
أخدت العلبة وحطيتها على الرف في المطبخ، جنب كتب الطبخ، فوق سرير رنا الصغير.
مكالمة الحماة وتصالح مع الماضي
عدت شهور تانية قبل ما أسمع اسم مصطفى تاني في سياق مكنتش متوقعاه خالص. اتصلت بي أمه في يوم من أيام الخريف. مكنتش اتصلت بيّ قبل كده خالص، لا في أول أسبوع ولا في الشهور اللي تلت الأحداث. كان صوتها في التليفون متردد، ومغلف بأدب ورسمية، وفيه هزة خفيفة في آخره.
سلوى.. أنا أسفة إني ببتعطلك وبزعجك. ما أعرفش لو كان الاتصال ده مناسب ولا لأ.. بس قلت أنتِ بالذات، ومن بين كل الناس، أكتر واحدة ممكن تفهمي.
سكت ومستنية كملة كلامها.
مصطفى راح لدكتور نفسي أخيراً يا سلوى.. دكتور جديد، ما يعرفوش من زمان. قال له إن في حاجات جواه مش عارف يشرحها، وإنه حاسس إنه شايل هم وثقل لوحده طول السنين دي. الدكتور قال له كلام ما أعرفش هو إيه بالظبط.. بس من اليوم ده، ومصطفى بيعمل حاجات ما عملهاش من سنين! بقيت ألاقيه يجي يقعد معايا في المطبخ، ويحكيلي على حاجات جواه.. حاجات كنت فاكرة إن ماليش دعوة بيها وما تخصنيش.
بصيت لرنا من شباك المطبخ وهي تلعب في الجاردن الصغيرة قدام العمارة، بتحاول تمسك ورقة شجر شافة لونها مصفر.
أنا فرحانة إنه بيعمل كده والله يا طنط، قلت لها. والكلمة كانت طالعة من قلبي وصادقة جداً. أنا عارفة إن اللي عمله معاكي ما يتصلحش بمغناطيس أو بكلمتين.. وأنا مش بطلب منك أي حاجة والله، أنا بس كنت حابة تبقي عارفة إن الدنيا النهاردة فيها حاجة بتتغير للأحسن.
بعد ما قفلت المكالمة، قعدت على السلم برة. سرحت وفكرت: هو أنا كنت عايزة أقول إيه في أول جلسة؟ كنت عايزة أعرف مين اللي أخد الحبايات الناقصة! كنت عايزة أثبت حاجة وأطلع غلطانه أو صح.. بس النهاردة، المعرفة مابقتش فارقة. عرفت حاجة واحدة بس: إن في راجل شال شيلة وثقل لوحده لسنين طويلة، ولما اتعلم إزاي يبص للجرح ده ويكشفه، الحبايات دي مكنتش ق\ضية حلال وحرام وأخلاق.. دي كانت ق\ضية إنسان مش عارف يتعامل مع ألمه.
في الربيع، كانت رنا بدأت تمشي بثبات وتجري في الممشى بتاع النادي. كانت كملت سنتين تقريباً، تلم الحصى الصغير في كف إيدها وتصرخ بفرحة.
خدتها للحديقة في السنة دي، ومسكت إيدها في كل منزلق وطلعة، وسبتها تروح في المكان اللي هي عايزاه. كانت ملزوقة في دراعي، وبقت خفيفة على قلبي. قعدت هناك في الضل وأنا بقلب في موبايلي، قريت رسالة من زميلتي في المكتبة بتسألني لو ينفع نعمل ورشة قراءة للأطفال والرضع، قلت لها أيوه طبعاً يلا بينا.
وفي طريقنا وأحنا راجعين للعربية، رنا وقفت قدام شجرة كبيرة. مدّت إيدها الصغننة، قطفت ورقة شجر، وكانت عايزة تتأكد من حاجة، ومسكتها جامد.
بصي يا ماما! قالت لي. دي مش حصوة.. دي مش من هنا!
وطيت عندها وبصيت للورقة. كانت ورقة شجر كبيرة، خضرا، وقعة من شجرة على الناحية التانية من الطريق. أخدتها منها بالراحة، وحطيتها في شنطتي وما رميتهاش.
في العربية، وأنا بربط لها حزام الأمان، قعدت تمتم بكلام، وبعدين قالت بصوت واضح:
ماما.. هو أنتِ دايماً بتفضلي زي ما أنتِ كده؟
ضحكت بصوت عالي:
ما أعرفش يا رنا! تقصدي إيه يعني؟
تقصدي تقول كلام، وبعدين تعملي حاجة تانية؟
ضحكت أكتر بيني وبين نفسي، وبعدين جاوبتها:
لا يا حبيبتي.. البني آدمين مش دايماً بيفضلوا زي ما هما، وفي حاجات في حياتنا لازم تتغير وتتعدل.
رنا مالت براسها على مسند الكرسي، وحطت خدها ونامت وهي بتتنفس ببطء. حبيتها من كل قلبي.. في حاجة جوة روحي انقفلت واستريحت وأنا بحبها بالمنظر ده، مش لأني مكنتش بحبها قبل كده، بس لأني بقيت قادرة أحبها من غير خوف إن شغفي يضيع أو أضل طريقي، من غير ما أفكر هل أنا أستاهل أبقى أم ولا لأ، ومن غير ما أسأل نفسي هو ده كفاية في الوقت الحالي ولا مش كفاية.
بقيت قادرة أعيش، وأحب، وأكمل حياتي من غير خوف.
في الصيف، نقلت لشقة صغننة ولطيفة في المعادي. بيت بابا مكنش ضاق بينا ولا حاجة، بس كنت عايزة أفتح باب شقة مفتاحه في إيدي أنا بس. أوضة نوم لرنا، وأوضة ليا، وترابيزة صغننة في المطبخ حطيت عليها مكتبي وكتبي ودفاتري. وعلى الرف اللي فوق سرير رنا، حطيت علبة الدوا الفاضية اللي بعتتهالي الست نادية، جنب كتاب مصور عن الحيوانات.
بابا جه يساعدني في تركيب الرف على الحيطة. وقف مسك الشنيور، ويسألني عايزة الرف فين بالظبط، وأقعد أظبط في المكان يمين وشمال كام سنتيمتر لحد ما اقتنعت وتأكدت.




