منوعات

المطعم كله

الراجل ده اسمه محمود المنشاوي… أبويا.
ملك فضلت باصة للصورة، وبعدين قالت مش فاهمة. أمي عمرها ما قالتلي إنها تعرف عيلتك.
آدم أخد نفس طويل.
أبويا كان عنده كلب اسمه أورايون الأول. كان كلب حراسة مدرب، ومش بيسمح لأي حد يقرب منه. لكن أمي كانت ماتت وأنا عندي عشر سنين، وبعدها بسنين أبويا اتعرف على والدتك. كانت بتشتغل ممرضة في مستشفى خاص، وساعدته في فترة مرضه.
سكت لحظة، وبعدين كمل
قبل ما يموت، أبويا كتب وصية غريبة. قال فيها إن فيه بنت صغيرة اتولدت يوم الحادثة اللي حصلت في المستشفى، وإن والدتها أنقذت حياته. وطلب مني لو قابلت البنت دي في يوم، أديها حاجة احتفظ بيها ليها.
ملك بصتله بعدم تصديق.
يعني إيه؟ إنت بتقول إنك كنت تعرف أمي؟
هز راسه.
أنا كنت طفل وقتها. لكن أبويا عمره ما نسيها. وكان دايمًا بيقول إن فيه ناس بتدخل حياتك مرة واحدة، وتسيب فيها أثر ما بيتنسيش.
ملك مسحت دموعها وقالت
بس إيه علاقة ده بالكلب؟
آدم ابتسم ابتسامة صغيرة.
أورايون اللي قابلتيه امبارح حفيد الكلب القديم. اتربى وسط ريحته وحاجاته، وأبويا كان بيحكي عنه كتير. الغريب إن الكلب ده عمره ما ارتاح لحد غريب، حتى المدربين بتوعه.
ثم أخرج ظرفًا أبيض ووضعه أمامها.
ده أبويا سابه ليكي.
إيد ملك كانت بتترعش وهي بتفتح الظرف.
جواه كان فيه جواب بخط اليد، ومفتاح صغير، وصورة لوالدتها وهي شايلة ملك رضيعة.
بدأت تقرأ
إلى ابنة سعاد…
لو وصلتك الرسالة دي، يبقى الزمن جابك أخيرًا للمكان اللي كنت مستنيكي فيه.
أمك أنقذت حياتي، لكني ما قدرتش أرد لها الجميل بالشكل اللي تستحقه.
فيه أمانة تخصك، اتسابت عندي يوم ولادتك. وأنا وعدت أمك إني أحافظ عليها لحد ما تكبري.
المفتاح ده هيوصلك للحقيقة.
لكن خلي بالك، مش كل اللي يحمل اسم المنشاوي يستحق الثقة.
توقفت ملك عن القراءة.
رفعت رأسها ببطء.
يعني إيه مش كل اللي يحمل اسم المنشاوي؟
آدم ما ردش فورًا.
كان باصص للصورة القديمة بتركيز شديد.
ثم قال لأن أبويا مات مقتول.
في اللحظة دي، اتفتح باب المكتب بعنف.
دخل راجل في أواخر الخمسينات، شعره أبيض وملامحه جامدة، ووراه اتنين من الحراس.
قال بصوت غاضب آدم! إيه اللي بيحصل هنا؟ وإيه اللي جاب البنت دي الفيلا؟
آدم وقف بهدوء.
عمي فؤاد، دي ملك عبدالسلام.
فؤاد بص للصورة اللي في إيدها، ولأول مرة شافت ملك الخوف الحقيقي في عينيه.
قال بسرعة مين اداكي الصورة دي؟
رد آدم أبويا.
فؤاد ضحك بسخرية أبوك مات من سنين. وإنت لسه مصدق الخرافات اللي كان بيقولها؟
آدم قرب منه خطوة.
أنا مش مصدق خرافات. أنا بقرأ وصيته.
فؤاد بص لملك وقال بحدة البنت دي لازم تمشي فورًا.
لكن أورايون اللي كان مستلقي جنب المكتب وقف فجأة، وطلع صوت زمجرة منخفضة.
فؤاد رجع خطوة لورا.
ملك لاحظت حاجة غريبة.
أول ما فؤاد دخل، أورايون ما كانش متوتر.
لكن لما قرب من الظرف الموجود على المكتب، الكلب بدأ يزمجر.
آدم لاحظ ده كمان.
قال للحراس خدوا عمي للاستراحة.
فؤاد انفعل إنت بتطردني من بيت أبوك؟
رد آدم ببرود لأ. أنا بس مش عايز أتكلم قدام حد مش واثق فيه.
خرج فؤاد، لكن قبل ما الباب يتقفل، بص لملك نظرة خلتها تحس إن وجودها في الفيلا مش هيمر بسلام.
بعد خروج فؤاد، طلبت ملك من آدم إنها ترجع بيتها.
قالت أنا مش عايزة أدخل في مشاكل عيلتكم. أنا بنت بسيطة، وبشتغل عشان أعيش. أمي ماتت من تلات سنين، وما عنديش حد غير نفسي.
آدم بص لها بهدوء.
عارف.
استغربت.
تعرف إيه كمان؟
فتح الملف وطلع ورقة.
عارف إنك ساكنة في شقة إيجار في إمبابة، وإنك بتشتغلي ورديتين، وإن والدتك قبل وفاتها كانت بتتعالج من مرض مزمن، وإنك بعتي دهبها عشان تسددي مصاريف علاجها.
ملامح ملك اتشدت.
إنت بتراقبني؟
آدم فهم غضبها، فقفل الملف فورًا.
معاكي حق تزعلي. رجالي جمعوا معلومات عنك عشان أتأكد إنك فعلًا بنت سعاد. لكن مش معنى كده إن ليّ حق أتدخل في حياتك.
سكت شوية وبعدين قال
أنا مش عايز أشتريكي بفلوسي، ولا أطلب منك تفضلي هنا. لكن عايز أعرف إيه اللي أبويا كان مخبيه.
ملك بصت للمفتاح.
طيب نروح نشوف.
المفتاح فتح صندوقًا حديديًا صغيرًا موجودًا في غرفة قديمة بالطابق السفلي.
الصندوق كان عليه طبقة تراب، وكأنه محدش قرب منه من سنين.
جواه لقوا
شهادة ميلاد قديمة باسم ملك عبدالسلام.
عقد ملكية لمخزن كبير في منطقة شبرا.
دفتر حسابات.
شريحة ذاكرة صغيرة.
ورسالة تانية مكتوب عليها تُفتح فقط لو اختفى فؤاد.
آدم اتجمد مكانه.
اختفى فؤاد؟
ملك فتحت الرسالة.
يا آدم…
لو وصلت لليوم اللي تضطر فيه تفتح الرسالة دي، يبقى فؤاد عرف إن الأمانة لسه موجودة.
قبل وفاتي، اكتشفت إن أخويا كان بيسرق من الشركة وبيستخدم رجالة العيلة في تجارة ممنوعة. لما واجهته، هددني، وبعدها حصل الحادث اللي دخلت بسببه المستشفى.
سعاد أنقذتني، لكنها شافت بنفسها الورق اللي يثبت جرائمه.
أنا طلبت منها تخفي الأمانة، لأنها الشاهد الوحيد اللي كنت واثق فيه.
أما ملك، فهي مالهاش أي ذنب في صراعاتنا.
ما تخليهاش تدفع تمن أخطاء عيلتنا.
آدم نزل الرسالة ببطء.
كان واضح إن اسم عمه بدأ يتحول في عينه من مجرد شخص مختلف معاه إلى شخص ممكن يكون دمّر حياة أبوه.
لكن المفاجأة الأكبر كانت في دفتر الحسابات.
الدفتر كان فيه تحويلات مالية ضخمة، بأسماء شركات وهمية، وتواريخ متطابقة مع أيام وفاة أشخاص كانوا شغالين مع محمود المنشاوي.
وفي آخر صفحة، اسم واحد متكرر
فؤاد المنشاوي.
في نفس الليلة، ملك رجعت شقتها، لكن آدم أصر إن حارسين يفضلوا بعيد عنها في الشارع، من غير ما يدخلوا بيتها أو يتدخلوا في حياتها.
كانت بتحاول تستوعب كل اللي حصل، لما موبايلها رن.
رقم مجهول.
ردت بحذر
ألو؟
جالها صوت راجل خشن
اسمعيني كويس يا ملك. اللي حصل النهارده ما يتكررش. سلّمي المفتاح والورق، وانسي اسم المنشاوي للأبد.
ملك سكتت.
الراجل كمل
إنتِ مش فاهمة إنتِ دخلتي نفسك في إيه.
ردت بصوت مرتعش لكنه ثابت
أنا مش معايا حاجة تخصك.
ضحك.
إنتِ معاكِ حاجة ممكن تخلّي ناس كتير تدخل السجن. ولو آدم فاكر إنه هيقدر يحميكي، قوله يفتكر اللي حصل لأبوه.
وقفل.
ملك فضلت ماسكة الموبايل، وإيديها بتترعش.
بعد دقائق، وصلتها رسالة من رقم تاني
أمك ماتت وهي بتحاول تخبي الحقيقة. ما تعمليش زيها.
وقتها انهارت.
لكنها ما كانتش عارفة إن الرسالة دي بالذات هتكون أول غلطة يقع فيها الشخص اللي بيهددها.
تاني يوم، راحت ملك لمكتب آدم ومعاها الموبايل.
أول ما شاف وشها، قام من مكانه.
إيه اللي حصل؟
ناولته الموبايل.
قرأ الرسائل، وملامحه بقت جامدة بشكل مخيف.
قال مين يعرف رقمك غيري؟
المدير، والمطعم، وشوية ناس.
آدم ضغط على زر الاتصال الداخلي.
عايز أعرف مصدر الرقم ده، وكل الرسائل اللي اتبعتت للرقم ده.
ملك وقفت قدامه وقالت
أنا مش عايزة حد يتأذى بسببي.
آدم بص لها.
أنا كمان مش عايز حد يتأذى. بس فيه فرق بين إني أحميكي، وبين إني أسيب اللي بيهددك يكمل.
ثم سألها إنتِ فاكرة إن والدتك كانت خايفة من حد؟
ملك فكرت شوية.
قبل ما تموت بشهور، كانت بتصحى من النوم مفزوعة. وكانت كل شوية تقولي لو حصلها حاجة، ما أفتحش درج ماكينة الخياطة القديمة.
آدم وقف مكانه.
ماكينة الخياطة فين؟
في بيتنا القديم في دمنهور. لسه موجودة عند خالتي.
في نفس اليوم، سافروا لدمنهور.
وكانت المفاجأة إن درج الماكينة كان فيه فلاشة تانية، وصورة لوالدة ملك مع محمود المنشاوي،

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى