط إيدي الواضح: دي علبة فاضية.. ما اتستخدمتش. واللي تحتفظ بيها هو الوحيد اللي يقرر ده. لزقت الاستيكر عليها، ورجعتها مكانها على الرف بكل اعتزاز. خرجت للبلكونة، ووقفت في الهواء النظيف. المنطقة كانت نايمة، والأصوات بعيدة وهادية، والنجوم طالعة في السماء فوق النور. استنشقت الهواء بعمق، وبعدين رجعت لجوة الشقة، قفلت باب البلكونة، وطفيت الأنوار نور ورا نور، ومضيت لأوضة نومي. كان مستنيني في الصباح بنت صغننة هتصحى بابتسامة، وساندوتش هيتجهز بكل حب، ومكتبة مدرسة مستنياني أروح شغلي فيها. دي كانت حياتي البسيطة.. وكانت كفاية جداً.. وكانت ملكي أنا بس. مرّت السنين، والبيت الهادي اللي أسسته أنا ورنا في المعادي بقى ماليان دفء وحياة. رنا كبرت، وبقت تروح مدرستها بصحبتها وهي مبهورة بالدنيا، وبقت شخصيتها حرة، قوية، وما بتخافش تعبر عن مشاعرها ولا تطلب حقها.. وده كان أكبر إنجاز خرجت بيه من التجربة دي كلها. مصطفى فضّل على تواصل منتظم مع رنا، وبقت زياراتهم دافية ومحترمة من غير أي خناق ولا ضغوط. اتعلم إزاي يكون أب حقيقي وموجود، من غير ما يدور على سيطرة ولا يخبي ورا أقنعة. والعلاقة بيننا بقت علاقة ناضجة، هادية، ومبنية على الحدود الواضحة اللي رسمتها إيدي بعناية. في يوم، وأنا واقفة في مكتبة المدرسة وسط رصوص الكتب والولاد والبنات الصغيرين اللي جايين يقروا، بصيت من الشباك على الشمس وهي طالعة. افتكرت الأيام اللي كنت مش قادرة أقف فيها على رجليا من الوجع، وافتكرت شنطة العدة الحديد، وافتكرت الكشكول السلك. ابتسمت ابتسامة صافية طالعة من أعماق قلبي. الوجع زمان كان بيحاول يكسرني ويخليني أشك في نفسي وفي عقلي.. بس النهاردة، بقى مجرد جرح قديم على البطن اتلم وانقفل، وشاهد على إن سلوى قدرت تختار نفسها، وتحمي بنتها، وتعيش حياتها بشروطها هي وبس. حطيت الدفتر اللي في إيدي على الكاونتر، وفتحت كتاب قصص أطفال جديد عشان أبدأ حصة القراءة. كانت الحياة مكملة، وكانت جميلة، وكانت حقيقية..