
— كنت غبي.
ضحكت بسمة وسط دموعها:
— كنت أكتر من غبي.
ضحك هو كمان.
وبعدين قالت:
— أنا مش هقولك إني نسيت. أنا لسه فاكرة كل كلمة قلتها، وكل مرة حسستني فيها إني أقل منك.
ليث هز راسه:
— وعندك حق.
كملت:
— بس أنا كمان شفتك وإنت بتتغير، وشفتك وإنت بتساعدني من غير ما تطلب مقابل، وشفتك وإنت بتسيبلي حرية الاختيار.
ليث كان سامعها وقلبه بيدق بسرعة.
بسمة أخدت الخاتم وقالت:
— أنا موافقة نبدأ من جديد.
ليث فضل باصصلها مش مصدق:
— بجد؟
ابتسمت:
— بجد يا ليث.
قرب منها، لكنه وقف قبل ما يحضنها وسألها:
— ينفع أحضنك؟
بسمة ضحكت وقالت:
— ينفع.
حضنها بحب، وهي لأول مرة تحس إنها مش مضطرة تكون قوية طول الوقت.
بعد ست شهور.
كانت بسمة واقفة في البلكونة، بتبص للحديقة، وليث خرج لها ومعاه كوبين عصير.
قال:
— بتفكري في إيه؟
ابتسمت:
— فاكرة أول يوم دخلت فيه البيت هنا؟
ضحك:
— أنا فاكر كويس. وعايز أمحي اليوم ده من التاريخ.
بسمة ضحكت:
— لأ، خليه. عشان يفضل يفكرك إن الإنسان ممكن يتغير، بس لازم يتحمل نتيجة أخطائه.
ليث حط الكوب على الترابيزة، ومسك إيدها:
— عارفة أنا اكتشفت إيه؟
— إيه؟
— إن أنا كنت بدور على وريث للعيلة، ونسيت إني محتاج أبقى إنسان يستاهل يكون عنده عيلة.
بسمة بصت له بحب.
قال:
— وإني كنت فاكر إن الرجولة إني أفرض كلمتي، لكن اتعلمت إنها إني أسمع، وأحترم، وأحافظ على اللي بحبه.
بسمة ابتسمت وقالت:
— أهو كده بقيت راجل.
ضحك، وبعدين حط إيده على بطنها برفق.
كانت بسمة حامل في الشهر الرابع.
ليث بص لبطنها وقال بسعادة:
— تفتكري ولد ولا بنت؟
بسمة ردت:
— مش فارقة.
ليث ابتسم:
— عندي أهم من النوع كله.
— إيه؟
— إنه يطلع عنده قلب زي قلبك.
بسمة ضحكت:
— بس يا سيدي، ده إنت بقيت شاعر!
في اللحظة دي، هدى خرجت للبلكونة وهي بتضحك:
— إنتوا لسه واقفين هنا؟ تعالوا، الغدا جاهز.
ليث رد:
— جايين يا ماما.
هدى قربت من بسمة وباست راسها:
— ربنا يتمملك على خير يا بنتي.
بسمة ابتسمت:
— آمين.
هدى بصت لابنها وقالت:
— عارف يا ليث؟ أنا كنت خايفة عليك من نفسك.
ليث ضحك:
— وأنا كمان يا ماما.
وبعد شهور، جه اليوم اللي استقبلوا فيه طفلتهم الأولى.
ليث كان واقف قدام غرفة العمليات، مش قادر يقعد من التوتر.
ولما الدكتور خرج وقاله:
— مبروك، مراتك كويسة، وجالك بنت زي القمر.
ليث عينيه دمعت.
دخل شاف بسمة شايلة الطفلة، وقرب منها وباس راسها.
قال بصوت مبحوح:
— الحمد لله على سلامتك يا حبيبتي.
بسمة ابتسمت:
— تحب تشيل بنتك؟
ليث شال الصغيرة بحذر شديد، وبص لوشها الصغير:
— هنسميها إيه؟
بسمة قالت:
— أنا كنت بفكر في اسم ليان.
ليث ابتسم:
— ليان.. اسم جميل أوي.
وبص لبنته وقال:
— يا ليان، أوعدك إني عمري ما أخليكي تحسي إنك أقل من أي حد، ولا إن قيمتك مرتبطة بفلوس أو شكل أو أي حاجة.
بسمة دمعت من كلامه.
ليث بص لها وقال:
— وأوعدك إنتِ كمان، إن عمري ما هنسى إنك دخلتي حياتي وإنتِ شايلة خوفك ووجعك، وأنا بدل ما أطمنك، كنت سبب في وجعك.
بسمة مسكت إيده:
— خلاص يا ليث، إحنا اتعلمنا.
ابتسم وقال:
— بس فيه حاجة لسه عايز أعملها.
— إيه؟
طلع من جيبه صورة قديمة، كانت صورة ليها في أول يوم دخلت فيه البيت، بالنقاب الأبيض.
بسمة استغربت:
— إنت محتفظ بالصورة دي ليه؟
قال:
— عشان كل ما أشوفها أفتكر إن الست اللي كنت فاكرها مجرد خدامة، كانت أغنى مني بكتير.
بسمة ضحكت:
— أغنى منك في إيه؟
ليث رد وهو بيبصلها:
— في كرامتها، وفي قلبها، وفي قدرتها إنها تسامح من غير ما تنسى نفسها.
وباس إيدها.
وفي عيد ميلاد ليان الأول، العيلة كلها اتجمعت في الحديقة.
سحر كانت موجودة، وبقت صديقة قريبة لبسمة، وكانت بتشتغل في مركز رعاية الأطفال وحققت نجاح كبير في حياتها.
أما هدى، فكانت شايلة حفيدتها ومش قادرة تبطل ضحك.
الجد قرب من ليث وقاله:
— ها يا ليث، بقيت مبسوط بالوريث؟
ليث بص لبنته وقال:
— دي مش وريثتي يا جدي، دي بنتي. ومهما خلفت بعدها، هي ليها نفس الحب ونفس المكانة.
الجد ابتسم وربت على كتفه.
بسمة كانت واقفة بعيد بتتفرج عليهم، وليث لمحها، فساب كل الناس وراح لها.
مسك إيدها وقال:
— تعالي يا ملكة.
ضحكت:
— ملكة إيه؟
— ملكة البيت اللي علمتني يعني إيه بيت.
وبعدين أخرج من جيبه صورة صغيرة كانت مكتوب عليها جملة واحدة:
في يوم رميت في وشها قميص نوم وقلت لها إنها مجرد خيمة… وبعد سنين اكتشفت إن الخيمة اللي كنت بسخر منها كانت ساترة قلب أنضف من قلبي بكتير.
بسمة ضحكت ودموعها نزلت.
قالت له:
— بس أوعى تنسى إنك كنت محتاج تتربى من الأول.
ضحك ليث وقال:
— أنا لسه بتعلم على إيدك.
وبين ضحكات العيلة وصوت ليان وهي بتلعب، ليث بص لمراته وقال:
— عارفة يا بسمة؟ لو رجع بيا الزمن، كنت هختار أحبك من أول مرة أشوفك فيها.
بسمة ردت وهي بتبص في عينيه:
— وأنا لو رجع بيا الزمن، كنت هختار نفسي الأول.
ليث اتفاجئ من الجملة، لكنها كملت بابتسامة:
— وبعدين لو ربنا كاتب لنا نلتقي، كنت هختارك وإنت الإنسان اللي بقيت عليه دلوقتي.
ابتسم ليث وحضنها.
والحقيقة إن بسمة ما كسبتش ليث لما لبست الحرير، ولا لما خلفت له الوريث، ولا لما ساعدته ينقذ شركته… هي كسبته يوم ما رفضت تسمح له يكسر كرامتها، ويوم ما عرف إن الحب مش إنك تملك إنسان، الحب إنك تبقى الشخص اللي يختار يعيش معاك وهو مطمن.
تمت بحمد الله.


