
انتصار حست إن الأرض بتلف بيها، وجريت بسرعة خطفت بنتها من قدام الأوضة قبل ما تنطق بكلمة، وهي بتزعق بصوت مهزوز ومرعوب:
— دخولك جوه يا بت! إنتي إيه اللي منيمك للوقت ده؟ اطلعي على أودتك حالا!
بس حماتهم مكنش هيمشي معاها الحركات دي. مسكت دراع انتصار بقسوة ونزلتها لتحت، وقالت بصوت جحيمي هز جدران البيت كله:
— اقفي مكانك! اوعي تحاولي تخبي حاجة.. أنطقي يا بت، البت دي كدابة ولا صادقة؟ وانتي يا انتصار كل طبخة تطلعي لمين؟ تعاليلي بقى، ده أنا هجيب ديب البيت وأعرف كل حاجة!
حماتي مكنش يفوتها حاجة، وبمجرد ما شافت ارتعاش عيون انتصار وتأتأتها، عرفت لوحدها إن البلاوي كلها تحت رأس سلفتها. كملت حماتي كلامها بنبرة صارمة:
— قسمتي اللحمة ووزعتيها على بيت أمك من ورا ضهري يا انتصار؟ ده أنا اللي بجيب الجنيه بالعافية! أنا هعرف أتصرف معاكي ومع أمك!
انتصار انهارت، ووجها بقى أصفر تماماً، وبدأت تعيط وتترجي حماتها:
— والله العظيم يا حماتي كنت بدوق بس.. والله ما طلعت حاجة لأمي.. خديجة هي اللي بتتبلى عليا عشان أنا كشفتها وهي بتسرق الطبق!
هنا بقى، خديجة دخلت بضربة القاضية. بهدوء شديد، وقفت قدام حماتها وقالت:
— يا ماما، لو مش مصدقاني، تعالي ندخل المطبخ.. الكاميرا أو حلة اللحمة نفسها شاهدة. اللحمة اللي بتختفي كل مرة دي بتروح فين؟ أنا عمري ما أخدت طبق ولا طلعت حاجة فوق، ولو تحبي تفتشي شقتي دلوقتي حالا، أنا جاهزة!
حماتي بصت لانتصار نظرة أخيرة حاسمة، وقالت بصوت مسموع:
— قدامي على المطبخ إنتي وهي! وحياة أصلك يا انتصار لو لقيت كلام خديجة صح، لأكون مفهمة جوزك إزاي تمدي إيدك على لقمة عيال أخوه!
انتصار حست إن الخطة اتقلبطت عليها تماماً، وإنها بدل ما توقع خديجة في شر أعمالها، غرست رجلها هي في الطين للودنين.
ترى، ماذا ستكشف جولة التفتيش في المطبخ، وكيف سيكون عقاب حماتهم لانتصار بعد هذه الفضيحة؟
دخلت حماتهم المطبخ ووراها خديجة، وانتصار اللي كانت ماشية كأنها رايحة لحبل المشنقة، رجليها مش شايلتها وعينيها تايهة من الخوف والرعب.
فتشت حماتي درف المطبخ كلها، وفتحت التلاجة، وطلعت الحلة وبصت فيها كويس. وطبعاً ما لقيتش أي أثر لأطباق مخبية أو لحمة مسروقة تخص خديجة، لأن خديجة أصلاً عمرها ما عملت كده ولا فكرت تمد إيدها على لقمة غيرها.
وفي اللحظة دي، حماتي التفتت لانتصار، وعيونها كانت بتطلع شرار، ورفعت سبابتها في وشها وقالت بصوت مجلجل:
— فين بقى الأطباق اللي خديجة بتطلعها يا هانم؟! فين اللحمة اللي بتقولي إنها بتديلها لبنتها؟! أدي المطبخ قدامك وشقتي مفتوحة، مفيش حاجة! إنتي كدابة وفجرانة.. وفوق كدبك ده كله، كشفتي عيوب بيتي وبتتبلي على سلفَتْك اللي ساكتة ومؤدبة!
