
اليوم اللي دفنت فيه ابني الي لسه 4 سنين، جوزي ما كذبش خبر، وطردني من البيت عشان يدخل مكاني الحامل. كان فاكرني خلاص انتهيت ومش هقدر أرفع عيني، وإن الانهيار اللي أنا فيه هيخليني أستسلم بسهولة. خرجت في سكات وورق ملكية البيت ف ايدي . وتاني يوم الصبح، اتكشفت اللعبة وعرفت سر استعجاله : وان فيه حد قدم طلب قرض بـ 10مليون جنيه ، ومستخدم بيتي، وبطاقتي… وتوقيع مستحيل أكون أنا اللي وقعته!
كنت لسه راجعة من دفن ابني الصغير، وواقفة تايهة، لما بص لي جوزي بكل برود وقال:
—بطلي نواح وعياط.. قدامك يومين بالكتير تلمي شنطك وتخرجي من بيتي.
لثواني حسيت إني مش سامعة كويس، أو إني في كابوس.
لحد دلوقتي لابسة الأسود، وهدومي لسه مليان بتراب المقابر، وعيني مش شايفه ومش قادرة أفتكر حتى طريق البيت.
على ترابيزة المطبخ، مكان اكل ابني . وجنب الحوض، الكوباية البلاستيك الزرقا اللي “ابني” كان بيشرب فيها العصير كل يوم الصبح. ابني اللي ما كملش أربع سنين.. وقبلها بتلات ساعات بس، كنت شايفة الناس وهما بينزلوا نعشه الصغير في القبر.
—قلت إيه يا حسام ؟
عقد دراعه وبص لي من فوق لتحت، ولا كأن جواه نقطة حزن أو وجع:
—قلت قدامك يومين يا كارم، كفاية قوي تلمي حاجتك.
—وأروح فين يعني؟
هز كتافه ببرود ولا كأنه يعنيه:
—مشكلتك.. دبرّي نفسك.
حسيت إن فيه حاجة اتكسرت جوه صدري واتدشدشت، بس اللي جاي كان أسوأ بكتير:
—شيماء حامل.
رفعت عيني ببطء.. شيماء؟ صحبتي من أيام الجامعة؟ الست اللي قعدت معايا ليالي طويلة في المستشفى وعنينا دبلانة وابني بيضعف كل يوم من التعب ؟ دي نفسها اللي حضنتني من كام ساعة قدام القبر وهمست في ودني: “مش هسيبك لوحدك أبداً”؟
حسيت برغبة شديدة في الترجيع.
—مين أبو الواد ده؟
رسم ابتسامة صفراء على شفايفه وقال:
—أنا.
معيطش عياط، ولا صرخت، ولا كسرت حاجة. بس عينيا راحت على رسمة ديناصور أخضر كان ابني لازقها على الثلاجة بلزق أزرق قبل ما يدخل المستشفى بشهر.
—جات لي فرصة تانية عشان أكون أب.. بعد كل اللي حصل مع ابننا، بحس إن الحياة بتديني بداية جديدة.
“كل اللي حصل”.. بكل بساطة اختصر موت ابننا!
طلعت السلم خطوة بخطوة في سكات تام. دخلت أوضة ابننا وقفلت الباب وراي. سريره مرتب، عربية المطافي الحمرا مكانها جنب النافذة، وعلى المخدة، الديناصور بتاعه نايم في هدوء.
وهناك.. اتهديت بالكامل. قعدت على السرير وعيطت لحد ما روحي طلعت.
ولما قدرت أخد نفسي شوية، طلعت شنطة السفر. حطيت فيها هدومي، أوراقي الشخصية، باسبوري، البطاقة، تقارير الدكتور، وصورة ابننا وهو بيطفي شمع عيد ميلاده الرابع. وفي الآخر، حطيت الديناصور بتاعه بحرص بين هدومي.
الساعة تسعة بالليل، نزلت ومعي الشنطة. حسام كان قاعد بيتفرج على الماتش.
#الكاتب_علي_ابوالدهب
—ماشية دلوقتي؟
—آه.
—أحسن.. كده أريح للكل.
مردتش عليه، وطلعت ركبت عربيتي لحد ما وصلت لفندق صغير قريب من وسط البلد. أول ما دخلت الغرفة، حطيت صوة ابني على الكومودينو:
—وحشتني قوي يا بني.
فتحت الشنطة عشان أطلع تغيير، إيدي خبطت في ملف تقيل كنت شايلاه من كام أسبوع وأنا بنظم ورق المستشفى. فتحته، ولقيت جوّاه أصل عقد ملكية البيت!
البيت ده اشتريته قبل ما أعرف حسام ب6سنين، بميراث سابته لي جدتي. بصيت على اسم المالك.. كارم السيد غنيم .
وحدي وبس. إحنا اتجوزنا أصلًا ف بيتي ، يعني البيت ده مش ملكه ولا يوم كان ملكه.
قرأت العقد تاني.. وفجأة نزل عليّ الإلهام.
وأنا في المستشفى مع ابننا، حسام كان كل شوية يسألني بخبث عن مكان ورق البيت، الأوراق الضريبية، وصورة بطاقتي. وقتها كنت في عالم تاني ومخدتش بالي.. لكن دلوقتي؟ كل حاجة اتوضحت!
تاني يوم الصبح، كلمت ساره، المحامية اللي مسكت تركة جدتي، واتقابلنا في مكتبها. بصت في العقد واتفاقية الجواز، وبعدين رفعت راسها وقالتلي بجدية:
—كارم، لازم أسألك سؤال.. هل طلبتِ مؤخرا قرض بضمان البيت ده؟
حسيت اتجمد في عروقي:
—لأ.. مستحيل!



