روايات وقصص

نبضات بين الوجدان ج2

الكاتبه شيماء عصمت

صدح صوت شعيب على غفلة، أجفل الجميع وتوترت قسمات عماد، ولكنه قال بثبات لا يملك منه ذرة: جاي بيتي وبيت أهلي يا شعيب، ولا خلاص مبقاش ليا مكان؟

أخفى شعيب لتين بغيرة وحماية خلف ظهره العريض، فلم يظهر منها شيء لعين عماد.

هدر شعيب بعنف: أنا سألت سؤال، مين اللي جاب الحرامي ده هنا؟

عماد بغضب: أنا مسمحلكش أنا…

قاطعه بقوة: لما الكبار يتكلموا، العيال اللي زيك يسكتوا، ولو قاطعتني مرة تاني مش هتلاقي بوقك عشان تتكلم بيه.

صمت عماد برعب، فابتسم شعيب بتهكم: ها يا جدي، بيعمل ده هنا أيه؟

هتفت نورا بغضب: في أيه يا شعيب؟ دا بيته ويجي في الوقت اللي هو عايزه.

شعيب بحدة: حد وجهلك كلام؟

أنخرست نورا بحرج، بينما اتسعت ابتسامة مازن بتشفٍّ قائلًا لتقى: والله العظيم شعيب ده أستاذ ورئيس قسم في قصف الجبهات، لا حقيقي أنا مبهور بيه، ربنا يحميه.

ابتسمت تقى ثم قالت: الله أكبر، هتحسده ولا أيه؟ بس مش غريبة فرحان في أخواتك يعني؟

مازن بجدية: مش فرحان فيهم أكيد، بس مش زعلان عليهم، لأن الاتنين للأسف يستاهلوا أكتر من كده بكتير، كله من أعمالهم السودة.

نظرت إليه بافتتان ثم قالت بخوف: مازن، أنت ممكن في يوم تعمل فيا اللي عمله عماد في لتين؟

هدر بثقة: أطلاقًا، هو أخويا، آه من نفس الأب ونفس الأم، وأنا وهو اتربينا نفس التربية، بس أنا مش زيه. لو عندي احتمال واحد في المية أني ممكن أجرحك ولو بكلمة، عمري ما كنت ارتبطت بيك. أنا عمري ما هوجعك يا تقى، أنت حاجات كتير حلوة بالنسبالي، بس للأسف مش هقدر أقولها لك إلا لما تبقى حلالي يا بنت عمي.

ابتسمت بخجل وقلبها يتراقص بسعادة، ثم توجهت بأنظارها تجاه المعركة التي على وشك أن تحدث.

هدر مهران باتزان: ابن عمك وجاي زيارة لأهله، هتطرده وأنا موجود يا شعيب؟

تنفس شعيب بعمق وهو يشعر بارتعاش مالكة قلبه وبأناملها التي تقبض بقوة على قميصه تحتمي به، ثم قال بهدوء: لا عشت ولا كنت يا جدي، ومش عشان واحد زيه أكسر كلمة الحج مهران، ودلوقتي عن إذنكم هطلع أرتاح أنا والمدام.

نظر لعماد ليرى نظراته اتجاه زوجته: لتين!! فهدر بشراسة وعنف: عينك في الأرض حالًا.

وبدون تفكير نفذ عماد ما أمره به شعيب، فمنظر الأخير كان كفيلًا ببث الذعر بداخله.

بعد انسحاب شعيب وزوجته قال مهران: وجودك هنا من بعد اللي عملته آخر مرة محدش هيرضى بيه، وجودك هيعمل مشاكل أنا في غنى عنها، اطمن على أمك وأبوك وأخواتك وارجع المكان اللي جيت منه.

عماد بصدمة: بتطردني يا جدي؟ وعشان مين؟ عشان شعيب و لتين؟

أومأ مهران بالنفي: لا، مش عشانهم، عشان أخطائك، وأنت دلوقتي بتدفع التمن، ادعي ربنا التمن ده ميكونش أكتر من كده.

نظر له عماد بحقد وكره شديد، تلك الإهانة التي تعرض لها اليوم لن تمر مرور الكرام.

بعد مرور بعض الوقت في غرفة لتين

كان شعيب يشتعل كبركان ثائر.

أما لتين فكانت ترتجف مرتعبة خائفة، وانتهى اليوم الجميل كالحلم على كابوس الواقع، عماد عاد من جديد، رأته وجهًا لوجه ورأت نظراته الموجهة إليها نظرات شرسة حقودة كارهة.

وكأنه سمع نداءها، اقترب دون كلام.

واستسلمت كرامته من جديد، لن يتحمل نبذها له.

هتف بخشونة: لتين.

لم يتحمل، فقط انجرف وراء مشاعره، انجرف وراء عشق سرق منه منذ زمن واليوم عاد إليه وعادت لتين حبيبته وزوجته وعشقه المستحيل.

بعد مرور بعض الوقت

غفى شعيب بين ذراعيها قرير العين مطمئن القلب، ولكن تلك البرودة بجواره على الفراش جعلته يستيقظ، ولم يجد لتين جواره. عقد حاجبيه باستغراب، واتجه للمرحاض يبحث عنها، يفتح بابه ورأى ما جعل الحياة تهرب من أوردته، رأى ما لم يتوقعه البته.

الفصل الثاني عشر

استغفر الله العظيم وأتوب إليه عدد خلقه ورضا نفسه وزنة عرشه ومداد كلماته.

صدم شعيب من مظهر لتين المرعب، كانت تقف أمام مرآة المرحاض جاحظة العينين، ويقبع أسفل قدميها خصلات شعرها المبتورة بقسوة.

اقترب منها يمنع جنونها، يكمم فاها بعنف هاتفًا بقسوة: اخرسي، اخرسي يا مجنونة، اخرسي.

صمتت برعب تلهث بعنف، وهي تلاحظ تبدل ملامحه الهادئة إلى أخرى شرسة عنيفة.

أكمل شعيب بشراسة: الجنان اللي بتعمليه ده توقفيه حالًا، بناتي نايمين بره، اتحملي مسؤولية اللي عملتيه، أنا ما أجبرتكيش على حاجة، اللي حصل كان برضاكي، واللي حصل مش أنت مراتي على سنة الله ورسوله، أنت ارتبطتي بيا بموافقتك، محدش أجبرك، ولو نيجي للحقيقة فأنا اللي اتجبرت عليكي.

اتسعت عيناها بصدمة ودموعها تغرق وجنتيها، فهدر بانفعال يتجاهل شعوره بالشفقة نحوها: أيوه، اتجبرت عليك، بس تقبلتك ورضيت بالأمر الواقع، صبرت عليك كتير وحاولت أفهمك، بس أنت جبانة، جبانة من زمان أوي، من وقت ما صبرتي على واحد كان مطلع عينك ومعيشك في سواد، وفضلتي على ذمته أربع سنين!!

جبانة عشان يوم ما قررتي تنهي علاقتك غير المناسبة بيه ما واجهتيش الكل للآخر، جبانة عشان قررتي تقدمي على خطوة غير صحيحة وقنطي من رحمة ربنا، جبانة عشان لحد دلوقتي مش قادرة تحاربي خوفك اللي…

غرزت أسنانها في كفه الموضوع على فاها، فأبعده بألم يطالعها بغضب، فهتفت بعصبية: أنا مش مجنونة.

أردف شعيب بتأكيد: لا، معقدة ومحتاجة تتعالجي، ومش عشاني، إن كان عليا فمن النهاردة أنت بنت عمتي وبس، أنا مش عايز واحدة ضعيفة زيك تكون مراتي، واحدة من أقل شيء تنهار وتبقى رماد!! أنا عايز شريكة لحياتي، وقت ما أتعب تسندني، تكون في ظهري، تكون أم لبناتي، وأنت مش الشريكة دي للأسف.

شهقت لتين بألم ودموعها تتدفق بانهيار.

أدار وجهه عنها يستجمع شجاعته قبل أن يقول ببرود متعمد: ياريت تنضفي الحمام قبل ما تخرجي، مش عايز البنات تشوف المنظر ده.

ثم تركها تنهار باكية، وأسرع اتجاه جناح زهرة قاصدًا المرحاض، ووقف تحت رذاذ الماء البارد.

لقد انهار كل شيء، كان يعلم أن هذا ما سيحدث، أخبره عقله مرارًا وتكرارًا أنها ستنهار، ستنفر منه ومن ذاتها، ولكن قلبه اللعين فقد السيطرة، ولكنه لن يسمح له بعد الآن.

عقله سيتولى زمام علاقته معها لأجلها قبل أن يكون لأجله.

زفر بعنف وإحباط، منذ سويعات كان يحلق في الفضاء والآن سقط وبقوة على أرض قاحلة قاسية.

ارتدى ملابسه المكونة من بنطال جينز باللون الأسود وقميص باللون الأبيض على عجل، قبل أن يطالع ساعة يده التي تشير إلى الثالثة صباحًا.

ثم خرج من الجناح بل من المنزل بأكمله.

عاد إلى شقته يترنح بخطوات متعثرة وذهن غير واعي، رائحته مفعمة بالمحرمات.

قبض على المفتاح يحاول جاهدًا فتح الباب مرة تلو الأخرى حتى استطاع فتحه. كان الظلام يعم المكان، ولكن بعيونه الشبه مغلقة استطاع رؤية شخص ما يقف بمنتصف الصالون، لم يتبين ملامحه من الظلام، ولكنه شخص عريض المنكبين تنبعث منه شرارات الغضب.

 

5 من 5التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى