
فضلت واقفة وظهري مسنود على الباب، وأنا بسمع صوت نادية من بره وهي بتزعق: “أحمد! إنت واقف كده ليه؟! قول لها تخرج! قول لها إنها مش هتقدر تسيبك كده!”.
صوت أحمد كان واطي ومخنوق: “ماما، كفاية بقى…”.
“كفاية إيه؟! هي اللي طلبت الطلاق! مش إنت!”.
سكت أحمد. وأنا من ورا الباب، لأول مرة، ما حسيتش برغبة إني أخرج أدافع عن نفسي. زمان كنت أول ما أسمع نادية بتتهمني، أخرج أشرح وأبرر وأحاول أثبت إني مش وحشة. كنت بخاف إن سكوتي يتفهم غلط. لكن الليلة دي فهمت حاجة مهمة جدًا. مش كل اتهام محتاج رد. ومش كل شخص مصمم يشوفك مذنب، تقدر تقنعه ببراءتك.
دخلت الحمام، غسلت وشي، وبعدين فتحت الدولاب. بدأت أجهز شنطة صغيرة. مش علشان أهرب. ولا علشان أخرج من البيت في نص الليل. لكن لأنني لأول مرة كنت ببص لحياتي كأنها ملكي أنا. طلعت بدلتين رسميتين. كام قميص. لاب توب الشغل. الملفات الخاصة بالمشروع. وشوية حاجات شخصية.
وبينما كنت بحط حاجاتي، وقعت عيني على صورة قديمة ليا ولأحمد. كانت متعلقة في إطار صغير فوق الكومودينو. يومها كنا واقفين على البحر. أنا كنت بضحك، وهو كان حاطط إيده على كتفي. افتكرت كلامه وقتها: “هنسافر سوا في كل حتة، وأي مكان تروحيه هاجي معاكي”. ابتسمت بسخرية خفيفة.
بعض الوعود مش بتكذب وقت ما بتتقال. لكن أصحابها بيتغيروا. وأحيانًا الإنسان نفسه بيتغير من غير ما يحس. مديت إيدي وشلت الصورة. لكن بدل ما أرميها، حطيتها في درج صغير. مش احتفاظًا بالحب. لكن لأن الماضي جزء من حياتي، حتى لو انتهى.
في الصباح، صحيت قبل المنبه. لبست بدلة رمادية بسيطة، وربطت شعري، وحطيت ملف الطلاق في شنطتي. خرجت من الأوضة. لقيت نادية قاعدة على الكنبة، ووشها منتفخ. أحمد كان واقف عند الشباك. أول ما شافني، بص لي. كانت عينيه مليانة إرهاق. قال: “مريم… لسه ممكن نتراجع”.
رديت بهدوء: “إحنا اتفقنا”. نادية شهقت وقالت: “هو لسه عنده وقت يرجع في كلامه!”. بصيت لها وقلت: “الطلاق كان اقتراحك يا ماما. وأنا وافقت عليه”. سكتت. كانت أول مرة أشوفها مش عارفة ترد.
أحمد مسك الورقة. بص لها فترة طويلة. وبعدين وقع. وقعت أنا بعدها. وفي مكتب المأذون، انتهت خمس سنين من حياتي في دقائق. الغريب إن اللحظة اللي كنت متخيلة إنها هتكون أصعب لحظة في عمري، كانت أهدى مما توقعت.
خرجت من المكتب. وقفت على الرصيف. الجو كان بارد شوية. وأنا لأول مرة من سنين حسيت إن الهواء داخل صدري كامل. رن موبايلي. كان مدير المشروع: “مريم، إحنا مستنيينك في الإدارة. فيه اجتماع عاجل قبل السفر”. قلت: “أنا جاية”. قفلت المكالمة.
وبصيت لأحمد. كان واقف قدام المبنى. قال: “هتسافري إمتى؟”.
“بعد تلات أيام”.
سألني: “وهتروحي لوحدك؟”.
ابتسمت ابتسامة بسيطة: “أنا عمري ما كنت لوحدي يا أحمد. أنا كان عندي نفسي”.
ما ردش. ركبت عربيتي ومشيت. لكن قبل ما أوصل للإدارة، جالي اتصال من موظف الشؤون الإدارية: “يا أستاذة مريم، محتاجين نتأكد من عنوان إقامتك الجديد. السكن الخاص بالمشروع هيكون جاهز لاستقبالك من أول يوم”. قلت: “تمام”.
وبعد لحظة صمت، قال: “وبالمناسبة، تم اعتماد طلب السكن الفردي الخاص بمنصبك الجديد”.
وقفت للحظة. منصبي الجديد؟
أيوة. قرار تعيينك كنائبة للمهندس العام اتعمد رسميًا امبارح.
قفلت المكالمة وأنا حاسة بإن بداية جديدة حقيقية بتستناني.
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”