انتصار مبقتش عارفة تنطق حرف واحد، ووقفت تعيط بانهيار وتقول بصوت مهزوز:
— أنا.. أنا كنت بهزر يا حماتي.. والله العظيم كنت بتهزّر!
— بتهزري في أكل العيال وفي لقمة ناشفة بطلعها بعرق جبيني وجبين الرجالة؟! ده انتي لسانك ده عايز قطعه!
قالتها حماتي بغضب أعمى، وكملت بصوت قوي:
— وحياة ربنا ما أنا معديها بالساهل.. أنا هخلي جوزك يشرف ويشوف عمايلك السودة، وكمان هعرف أمك إزاي بنتها بتدخل بيتي وتسرق وتفتن!
خديجة وقفت ساكتة، ما قالتش كلمة زيادة، ولا شامتت في انتصار، لأنها كانت عارفة إن السكوت والوقوف في صف الحق هو أقوى سلاح، وإن الظلم دايماً ليه نهاية.
في الوقت ده، دخلوا الرجالة من الشغل، وجوز انتصار وجوز خديجة استغربوا حالة الصخب والعياط اللي مالية البيت. حماتي ما استنتش ولا سكتت، وقفت قدامهم كلهم وقالت بصوت عالي:
— تعالوا اسمعوا مرات جوزك يا ابني عملت إيه.. سرقة وعين زايغة وكمان فتنة ووقيعة بين السلايف!
اتحكت القصة كلها للرجالة، وجوز انتصار اتكسف جداً من مراته، واعتذر لخديجة ولأمه قدام الكل، وجر انتصار وأخدها شقتهم وهي بتعيط وتلطم على فضحيتها اللي عملتها بإيدها، ومن يومها، انتصار اتلمت وبقت تحترم نفسها وتبعد عن الشر، وتعلمت كويس إن المكر والحفر للناس بيلف ويرجع لصاحبه.
أما خديجة، فحمت بيتها بكل هدوء وذكاء، وحماتهم بقت تحترمها وتقدر صبرها، وبقى بيت العيلة أهدى وأطهر من الأول بكتير، ورجعت القعدة واللقمة ليها طعمها الحلو تاني.
بعد اليوم ده، الحال في بيت العيلة اتغير تماماً. انتصار أخدت درس عمرها ما هنساه؛ مبقتش تقرب من حلة اللحمة أصلاً، وبقت تدخل المطبخ عيونها في الأرض، تخاف تبص حتى في وش خديجة من كتر الكسفة والفضيحة اللي عملتها لنفسها. وجوزها فضل مقاطعها فترة لحد ما صالحه الكبار، وبقت ماشية جنب الحيط.
لكن الأهم من ده كله، هو العلاقة اللي اتلفت بين خديجة وحماتها…
حماتي، اللي كانت معروفة بقسوتها وإنها بتعد حبات الرز، بدأت تشوف خديجة بعين تانية خالص. بقت تحس إن خديجة دي هي العقل والستر والبراح للبيت كله، مش مجرد سلفة وخلاص.
في يوم من الأيام، بعد ما الغدا خلص والكل طلع شقته، لقيت خديجة خبطة خفيفة على بابها. فتحت باستغراب، لقت حماتها واقفة وبإيدها طبق صغير مغطى بفوطة نظيفة، ومرسوم على وشها ابتسامة غريبة، فيها شوية كسوف مع محبة واضحة.
— تعالي يا خديجة.. اقعدي معايا شوية، ولا إنتي مش فاضية؟
خديجة اتفاجئت بس رحبت بيها بحب وقالت: ده أنا ما صدقت أخلص اللي ورايا، تعالي يا ماما، البيت نَوَّر.
دخلت حماتي وقعدت في الصالة، وفتحت الطبق، وقالت بصوت هادئ وخالي تماماً من الشدة اللي متعودين عليها:
— بصي يا بنتي.. أنا ست عشت عمري كله بربي عيال وأدير البيت ده بأسناني، وكنت فاكرة إن الشدة والناشفة هما اللي هيخلوا البيت ماشي على المسطرة. بس في يومين تلاتة، إنتي علمتيني درس عمري ما أنساه.


