
خارج البلاد.
لكن قبل ما ينتهي التحقيق، حصلت مفاجأة محدش كان متوقعها.
السر الأخير في علبة الأحذية
بعد القبض على فيكتور بيومين، رجعت القصر.
كنت قاعد في المكتبة لما ليلى دخلت، شايلة نفس علبة الأحذية القديمة.
قالت
عمو دانتي، أنا لقيت حاجة كمان.
ابتسمت وقلت
إيه يا بطلة؟
فتحت العلبة وطلعت رسمة قديمة جدًا، كانت مرسومة على ظهر ورقة ممزقة.
فيها راجل واقف جنب عربية، وفي إيده مفتاح، وجنبه راجل تاني واقع على الأرض.
بصيت للرسمة وسألتها
دي مين؟
قالت
دي الرسمة اللي رسمتها يوم ما كنت بلعب في الجنينة، قبل ما بابا وماما يتجوزوا.
وقفت عند كلمة بابا.
بابا؟
هزت راسها.
أيوه. ماما قالتلي إن بابا مات في حادثة الميناء. بس أنا فاكرة إن الراجل اللي كان معاه المفتاح هو نفس الراجل اللي شوفته في بيتنا زمان.
إلينا كانت واقفة عند الباب، وأول ما سمعت كلام بنتها، وشها شحب.
قربت منها وقلت
إلينا، فيه حاجة إنتِ مخبياها؟
بدأت تعيط وقالت
أنا عمري ما حبيت أفتح الموضوع ده يا بيه. جوزي مكنش عامل في الميناء زي ما الناس فاكرة. كان مسؤول عن مراجعة الحسابات والشحنات. وقبل ما يموت بيومين، قال لي إنه اكتشف تلاعب كبير، وإن فيه ناس بتستخدم الميناء لتهريب حاجات ممنوعة.
سكتت شوية وكملت
قال لي لو حصله حاجة، أدور على صندوق صغير كان مخبيه عند أخوه. لكن بعد وفاته، أخوه اختفى، وأنا كنت حامل، وبعدها فقدت الجنين. ومن يومها خفت أتكلم.
بصيتلها بذهول.
إنتِ بتقولي إن جوزك كان عنده دليل على فيكتور؟
هزت راسها.
مش عارفة. بس كان دايمًا بيقول إن الراجل اللي بيبتسم في وشك ممكن يكون أخطر واحد عليك.
طلبت من ماركو يبدأ يدور على الصندوق.
وبعد يوم كامل من البحث، لقيناه في مخزن قديم تابع لشقيق زوج إلينا.
كان جواه دفتر حسابات، وصور، ونسخة من تسجيل صوتي.
شغلنا التسجيل.
وكان صوت والد إلينا واضح
لو التسجيل ده وصل لحد، يبقى أنا غالبًا مت. فيكتور رومانو هو المسؤول عن شبكة التهريب، وهو اللي أمر بتدبير الحادثة اللي مات فيها أليساندرو. معايا إثباتات كاملة، وناوي أسلمها للسلطات.
وقفت التسجيل.
كل الخيوط اتجمعت أخيرًا.
جوز إلينا كان اكتشف الجريمة، فتم التخلص منه، لكن الأدلة اللي جمعها فضلت مستخبية لحد ما بنته الصغيرة ظهرت في حياتي.
والأغرب إن إلينا نفسها مكنتش تعرف إن زوجها ترك وراءه الدليل اللي ممكن ينهي إمبراطورية فيكتور.
ساعتها فهمت إن ليلى ما أنقذتش حياتي بس.
هي كمان ساعدت في كشف الحقيقة اللي عيلتين اتدمروا بسببها.
بعد ستة شهور قرار غيّر حياة الجميع
مرت ستة شهور.
فيكتور اتحاكم، واتحكم عليه بالسجن المؤبد بعد ثبوت تورطه في جرائم قتل ومحاولات اغتيال وفساد مالي.
وإدوارد اعترف بكل حاجة مقابل تخفيف العقوبة، وكشف أسماء باقي المتورطين.
أما أنا، فقررت أعمل حاجة عمر أبويا ما كانش يتخيل إني أعملها.
سلّمت كل الأدلة المتعلقة بجرائم التهريب للسلطات، وانسحبت من الأنشطة الإجرامية اللي ورثتها عن عيلتي، وبدأت أعيد بناء أعمالنا القانونية.
