روايات وقصص

مرات ابني

حكايات زهرة الربيع

الجزء الثاني الملف البني اللي قلب حياة محمود الحديدي

محمود الحديدي كان واقف في نص مكتبه، ماسك التقرير الطبي بإيد بتترعش رغم محاولته إنه يبان متماسك. قرأ السطور مرة واتنين وتلاتة، وكل مرة كان بيحس إن الكلمات بتتحول قدام عينيه لحروف مش قادر يفهمها.

انخفاض شديد في مؤشرات الخصوبة، مع احتمالات محدودة لحدوث حمل طبيعي، ويوصى بإعادة الفحوصات وإجراء تقييم متخصص.

رفع عينيه ناحية ليلى، اللي كانت واقفة قدامه بهدوء غريب. قال بصوت مخنوق: إنتِ جبتي الورق ده منين؟

ردت من غير ما تتوتر: من المستشفى. إنت كنت عامل التحاليل هناك، وكان المفروض تستلم النتيجة بنفسك. أنا كنت رايحة أستلم نتيجة تحاليل تانية تخصني، ولما عرفت إن التقرير بتاعك جاهز، استلمته.

وفتحتيه؟

لأ. الملف كان مقفول، وأنا ما قريتش حاجة قبل ما أديهولك.

بص للملف، وبعدها بص لها، وكأن عقله بيحاول يلاقي أي حاجة يتمسك بيها علشان يهرب من اللي قراه. إنتِ عارفة معنى الكلام ده؟

أنا مش دكتورة يا محمود. وعشان كده، من أول ما عرفت إن فيه تقرير يخصك، ما حاولتش أفسره. إنت اللي لازم تروح لدكتور متخصص وتفهم منه النتيجة.

قعد محمود على الكرسي ورا المكتب، وحط التقرير قدامه. من ساعة ما عرف إن نادين حامل، وهو كان عايش في حالة من الثقة المطلقة. كان شايف إن كل حاجة في حياته ماشية حسب خطته شركة كبيرة، حسابات مليانة، اسم معروف في السوق، زوجة أولى علاقتها بيه قائمة على اتفاق واضح، وزوجة تانية مستني منها طفل كان متخيل إنه هيكون امتداد لاسمه وثروته. لكن الورقة اللي قدامه فتحت باب أسئلة ما كانش مستعد يواجهها.

قال فجأة: أنا عملت التحاليل دي من فترة، قبل ما أعرف بحمل نادين.

ليلى ما ردتش.

كمل: والدكتور وقتها قال إن فيه شوية مؤشرات محتاجة متابعة، بس أنا كنت مشغول، وما رجعتلوش. ما كنتش متوقع إن النتيجة تكون بالشكل ده.

قالت بهدوء: يبقى دلوقتي عندك سبب أقوى إنك ترجعله.

رفع عينيه لها: إنتِ مش عايزة تسأليني عن حاجة؟

زي إيه؟

عن نادين. عن الحمل. عن أي حاجة.

سكتت ليلى لحظات، وبعدها قالت: أنا مش هحوّل تقرير طبي لسلاح ضد أي حد، ومش هحكم على حمل واحدة من ورقة مش من اختصاصي تفسيرها. اللي يخصني دلوقتي هو قراري أنا، وحقوقي اللي اتفقنا عليها قبل الجواز.

الجملة الأخيرة وجعته أكتر من أي اتهام كان ممكن يسمعه. لأن ليلى ما كانتش بتصرخ، ولا بتترجاه، ولا بتحاول تمنعه من قرار أخده بالفعل. كانت بتتكلم معاه كأنها بتقفل ملف شراكة انتهى وقتها.

محمود اتنهد وقال: إنتِ بتتكلمي كأننا غرب عن بعض.

بصت له ليلى باستغراب خفيف: إنت اللي طلبت الطلاق يا محمود. وقلت إنك عايز تعلن جوازك من نادين قدام العيلة ورجال الأعمال. أنا ما فرضتش عليك القرار ده.

أنا ما قلتش إنك مالكيش قيمة عندي.

قيمتي مش محتاجة إنك تعترف بيها دلوقتي. أنا عارفة أنا مين، وعارفة إيه اللي قدمته في السنين اللي فاتت. وعارفة كمان إن الجواز اللي بدأ باتفاق واضح لازم ينتهي باتفاق واضح، من غير ما حد يظلم التاني.

مد إيده ناحية التقرير، وطبقه بعصبية: أنا هراجع الدكتور.

ده قرارك الطبيعي.

وقبل ما تمشي، وقفت عند الباب وقالت: وفي حاجة تانية يا محمود. نتيجة التحليل دي تخصك، ومش من حقي أتكلم عنها مع حد. أتمنى تحافظ على خصوصيتك، وما تخليش حد يستخدمها لإحراجك أو إحراج أي شخص تاني.

