
رفعت الورقة الأولى فوق عشان كلهم يقرأوا الكلام المكتوب بخط المحامي الواضح، والختم الحكومي النسر اللي في الزاوية بيلمع تحت ضوء الشمس اللي داخل من شباك الصالة.
فيها نص صريح وقاطع:
كل ما تملكه السيدة فاطمة، منقول وغير منقول، من بيت أو فلوس أو أوراق، كله يؤول لابنتها الوحيدة ندى بيع وشراء ، بالكامل وبلا أي شريك، ولا يحق لأي أحد غيرها التصرف فيه، ولا يملك أي حق فيه، سواء كان زوجاً أو أقارب زوج أو أي شخص آخر، إلا بإذنها الصريح والكتابي لانه ملكية خالصة لها .
سكتة تقيلة وصعبة سادت المكان كله. حماتي صفية كانت بتبص على الورقة والختم كأنها مش مصدقة عينيها، وإبراهيم فتح بؤه بذهول، وهدى كانت بتقل عينيها بيني وبين طارق كأنها مستنية إيه اللي هيقوله عشان يرد عليا ويسترد كرامته!
أما طارق، فكان واقف مكانه متجمد زي الصنم، عينيه متثبتة على الختم النسر، وشفايفه بتتحرك من غير صوت وهو بيقرأ الكلام، ووشه بيتحول لون لون من الغضب والصدمة والكسرة مع بعض!
فجأة صرخت حماتي صفية بصوت عالي وهزت الصالة:
– «كلام فاضي وهري! ده بيت ابني وحلاله! أنتِ متجوزة منه وفي عصمته، فكل حاجة ليكي هي ليه في الآخر! وإحنا أهله وناسه، ومن حقنا نعيش معاه في العز ده ونوضع إيدنا!»
هزيت رأسي بهدوء ثلجي، وطلعت ورقة تانية من الملف البيج، اللي كانت عبارة عن نسخة من عقد التبرع والهبة اللي عملته أمي قبل ما تموت بثلاث أشهر، قبل ما تمرض مرضتها الأخيرة:
– «أمي كانت عارفة ومفكرة إن ممكن يحصل كده بالظبط.. فقبل ما تكتب الوصية، وقعت عقد رسمي بالبيت ليا شخصياً في الشهر العقاري، من غير ما يكون له أي علاقة بالجوازة دي بأي شكل من الأشكال! يعني حتى لو حصل أي حاجة بيني وبين طارق، البيت ده ليا أنا وبس، ولا طارق ولا أي حد من عيلته ليه فيه ولا سنتيمتر واحد ولا حتى قلامة ظفر! انتوا بجد ناس غريبة الورث ورثي من امي وعاوزين تشاركوا فيه»
إبراهيم أخوه اتدخل بلهجة عدوانية ووشه أحمر من الغل:
– «مالناش دعوة بمحاكم هو العرف كدا قال مالك هو مال جوزك واهله كمان وازا كان عجبك !»
طارق كان بيبص لي بنظرة عمري ما شفتها في عينيه من يوم ما اتجوزته.. نظرة غريبة مزيج من الغضب والخوف والندم والكسرة، أو يمكن كله غضب وغل عشان خطته النذلة مشيتش زي ما كان متوقع ورتب مع أهله!
قرب مني طارق خطوة، وقال بصوت واطي ومكسور عشان بقية أهله ما يسمعوش:
– «ندى، تعالى نروح نتكلم في مكان تاني، بلاش الفضيحة دي قدام الناس والشارع، ونعرف نتفاهم بالعقل.. كل حاجة بتتحل بالهدوء.»
رديت عليه بنفس البرود والهدوء اللي كان بيزودهم غيظ ونار:
– «إحنا لازم نتكلم، بس مش في سر ولا ورا الكواليس.. كل كلمة هتتقال هنا قدام الكل، عشان محدش يفهم غلط بعد كده! لو كنت عاوز تتفاهم وتتكلم من الأول، كنت جيت سألتني وقدرتني قبل ما تجيب أهلك كلهم وتقسم البيت كأنه بتاعك وورثك! كنت قلت لي: يا ندى، أهلي عاوزين يعيشوا معانا في البيت الجديد، إيه رأيك؟ وقتها كنا نقدر نتفاهم ونشوف الأمور. بس اللي عملته ده مش تفاهم ولا أصول.. دي سرقة بالعلن واستغفال!»
حماتي صفية قعدت على حافة السرير في الأوضة الماستر، وبدأت تعيط بصوت عالي وهمي وتمثل:
– «يا عيني على بختك يا ابني اللي اتجوز واحدة قاسية كده! تمنع أهله وناسه من العيشة معاه؟! ده إحنا تعبانين وكبرنا، ومش لاقيين مكان نروح له وساترينا الأيام، وإحنا كنا فاكرين إننا هنعيش معاكم في راحة ونرتاح في كبرنا!»
رفعت حاجبي بتعجب واستنكار وقُلت لها:
– «بيتكم القديم اللي بتتكلمي عنه ده.. شقة تمليك أربع أوض وصالة كبار وحمامين ومطبخ، ومساحتها تعدي المية وخمسين متر، واشتريتوها من خمس سنين بفلوس كتير، ومش فيها أي مشكلة إدارية ولا مباني غير إنكم عاوزين مكان أكبر وأفخم وببلاش على حساب شقا أمي! وجاية تقولي لي مش لاقيين مكان تروحوا له؟!»
ده كان سر عرفته من صديقة قديمة ليا كانت شغال في مصلحة الشهر العقاري، وقلت لنفسي ساعتها إني ممكن أحتاجه في يوم من الأيام، وها أنا استخدمته في وقته المضبوط. أول ما سمعت كلامي، حماتي اتخرست وتوقفت عن العياط فجأة، ووشها أحمر من الحرج والكذب اللي اتكشف، وإبراهيم أخو طارق بصلها بعتاب، وهدى أخته كانت بتلعب في أصابعها عشان تتهرب من النظرات الصعبة.
أكملت كلامي بثبات هز الأوضة:
– «وبعدين، ليه مفيش حد فكر يسألني أنا عاوزة إيه؟ ده بيتي أنا.. اللي دفعت فيه أمي عمرها كله، تعبت وشقت وحرمت نفسها من كل حاجة عشان تسيبه لي أتسند بيه، عشان أعيش فيه أنا وجوزي وأولادي لو ربنا رزقنا، مش عشان يكون فندق ببلاش لعيلتك كلها يا طارق! كنت متوقع إني أفتح إيدي وأقولكم خدوا كل حاجة وشيلوني من الحسبة، وتنسوا إني أنا اللي دفعت التمن من دمي وعرق أمي؟!»