بعت القصر القديم، لأنه كان مليان ذكريات مؤلمة، واشتريت بيت أصغر في منطقة هادية.
أما إلينا، فبقيت مديرة مؤسسة خيرية أنشأتها لمساعدة أسر العمال اللي بيفقدوا حياتهم في حوادث العمل، خصوصًا عائلات العاملين في الموانئ.
وخصصت جزءًا من المؤسسة لتعليم الأطفال اللي فقدوا آباءهم.
لكن أجمل حاجة حصلت كانت ليلى.
في يوم عيد ميلادها الخامس، رجعت البيت لقيتها قاعدة على الأرض، حواليها ألوان وورق، وبترسم.
قربت منها وسألتها
بتعملي إيه يا ليلى؟
رفعت الورقة وقالت بفخر
برسم عيلتي.
بصيت للرسمة.
كانت راسمة نفسها، وأمها، وماركو، وأنا واقف جنبهم.
وفوقنا شمس كبيرة، وحواليها قلوب صغيرة.
ابتسمت وقلت
طب فين باباكي يا حبيبتي؟
سكتت شوية، وبعدين قالت
بابا الحقيقي في السما. بس أنا عندي ناس بتحبني هنا.
حسيت بحاجة بتكسر قلبي من جوايا.
قعدت جنبها وقلت
عارفة يا ليلى؟ إنتِ أنقذتيني في اليوم اللي قصيتي فيه الكرافتة.
ضحكت وقالت
عشان أنا شاطرة في المقص!
ضحكت معاها لأول مرة من قلبي من شهور.
وبعدين مدت إيدها وطلعت حاجة صغيرة من جيب فستانها.
كانت مقصها الأزرق القديم.
قالتلي
خليه عندك يا عمو دانتي، عشان لو حد حط حاجة تاني في هدومك.
أخدت المقص منها وحطيته في درج مكتبي.
مش كذكرى لطفلة قصّت كرافتتي.
لكن كذكرى اليوم اللي اتعلمت فيه إن مش كل الأبطال بيكونوا لابسين بدل غالية، أو ماسكين أسلحة، أو واقفين وسط حراس.
أحيانًا البطل بيكون طفلة صغيرة، بفستان أصفر وجزمة مش شبه بعض، وعينين بيلاحظوا حاجات الكبار مش بيشوفوها.
المفاجأة اللي محدش كان متوقعها
بعد سنة كاملة، كنت واقف في افتتاح مدرسة جديدة بنتها المؤسسة الخيرية.
ليلى كانت أول طفلة تدخل المدرسة، وكانت ماسكة مقص أزرق جديد، وبتضحك وهي بتقص شريط الافتتاح.
بعد انتهاء الحفل، قربت مني وسألتني
عمو دانتي، هو إنت لسه بتخاف من الكرافتات؟
ضحكت وقلت
بصراحة؟ أيوه.
ضحكت هي كمان.
وبعدين سألتني
طب إنت مبسوط دلوقتي؟
بصيت حواليّ.
شفت إلينا واقفة بتتكلم مع المدرسات، وماركو بيساعد الأطفال يدخلوا الفصول، وسمعت ضحكاتهم مالية المكان.
ولأول مرة من سنين، حسيت إن البيت اللي كنت عايش فيه مش لازم يكون مليان حراس وأسلحة عشان أحس بالأمان.
قلت لها
أيوه يا ليلى. مبسوط.
مسكت إيدي وقالت
يبقى متزعلش من الكرافتة اللي قطعتها.
انحنيت وبوست رأسها وقلت
دي أغلى كرافتة خسرتها في حياتي وأغلى خسارة كسبت بسببها حياتي من جديد.
ومن يومها، فضلت الكرافتة المقطوعة والجهاز الصغير محفوظين في درج مكتبي.
كل ما أشوفهم أفتكر إن الخيانة كانت مستخبية في أغلى حاجة بلبسها، وإن النجاة جت من أصغر شخص في البيت.
دانتي مورّيتي كان بيعتقد إن القوة معناها إن كل الناس تخاف منه لكن ليلى علمته إن القوة الحقيقية إنك تحمي الناس اللي بيحبوك، حتى لو مفيش في إيدك غير مقص صغير وشجاعة طفل.
والحكاية اللي بدأت بكرافتة تمنها نص مليون جنيه انتهت بطفلة أنقذت عيلتين، ورجل قدر أخيرًا يخرج من ماضيه ويبدأ حياة جديدة.