بصلها طويلًا. كان متوقع إنها تسيب المكتب وهي منتصرة، أو إنها تقول كلمة تجرحه، أو إنها تلمح لحمل نادين. لكنها حتى في اللحظة اللي كان فيها أقرب ما يكون للانهيار، ما حاولتش تستغل ضعفه. وده خلاه يحس إنه فقد السيطرة على الموقف أكتر.

خرجت ليلى، وفضل هو لوحده. ولأول مرة من سنين، حس إن الفلوس اللي يقدر يشتري بيها أي حاجة تقريبًا مش قادرة تشتريله إجابة واحدة تطمنه.

في نفس اليوم، اتصل محمود بمركز طبي متخصص، وحجز موعدًا مع استشاري في أمراض الذكورة والخصوبة. ما قالش لنادين كل التفاصيل في التليفون. اكتفى إنه قال لها إن عنده نتيجة تحليل محتاجة مراجعة، وإنه هيروح للدكتور. لكن نادين لاحظت التغيير في صوته.

من أول ما عرفته، كانت شايفاه رجل ما بيترددش. لو عنده مشكلة في الشركة، بيستدعي المديرين ويحلها. لو صفقة اتعطلت، بيكلم صاحبها ويضغط لحد ما يوصل لحل. ولو حد حاول يفرض عليه شروط، كان بيقلب الترابيزة قبل ما يسمح له يفرض أي حاجة. إنما المرة دي، كان فيه شيء مش قادر يتحكم فيه.

ولما وصل البيت بالليل، لقاها قاعدة في الصالة، قدامها كوب عصير بارد ودفتر صغير بتكتب فيه مواعيد المتابعة الطبية. رفعت رأسها أول ما شافته: إنت كويس؟

حط مفاتيحه على الترابيزة: مش عارف.

كانت دي أول مرة تسمعه يعترف إنه مش عارف. قربت منه وقالت: حصل إيه؟

طلع التقرير من جيبه، وحطه قدامها. قرأت العنوان، وبعدها بصت له من غير ما تكمل التفاصيل: دي نتيجتك؟

هز رأسه.

الدكتور قالك إيه؟

لسه ما رحتلوش. دي النتيجة الأولى، وهعيد التحاليل وأعرضها على متخصص.

نادين سحبت نفسًا ببطء، وحطت التقرير على الترابيزة: طيب، لما تروح للدكتور هنعرف.

كان ردها هادي، لكن عينيها كان فيها قلق واضح. محمود لاحظ ده، فقال: إنتِ خايفة؟

طبيعي أخاف. أنا حامل، وبفكر في الطفل وفي صحتك وفي كل حاجة جاية. بس الخوف مش هيخلينا نفهم النتيجة أسرع.

قعد جنبها، وسكت فترة. وبعدين قال: في حاجة لازم تعرفيها. ليلى هي اللي سلمتني التقرير.

نادين اتفاجئت: ليلى؟

أيوه. كانت في المستشفى، والنتيجة كانت جاهزة، فاستلمتها وادتهالي.

نادين بصت له بتردد: وهي قالت إيه؟

قالتلي أراجع متخصص، وإنها مش هتفسر حاجة مش من اختصاصها.

فضلت نادين ساكتة، وبعدها قالت: على الأقل ما حاولتش تستغل الموضوع علشان تضغط عليك.

محمود لف ناحيتها بسرعة: إنتِ بتدافعي عنها؟

ردت بهدوء: أنا بوصف اللي حصل. مش لازم أكرهها علشان أنا مراتك. هي كان ليها مكان في حياتك، وليها حقوق لازم تتصان، وأنا كمان ليا حقوقي. وجودي في حياتك مش معناه إننا لازم نحول كل حاجة لمنافسة.

كلامها خلاه يسكت. كان قد اعتاد أن يرى العلاقات من زاوية المكسب والخسارة، وأن يظن أن كل شخص يحاول الحصول على أكبر قدر ممكن من مصالحه. لكن نادين، رغم قلقها، ما طلبتش منه يهاجم ليلى أو يثبت إنها غلطانة.

قالت وهي بتقوم من مكانها: لما تعرف النتيجة النهائية، قولي. وأنا هكون معاك في أي خطوة طبية محتاج تعملها.

بعد يومين، دخل محمود عيادة الدكتور سامح، استشاري أمراض الذكورة والخصوبة. كان معاه كل التحاليل القديمة، والتقرير اللي استلمته ليلى، ونتيجة فحص جديد طلبه المركز. الدكتور راجع الأوراق واحدة واحدة، وسأله عن تاريخه الصحي، والأدوية اللي استخدمها، وأي مشكلات سابقة ممكن تكون أثرت على النتائج.

السابق1 من 5
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى