عام

بقلم نرمين عادل همام

ارق حاول يغير مسار الحديث ويلعب على وتر العاطفة:

– «يعني إيه يا ندى؟ عاوزة تقولي إنك مستعدة تضحي بعلاقتنا وجوازنا كله عشان بيت وأرض؟ عاوزة الناس في الشارع والمنطقة تقول إنك طردتي أهل جوزك من بيتك ومسحتي بيهم الأرض؟!»

ضحكت بصوت مر وفيه وجع، وقُلت:

– «الناس اللي تعرف الحقيقة والأصول مش هتقول كده يا طارق! الناس هتقول إنكم جيتوا تاخدوا حاجة مش بتاعكم ورخاص، وإنكم نسيتوا إن لي كرامة وحقوق وأصل. وعلاقتنا مش هتضيع عشان البيت.. هي هتضيع عشانك أنت! عشانك خنت الثقة اللي كنت واثقة فيك فيها، عشانك كنت شايفني مجرد وسيلة وسلّم توصل بيه للي أنت وعيلتك عاوزينه، مش شريكة حياة وبنت أصول!»

سكت شوية، وبصيت لكل واحد فيهم واحد بواحد وبثبات:

– «اسمعوني كويس كلكم.. البيت ده بتاعي أنا بالقانون وشرع ربنا. من حق طارق يعيش معايا هنا كزوج ليا، بس ده بشرط يحترم رغباتي، ويحترم البيت، ومش يجي أي حد يقعد معانا إلا لو أنا وافقت بكامل رضاي وأصولي. ولا حماتي ولا حمايا ولا إبراهيم ولا هدى ولا أي حد منكم ليه أي حق سكن هنا، إلا زيارة كأهل وضيوف على راسي، مش سكن دائم واستنزاف! ولا تحاولوا تضغطوا عليا ولا تهددوني، لأن عندي كل الحقوق قانونياً، ولو حاولتم تدخلوا البيت أو تقعدوا فيه من غير إذني، هبلغ البوليس فوراً وهعملكم محضر اقتحام ملكية خاصة وتعدي!»

إبراهيم قال بغضب وعروقه ناطة:

– «وأنتِ فاكرة إن طارق هيرضى بالكلام ده وهيسكت لك؟! هو جوزك، وله كلمة راجل في البيت ده!»

رديت بسرعة وشموخ:

– «كلمته هنا بقدر كلمتي بالظبط لما يكون الحق معاه والأصول حاضرة. ولما يكون الحق معايا والقانون في إيدي، فكلمتي هي اللي تمشي وتنفذ. ولو هو شايف إن كلامي غلط وحقي افتراء، فده شأنه وقراره، بس مش هيرغمني على حاجة أنا مش عاوزاها ولا أقبلها على نفسي وشقا أمي!»

لأول مرة في حياتي، شفت في عين طارق إنه بدأ يفهم ويستوعب إن مش هينفع يضغط عليا ولا يكسرني، وإن كل اللي كان بيخطط له مع أهله من ورايا مش هينجح أبداً. بص لأهله، ولما شاف نظراتهم المستنية منه موقف راجل، اتنهد بثقل ووشه في الأرض وقال بصوت تعبان ومكسور:

«خلاص يا جماعة.. ندى عندها حق من الناحية القانونية، والبيت بتاعها فعلاً ومش ينفع نعمل حاجة من غير رضاها وأمرها.. يلا نرجع البيت دلوقتي، ونفكر في الموضوع ده بعدين.»

 

حماتي صفية حاولت تعترض وتصوّت:

– «يعني إيه يا طارق؟! هنرجع ونقفل الباب ونخسر ونسيب البيت ده كله ليها لوحدها؟!»

قالها بحدة وشديد عمرها ما شافتها منه قبل كده:

– «قلت كفاية يا ماما! إحنا كنا غلطانين، ومش ينفع نكمل في المهزلة دي. يلا بينا نمشي من هنا بكفايانا!»

بدأت تجمع أغراضها وشبشبها بغضب وغل، وهدى نزلت ابنها من فوق الكنبة، وسحبت إيده وهو بيعيط ويزعق عشان عاوز يلعب، وإبراهيم ومراته سارعوا وراهم، وكل واحد كان بيطلع نظرة غاضبة أو محرجة ليا، ولا حد فيهم تجرأ يقول لي كلمة ولا سلام ولا حتى يبص في عيني.

لما مشوا، وفضلت أنا وطارق لوحدينا في البيت الكبير، ساد صمت طويل جداً، كنا بنسمع فيه صوت العربيات بتاعتهم وهي بتبعد وتغيب في الشارع، وبعدها صوت العصافير الهادي في الجنينة الخلفية.

كنت واقفة مكاني في نص الصالة، ماسكة الملف البيج بقوة، وقلبي كان بيدق بسرعة.. مش عارفة أنا فرحانة إني حافظت على حقي وشقا أمي، ولا حزينة عشان الحالة والوضع اللي وصلنا ليه أنا وطارق.

طارق جلس على أول درجة في السلم الداخلي، ودفع رأسه بين كفيه، وقال بصوت ضعيف يقطر ندماً:

– «أنا آسف يا ندى.. كنت غلطان، وكنت أناني، وكنت فاكر إنك هتتقبلي الأمر وتعديها عشان خاطري وعشان خاطر أهلي. ما كنتش أتخيل إن الموضوع يوصل للدرجة دي، وإنك تشوفي طمعنا وندالتنا بالشكل ده.»

قربت منه شوية، بس ما قعدتش جنبه، وقلت بصوت هادي ورصين:

– «المشكلة مش إنك عاوز أهلك يعيشوا معانا يا طارق.. المشكلة إنك ما سألتنيش، وإنك شفت البيت بتاعي وشقا أمي كأنه ميراث ليك غنيمة، وإنك تعاملت معايا كأني مش موجودة أساساً.. كأني مجرد صاحبة المفاتيح اللي هتفتح لكم الباب وبس وتطلع برة الحسبة! أمي حذرتني من كده زمان، قالت لي الناس لما تشوف عندك حاجة حلوة، بتنسى كل الحب والعلاقات، وبتشوف بس الحاجة اللي عاوزين ياخدوها. وصدقت كلامها للأسف.»

رفع رأسه وبص لي، وعينيه كانت مليانة دموع:

«أنا ما كنتش بكرهك ولا قاصد أستغلك يا ندى.. بس أهلي قالولي إن البيت كبير ومش هتعرفي تخدميه وتراعيه لوحدك، وإن وجودهم هيساعدك، وإنك هتتضايقي وتعملي مشكلة لو قلت لك قبلها، عشان كده خبيت عليكي لحد ما نجهز كل حاجة وتتحطي قدام الأمر الواقع. كان لازم أكون أذكى من كده، وأفهم إن دي حاجة تخصك أنتِ أولاً وأخيراً وأنك صاحبة البيت.»

سكت شوية، ثم أكمل وهو بيبص لي بترجي:

– «أنا مستعد أتعوض عن غلطتي دي وأعمل أي حاجة. كل حاجة في البيت هنختارها سوا، الأوض اللي هنقعد فيها، والأثاث اللي هنحطه، ومش هدخل أي حد من أهلي إلا لو أنتِ وافقتِ بكامل رضاكِ، ومش هضغط عليكِ أبدًا. وعد مني، من النهاردة كل قرار في البيت ده هناخده سوا، زي ما المفروض يكون بين الزوجين بجد.»

بصيت له طويلًا.. كنت عاوزة أصدقه، بس الجرح كان لسه جديد وبيوجع، والندالة اللي شفتها منه كانت صعبة تتنسى بسرعة. قلت له:

– «أنا مش عارفة أصدقك دلوقتي يا طارق.. الغلط اللي عملته كبير، والثقة فيك اتهزت كتير. ممكن نبدأ من جديد، بس ببطء شديد، وعليك تثبت لي إنك تستاهل الثقة دي تاني. أول خطوة هنقعد سوا نرتب البيت زي ما أنا عاوزة بالظبط؛ الأوضة الرئيسية الماستر لينا، والمكتب هنخليه مكتب وشغل مش أوضة نوم، والغرف التانية نستخدمها لضيوف أو أي حاجة تانية، بس مش لسكن دائم لحد! وتاني خطوة تكلّم أهلك وتقولهم الحقيقة بكل وضوح من غير لف ولا دوران، وتقولهم إنهم غلطانين، وإن البيت بتاعي، ومش هينفعهم أي حاجة إلا بالطريقة الصحيحة واللي ترضيني وتصون كرامتي.»

هز رأسه بسرعة وبلهفة:

– «حاضر، كل اللي عاوزاه هعمله.. هتصل بيهم النهاردة وأقولهم كل حاجة، ولن أسمح لهم بالتدخل في شئوننا ولا في البيت ده أبدًا.»

بعدها بدأنا نرتب البيت مع بعضنا.. شلنا البلاستيك من على الأثاث اللي أمي اشتريته بذوقها العالي اللي عرفته، واخترنا مع بعض الألوان للستائر والدهانات اللي كانت محتاجة تتغير، وزرعنا مع بعض ورود وريحان في الجنينة الخلفية زي ما كانت بتحب أمي الله يرحمها.

مرت الأيام، واتضح إن طارق كان صادق في كلامه وتغيّر فعلاً؛ اتكلّم مع أهله ووضح لهم كل حاجة وقفل الباب، وابتدوا يفهموا غلطهم بالتدريج، خصوصًا لما شافوا إننا فعلًا عايشين سوا براحتنا وبأصولنا، وإننا بنزورهم باستمرار وبنودهم، وبندعوهم للزيارة في البيت من وقت للتاني، فشعروا إنهم مش منبوذين، بس ما لهمش أي حق في الملكية ولا فرض السيطرة.

4 من 4التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى