منوعات

جوزي طردني بعد 11سنه

 

فضل يحسب في دماغه، وبعدين قال بصدمة:

 

“إنتِ مخبية عني إزاي؟!”

 

طلبت من فيجن تبعد بالأطفال شوية، وبعدها مشيت معاه لمكان نقدر نتكلم فيه بعيد عنهم.

 

قلتله:

 

“لأني يوم ما سيبت البيت كنت بحاول أقولك.”

 

فضل ساكت.

 

كملت:

 

“فاكر لما رجعت من المستشفى وقلتلك إني عايزة أتكلم معاك؟ إنت صرخت في وشي قبل ما تسمعني، وجبت واحدة تانية بيتنا، وسمحت لأمك تهينني قدامك.”

 

دموعه بدأت تظهر.

 

قلتله:

 

“كان معايا هدية ليك اليوم ده.”

 

سألني باستغراب:

 

“هدية إيه؟”

 

“علبة صغيرة، جواها شرابات أطفال ونتيجة تحليل الحمل. كنت عايزة أفاجئك وأقولك إنك هتبقى أب.”

 

كريم رفع عينيه وقال:

 

“أنا مكنتش أعرف!”

 

رديت عليه:

 

“عارفة إنك مكنتش تعرف، بس إنت بنفسك منعتني إني أقولك.”

 

فضل ساكت شوية، وبعدين قال:

 

“يا ريتك كنتِ قولتيلي.”

 

الكلمة دي عصبتني أكتر ما توقعت.

 

قلتله:

 

“يا ريت إيه يا كريم؟! 11 سنة وإنت مخليني أحس إني ست ناقصة. مع إن الدكاترة قالولنا إن المشكلة عندنا إحنا الاتنين، وإننا محتاجين علاج، لكن إنت كنت بتتهمني أنا قدام أهلك!”

 

نزل راسه وقال:

 

“كنت مكسوف.”

 

رديت عليه:

 

“وأنا كمان كنت بتكسف، بس اكتشفت بعد ما سبتك إن مكنش عندي أي سبب أتكسف منه.”

 

كريم بدأ يعيط.

 

زمان لو كنت شفته بالمنظر ده كنت جريت حضنته، لكن المرة دي فضلت واقفة مكاني.

 

دموعه مش هتقدر ترجع السنين اللي ضاعت.

 

في اللحظة دي حماتي قربت مننا وبصت للأطفال.

 

قالت باستغراب:

 

“يا زينب، دول فعلًا ولاد كريم؟”

 

رديت:

 

“أيوه.”

 

قالت وهي مش مصدقة:

 

“يعني عندي تلات أحفاد؟!”

 

ما رديتش.

 

سألتني:

 

“ممكن أشيلهم؟”

 

قلت بهدوء:

 

“مش دلوقتي.”

 

بصتلي بصدمة:

 

“أنا جدتهم!”

 

رديت عليها:

 

“ممكن نتكلم بعدين عن طريقة مناسبة وآمنة تشوفيهم بيها، لكن مش هقرر حاجة النهارده وسط الظروف دي.”

 

قالت بعصبية:

 

“إنتِ بتعاقبيني!”

 

بصيت في عينيها وقلت:

 

“أنا مش بعاقب حد، أنا بحمي ولادي.”

 

ردت:

 

“دول من دمنا!”

 

قلت:

 

“صلة الدم لوحدها مش كفاية علشان الإنسان يعرف يحب ويحترم طفل. وأنا مش هسمح لحد كان بيهين أمه إنه يهينهم أو يجرحهم.”

 

كريم تدخل وقال:

 

“خلاص يا ماما.”

 

الكلمة دي كانت غريبة على ودني.

 

طول 11 سنة عمره ما وقف قدام أمه ودافع عني، ودلوقتي افتكر يقولها خلاص!

 

قبل ما أمشي، كريم وقفني عند باب المكان وقال:

 

“أنا عايز أشوف ولادي.”

 

قلتله:

 

“هنرتب الموضوع عن طريق المحامية.”

 

قال:

 

“أنا أبوهم!”

 

رديت:

 

“أيوه، والأبوة مش مجرد كلمة بتتقال.”

 

نزل عينيه وقال:

 

“ممكن تديني فرصة؟”

 

بصيتله وقلت:

 

“تقدر تاخد فرصتك كأب وتتحمل مسؤوليتك، لكن جوازنا انتهى.”

 

سألني بصوت مكسور:

 

“يعني مفيش أمل نرجع؟”

 

قلتله:

 

“إحنا خلاص مبقيناش مع بعض يا كريم.”

 

ومشيت.

 

كنت تعبانة، لكن لأول مرة ما كنتش حاسة إني مكسورة.

 

***

 

## بداية حياة جديدة

 

الأيام اللي بعد الفرح كانت مليانة أحداث.

 

كريم اتصل بيا كذا مرة، في الأول كان بيعتذر، وبعدها بدأ يطلب صور الأطفال، وفي ليلة بعتلي رسالة:

 

“أرجوكي يا زينب، خلينا نحاول نرجع عيلة تاني.”

 

ما رديتش.

 

تاني يوم رحت لداليا المحامية، وبدأنا نخلص الإجراءات الخاصة بالأطفال، وإثبات النسب، والنفقة، وتنظيم مواعيد الزيارة.

 

كريم ما أنكرش إنه أبوهم، بالعكس، أعلن استعداده لتحمل مسؤوليتهم.

 

لكن المحامية وضحتله إن الكلام شيء، والالتزام الحقيقي شيء تاني.

 

واتقدمت المستندات المطلوبة علشان تتحدد مصاريف الأطفال وحقوقهم بشكل قانوني.

 

أنا المرة دي ما كنتش بدور على الانتقام.

 

كنت بدور على الأمان لأولادي.

 

أما موضوع مليكة وبارق، فاستمر في طريقه.

 

بعد أسابيع، مليكة تواصلت مع بارق، واتفقوا إنهم يستنوا ولادة الطفل ويعملوا تحليل نسب بالطريقة القانونية.

 

وبالفعل، بعد الولادة، ظهرت نتيجة التحليل وأثبتت إن بارق هو الأب البيولوجي.

 

بارق بدأ إجراءات تحمل مسؤوليته تجاه الطفل.

 

أما مليكة، فانتهت علاقتها بكريم تمامًا.

 

وكريم كمان خسر شغله في الشركة اللي كان بيشتغل فيها بعد مشاكل وخلافات مالية وإدارية.

 

لكن أنا ما فرحتش في خسارته.

 

لأن في النهاية هو أبو أولادي، ومن مصلحتهم يكون قادر على تحمل مسؤولياته.

 

كل اللي فهمته إن الإنسان ساعات بيواجه أصعب عقاب لما يفضل لوحده قدام نتائج قراراته.

 

حماتي نرجس حاولت تتواصل معايا كتير.

 

مرة تقول:

 

“عايزة أشوف أحفادي.”

 

ومرة تعاتبني:

 

“إنتِ ملكيش حق تعملي معايا كده.”

 

وفي مرة قالتلي:

 

“لو رجعتي لكريم، نقدر ننسى كل اللي حصل.”

 

اتصدمت من كلامها.

 

كأنها ناسية مين اللي جاب واحدة تانية البيت، ومين اللي أهانني، ومين اللي طردني وأنا مكسورة.

 

رديت بهدوء:

 

“مفيش حاجة هتتمسح من الذاكرة يا نرجس، لكن فيه ناس ممكن تتعلم تعترف بغلطها.”

 

سألتني:

 

“يعني إيه؟”

 

قلت:

 

“يعني أنا مش هرجع لكريم، لكن لو عايزة علاقة محترمة مع أحفادك، لازم تحترميني وتحترمي حدودي.”

 

سكتت شوية، وبعدها قفلت المكالمة.

 

ومرت فترة من غير ما تتصل.

 

***

 

## كريم اتعلم يعني إيه يكون أب

 

مع الوقت، كريم بدأ يشوف أولاده بانتظام حسب المواعيد اللي اتفقنا عليها.

 

في أول مرة جه فيها، كان واضح إنه مش عارف يتصرف.

 

لما دُفنة عيطت، اتوتر.

 

ولما حاول يحضر ببرونة دينا، فضل يسألني عن كمية اللبن.

 

أما أمير، فكان رافض ينام.

 

بصلي كريم وقال:

 

“إنتِ بتعملي كل ده كل يوم إزاي؟!”

 

ضحكت وقلت:

 

“بالتعود والتعلم.”

 

قال:

 

“الموضوع صعب أوي.”

 

رديت:

 

“أيوه، صعب.”

 

سكت شوية وبعدين قال:

 

“أنا عمري ما فهمت إنتِ كنتِ بتتعبي قد إيه.”

 

بصيتله وقلت:

 

“الفهم محتاج إن الإنسان يكون عايز يفهم.”

 

نزل راسه.

 

اليوم ده ساعدني في رعاية الأطفال لأول مرة بجد.

 

ويمكن كان متأخر، لكن لسه قدامه فرصة يكون أب كويس ليهم.

 

أما أنا، فكنت بدأت أعيش حياتي من جديد.

 

الفلوس اللي وصلتلي من حق والدي في الشركة القديمة ساعدتني أسدد ديوني وأعمل مبلغ صغير للطوارئ.

 

خصصت جزء كبير منه لمستقبل أولادي.

 

واستثمرت الباقي في حلم كنت مأجلاه من سنين.

 

فتحت مكتب صغير بقدم فيه خدمات الحسابات والمراجعة المالية للمشروعات الصغيرة.

 

في البداية كان عندي عميلين بس: محل ورد ومخبز صغير.

 

وبعدها العدد بدأ يزيد.

 

المكتب ما كانش كبير.

 

ترابيزتين، شوية دولايب، وأوضة فيها شباك مليان زرع.

 

لكن كان فيه حاجة مهمة جدًا.

 

على الباب كانت فيه لافتة مكتوب عليها:

 

**زينب يلمظ – مكتب الاستشارات المالية والمحاسبية.**

 

أول مرة شوفت اسمي على اللافتة، عيطت.

 

افتكرت بابا، وفهمت إن اللي سابهولي ما كانش مجرد فلوس أو أوراق.

 

كان عايز يسيبلي القوة اللي تخليني أقف على رجلي مهما حصل.

 

وفي يوم، زارني الأستاذ هالوك وزوجته أمينة.

 

كان معاهم صندوق صغير.

 

هالوك اداهولي وقال:

 

“فاكرة مكتب والدك القديم؟”

 

ابتسمت وقلت:

 

“طبعًا، كان دايمًا حاطط الآلة الحاسبة فوق المكتب.”

 

ضحك وقال:

 

“بالظبط.”

 

فتحت الصندوق، ولقيت قلم والدي القديم.

 

قلم أسود، في جسمه خدش صغير.

 

قال هالوك:

 

“كنت محتفظ بيه من سنين، وحسيت إن مكانه الطبيعي يكون على مكتبك.”

 

مسكته بإيدي، وحسيت إني رجعت طفلة صغيرة.

 

افتكرت صوت بابا وهو بيقولي:

 

“حتى لو كل الناس استغنت عنك، أوعي تستغني عن نفسك.”

 

في اللحظة دي عرفت إني نفذت وصيته.

 

***

 

## بعد سنتين… بقيت أم لثلاثة أبطال

 

عدى سنتين.

 

أولادي كبروا وبقوا بيمشوا.

 

دُفنة بتحاول تفتح كل دولاب في البيت.

 

دينا فضولية وبتحب تلمس كل حاجة.

 

وأمير مش بيحب يدي لعبته لحد.

 

كل واحد فيهم ليه شخصية مختلفة، لكن لما بيضحكوا مع بعض، كل تعب الدنيا بيختفي.

 

نقلنا لبيت جديد في بورسعيد، قريب من حديقة الأطفال.

 

كان بيت متوسط، فيه تلات أوض وصالة منورة.

 

خصصت أوضة كاملة للتلاتة.

 

اخترت لون أصفر فاتح للحوائط، وحطيت مكتبة صغيرة جنب الشباك.

 

وعلقت فوق سرير كل طفل اسمه مكتوب على قطعة خشب.

 

في أول ليلة بعد ما ناموا، فضلت واقفة عند باب الأوضة أتأملهم.

 

افتكرت الناس اللي كانوا بيقولولي إني مش هعرف أعمل أسرة حقيقية.

 

وفجأة سمعت صوت أمير وهو بيقول:

 

“ماما…”

 

قربت منه، مسك إيدي الصغيرة وحطها على خده.

 

ابتسمت.

 

كل اللي فات حسيت إنه بقى بعيد أوي.

 

***

 

## اعتذار بعد فوات الأوان

 

في يوم إجازة، كريم جه علشان ياخد الأطفال للحديقة.

 

كان واقف عند الباب ومتردد.

 

قال:

 

“يا زينب، ممكن أقولك حاجة؟”

 

قلت:

 

“اتفضل.”

 

قال:

 

“لقيت صور قديمة لوالدي الأسبوع اللي فات. اكتشفت إنه هو كمان كان مهملنا وإحنا صغيرين، وكان فاكر إن الأبوة معناها إنه يشتغل ويجيب فلوس وخلاص.”

 

فضلت ساكتة.

 

كمل:

 

“ولما اتأخرنا في الخلفة، بدل ما أواجه مشاكلي، حملتك إنتِ الذنب.”

 

أخد نفس طويل وقال:

 

“أنا ظلمتك.”

 

بصيتله وقلت:

 

“كويس إنك فهمت ده.”

 

سألني وعينيه مليانة دموع:

 

“ممكن في يوم تسامحيني؟”

 

قلت:

 

“أنا مش بضغط على نفسي علشان أسامحك، لكن كمان مبقتش عايشة على كراهيتك.”

 

قال:

 

“طب ممكن نبدأ من جديد؟”

 

رديت بحسم:

 

“لأ يا كريم.”

 

نزل راسه وقال:

 

“عارف.”

 

كملت:

 

“ممكن يكون ليك مكان في حياة أولادك كأبوهم، لكن مش كجوزي.”

 

وبعدين وضحتله:

 

“الموضوع مش إنك تستاهل أو متستاهلش، الموضوع إن الأطفال محتاجين أب يكون موجود في حياتهم ويتحمل مسؤوليتهم.”

 

المرة دي ما جادلنيش.

 

أخد شنط الأطفال، ودُفنة مسكت إيده وقالت:

 

“بابا… يلا نروح الملاهي!”

 

كريم ابتسم وعينيه لمعت.

 

وأنا وقفت أراقبهم من الباب.

 

***

 

## حتى حماتي اعترفت بغلطها

 

علاقتي بنرجس بدأت تتحسن ببطء.

 

وفي يوم طلبت تقابلني في كافيه صغير.

 

قعدت قدامي، وطلعت منديل من شنطتها.

 

قالت:

 

“يا زينب، أنا جاية أقولك حاجة.”

 

فضلت مستنية.

 

قالت وهي بتعيط:

 

“أنا طول عمري كنت بلومك على إن ابني مش مبسوط، وكنت بقول إنك السبب في تأخر الخلفة.”

 

سكتت شوية وبعدين كملت:

 

“مع إني كنت عارفة إن كريم عنده مشاكل هو كمان، لكن مكنتش عايزة أعترف.”

 

بصتلي ودموعها نازلة.

 

“أنا ظلمتك.”

 

الكلام ده كان غريب عليا.

 

لأول مرة أسمع منها اعتراف صريح.

 

قالت:

 

“كنت فاكرة إن مليكة هتصلح كل حاجة، لكن اللي حصل خلاني أفهم إني كنت غلطانة.”

 

رديت:

 

“اللي حصل معايا مش هيرجع تاني.”

 

قالت:

 

“عارفة.”

 

“ومتتوقعيش إني أرجع أثق فيكي في يوم وليلة.”

 

هزت راسها وقالت:

 

“مش هضغط عليكي. أنا بس عايزة أعرف أحفادي، ومن غير ما أجرحك تاني.”

 

بعد تفكير، قلتلها:

 

“أنا مش ضد إنك تكوني جزء من حياتهم، بشرط تحترمي حدودنا.”

 

ومن اليوم ده، بدأت علاقتنا تتحسن تدريجيًا.

 

مش لأن الماضي اتمسح، لكن لأنها بدأت تثبت بأفعالها إنها اتغيرت.

 

***

 

## رسالة من مليكة

 

في ليلة كنت قاعدة في مكتبي بخلص شغل، وصلني مسج من رقم غريب.

 

كانت مليكة.

 

كتبت:

 

“يا زينب، أنا عارفة إني مليش حق أكلمك، لكن عايزة أعتذرلك.”

 

كملت:

 

“أنا دخلت في علاقة مع كريم وهو لسه متجوزك، وبدل ما أعترف بغلطتي، كنت بلومك وأحاول أبرر لنفسي. شفت إنتِ بتتعرضي لإيه وسكت، وفي أوقات شاركت في إهانتك.”

 

وبعدين قالت:

 

“دلوقتي بقيت أم، وبقيت فاهمة قد إيه مؤلم إن ست تتعرض للإهانة بسبب موضوع الخلفة. أنا مش مستنية إنك تسامحيني، بس كان لازم تعرفي إني عرفت غلطتي.”

 

فضلت باصة للموبايل شوية.

 

وبعدين كتبتلها:

 

“اللي فات مش هنقدر نغيره، لكن نقدر نختار إن أولادنا ميتعلموش نفس أخطائنا. أتمنى تبني حياة هادية لطفلك.”

 

قفلت الموبايل.

 

واكتشفت إني مبقتش محتاجة ندم أي حد علشان أحس إني انتصرت.

 

حياتي بقت مليانة بحاجات أهم.

 

***

 

## عيد ميلاد التلاتة… أجمل يوم في حياتي

 

لما أولادي كملوا تلات سنين، حجزت مكان صغير فيه جنينة علشان نحتفل بعيد ميلادهم.

 

علقنا بالونات ملونة، وعملت تلات تورتات.

 

تورتة دُفنة عليها زهور صغيرة.

 

وتورتة دينا عليها نجوم.

 

وتورتة أمير عليها عربيات لعب.

 

فيجن وأمينة وهالوك جم بدري.

 

وكريم جه ومعاه هدايا للأطفال.

 

وحماتي نرجس جابت شنطة مليانة بلوفرات صوف كانت عاملاها بإيديها.

 

المرة دي مكنش فيه خناق ولا اتهامات.

 

كل واحد كان عارف حدوده، والكل كان موجود علشان فرحة الأطفال.

 

لما التورتة اتحطت على الترابيزة، التلاتة فضلوا يصفقوا.

 

دُفنة مدت إيدها ناحية الشموع.

 

دينا حاولت تاخد النجمة اللي فوق التورتة.

 

أما أمير، فغمس صباعه في الكريمة قبل ما الأغنية تخلص!

 

كلنا ضحكنا.

 

وأنا ضحكت من قلبي لدرجة إني استغربت نفسي.

 

افتكرت نفسي من سنين، وأنا واقفة قدام الفندق تحت المطر، ماسكة شنطة صغيرة ودموعي مش بتقف.

 

كنت فاكرة إن حياتي انتهت.

 

لكن الحقيقة إن اللي انتهى كان حياة أنا كنت بتعذب جواها.

 

بعد ما كل الناس مشيت، نومت الأطفال وطلعت ألبوم الصور القديم.

 

لقيت صورة ليا وأنا عندي حوالي تلات سنين، بابا شايلني وأنا مبتسمة.

 

مسكت الصورة وقلت بصوت واطي:

 

“يا بابا، أعتقد إني فهمت قصدك أخيرًا.”

 

وبعدين فتحت الدولاب وطلعت العلبة الصغيرة اللي كنت محضراها زمان علشان أديها لكريم.

 

كان جواها شرابات الأطفال البيضا اللي كنت اشتريتها يوم ما عرفت إني حامل.

 

لكن المرة دي لما بصيتلها، ما افتكرتش الخيانة.

 

افتكرت أول ذكرى لأولادي قبل ما يشوفوا النور.

 

حطيت جوا العلبة تلات صور:

 

أول ابتسامة لدُفنة.

 

أول خطوة لدينا.

 

وأول عيد ميلاد لأمير.

 

وكتبت على الغطا:

 

“قبل ما تيجوا الدنيا كنت خايفة، لكن بوجودكم اتعلمت أصدق نفسي من جديد.”

 

قفلت العلبة وحطيتها في دولاب الذكريات بتاعهم.

 

كنت عايزة لما يكبروا أحكيلهم كل حاجة.

 

مش بس أخطاء أبوهم، لكن كمان إن الإنسان ممكن يتغير.

 

وإن الحب مش معناه إنك تترجي حد يحبك.

 

وإن الاحترام أهم حاجة في أي علاقة.

 

وإن قيمة الإنسان عمرها ما بتتقاس بقدرته على الإنجاب.

 

وإن محدش من حقه يخليهم يحسوا إنهم أقل من غيرهم.

 

***

 

## النهاية… أنا ما خسرتش، أنا لقيت نفسي!

 

بعد كام أسبوع، خرجت مع أولادي على شاطئ دمياط.

 

قعدت على دكة قدام البحر، والأطفال بيلعبوا شوية بعيد عني تحت عين فيجن.

 

دُفنة كانت بتلم الرمل في جردل صغير.

 

دينا بتفحص الحجارة.

 

وأمير بيشاور على النوارس وبيضحك.

 

ست كبيرة قعدت جنبي، وبصت للأطفال وقالت:

 

“التلاتة دول أولادك؟”

 

ابتسمت وقلت:

 

“أيوه.”

 

قالت:

 

“ربنا يخليهملك، أكيد متعبة جدًا.”

 

ضحكت وقلت:

 

“أوقات كتير، بس يستاهلوا.”

 

وبعدين سألتني:

 

“وجوزك فين؟”

 

زمان السؤال ده كان بيوجعني، لكن المرة دي رديت بكل هدوء:

 

“إحنا اتطلقنا، والأطفال عايشين بينا وكل واحد فينا ليه مسؤولياته.”

 

قالت:

 

“ربنا يعينك.”

 

قلت:

 

“آمين.”

 

ومكملتش شرح.

 

لأن الست مش لازم يكون جنبها راجل علشان حياتها تبقى ليها قيمة.

 

الشمس بدأت تغيب، والأطفال جريوا ناحيتي.

 

دُفنة مدتلي حجر صغير وقالت:

 

“ماما، ده ليكي!”

 

دينا ادتني صدفة بحر.

 

وأمير فتح دراعاته وقال:

 

“ماما، شيليني!”

 

حاولت أحضنهم التلاتة مرة واحدة.

 

ضحكنا، وصوت ضحكتنا اختلط بصوت الهوا.

 

افتكرت يوم الفرح من سنة ونص.

 

افتكرت وش كريم لما شاف الأطفال.

 

وصدمة حماتي.

 

وخوف مليكة.

 

والسؤال اللي بارق سأله قدام كل الناس.

 

ناس كتير وقتها افتكروا إني رجعت علشان أنتقم.

 

وناس تانية افتكروا إني عايزة أغيظ جوزي السابق.

 

لكن الحقيقة إني كنت عارفة حاجة مهمة جدًا قبل ما أروح الفرح.

 

أنا مبقتش محتاجة موافقة حد علشان أحس بقيمتي.

 

كل اللي كنت عايزاه إن كريم يعرف الحقيقة، ويعرف إن الأطفال اللي كان فاكر إني مش هقدر أخلفهم بقوا موجودين فعلًا.

 

لكن قيمتي أنا مكنتش محتاجة أثبتها له.

 

بصيت لأولادي، ولقيت دُفنة حاطة راسها على كتفي، ودينا ماسكة إيدي، وأمير بيديني بوسة صغيرة على خدي.

 

دموعي نزلت.

 

لكن المرة دي مكنتش دموع وجع.

 

أنا كنت الست اللي قضت سنين بتستنى تسمع نبضة قلب واحدة في أوضة الدكتور.

 

ودلوقتي بقى عندي تلاتة أطفال بيملوا حياتي.

 

كنت الست اللي خرجت من بيتها بشنطة هدوم.

 

ودلوقتي معايا مفتاح بيتي اللي بنيته بنفسي.

 

كنت الست اللي فاكرة إن جوزها لما ما يحبهاش يبقى العيب فيها.

 

ودلوقتي عندي شغل باسمي، وبيت، وتلات أطفال، وحياة مستقرة.

 

أكيد حياتي مش مثالية.

 

لسه بتعب، ولسه بخاف، ولسه فيه أيام بنام فيها متأخر من كتر المسؤوليات.

 

لكن الفرق إني مبقتش ألوم نفسي على كل حاجة.

 

اتعلمت أطلب المساعدة.

 

اتعلمت أحط حدود.

 

واتعلمت إن البداية الجديدة مش عيب ولا ضعف.

 

ركبت العربية وبصيت في المراية على أولادي.

 

التلاتة كانوا ناموا.

 

ابتسمت وقلت لنفسي آخر جملة:

 

**”الراجل اللي طردني من بيته علشان فاكر إني مش هقدر أخلف، عرف بعد كده إنه بقى أب لتلات أطفال… لكنه في اليوم ده اكتشف إنه خسرني من زمان، وإنه ضيع بإيده آخر فرصة إنه يحافظ على احترامي ليه.”**

 

لأن أجمل انتصار في حكايتي ما كانش إلغاء فرحه، ولا اكتشاف كدب مليكة، ولا ندم كريم.

 

أجمل انتصار كان إني قدرت أبني حياة ليا ولأولادي، من غير ما أترجى حد يحبني، ومن غير ما أخاف من بكرة.

 

**الست مش بتكون خسرانة لمجرد إن جوزها سابها… ساعات اليوم اللي بيسيبها فيه، بيكون هو أول يوم بترجع فيه لنفسها!**

2 من 2التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى