
ا وبتقولي انزلي سبعة الصبح يا خدامة ومفيش دلع، كانت داخلة القسم بجلابية بيت متبهدلة، وطرحتها معوجة، ووشها أصفر زي الليمونة المتعبة، ورجلها بتجرجرها بالعافية من كتر الخوف. وطارق.. طارق اللي كان بيضغط عليا بالورقة وبيقولي ابقي شوفي الكلام المسيء على الفيس بوك، كان ماشي باصص في الأرض، إيديه بتترعش، وبدلته اللي كان فرحان بيها متكرمشة كأنه محتاج.
أول ما عيني جت في عينها، حماتي حاولت تعمل نمرتها القديمة، بصت للظابط وبدأت تعيط وتلطم: يا بيه إحنا ناس محترمين! البنت دي أخذت دهبي وفلوس ابني، وإحنا غلابة ومستضعفينا عشان ملناش ضهر!
الظابط خبط على المكتب خبطة طيرت قلبها من مكانه وقال بزعيق: اخرسي خالص! تمثيلك ده تشيليه للشارع مش هنا! سيد العو معترف عليكي، ورسايل الواتس بصوتك وتليفونك متسجلة، وورقة الضغط بالاتهام غير الصحيح معمولة قبل ما المحضر يتعمل بإثبات حالة! إنتِ فاكرة الجهات والتحقيق لعبة في إيدك إنتِ وابنك ده؟!
طارق انهار.. الراجل اللي كان عايز يعلمني الأدب، وقع على ركبه قدام مكتب الظابط ودموعه نزلت زي العيال الصغيرة: يا باشا مليش دعوة! أمي هي اللي قالتلي نعمل كده! أمي هي اللي جابت النمرة بتاعة سيد وقالتلي لازم نكسر عينهم عشان البنت ترجع وتسمع الكلام ومتركبناش! أنا كنت رافض يا باشا والله العظيم أمي اللي وزتني!
بصيت لطارق بقرف.. والله ما حسيت بحزن، حسيت باشمئزاز! الراجل اللي رمى شرفه وباع مراته، في أول موقف من الدنيا باع أمه اللي كان بيتباها بيها!
حماتي بصت لابنها بصدمة، وصرخت فيه: بتبيعني يا طارق؟ بتبيع أمك عشان تنجي رقبتك يا قليل الأصل؟!
بابا وقف وبص للاثنين بجمود وقال: شوفتي يا فوزية هانم؟ ده ابنك اللي كنتي عايزة تحوليني لخدامة تحت رجليه؟ ده الراجل اللي بنتك سارة طلعت أرجل منه بميت مرة لما خافت من التصرف غير المناسب وكلمتنا تحذرنا؟ ربنا مبيسيبش حق حد، وإنتِ حفرتيلي حفرة، بس وقعتي فيها إنتِ وضناك!
المحامي شريف قعد يكتب المحاضر ويثبت التهم: تحريض على التصرف غير المناسب واستعراض القوة، إتلاف ممتلكات خاصة عربية بابا، ضغط واتهام غير صحيح ونشر أخبار غير حقيقية وتلفيق تهمة أخذ الحاجات.
التحقيق الصبح باشر الموضوع.. ومسؤول التحقيق مرضيش يخرجهم بكفالة في أول يوم عشان الراجل كان معروفًا بسوء سلوك، واتاخدت الإجراءات القانونية بحقهم أربعة أيام على ذمة التحقيق! طارق نزل الإجراء مع الموقوفين، وحماتي اتسحبت على إجراء النساء، تعيط وتصرخ وتبوس إيد العساكر عشان حد يدخلها علاج السكر!
في الأيام دي، الحكاية لفت المنطقة كلها عندهم وعندنا.. بس المرة دي، مش كلام مسيء ليا زي ما كانت ناوية، لأ! الكلام المسيء كان ليهم هما! الناس كلها عرفت إن الست دي افترت على عروسة ابنها من تالت يوم وبعتتلها واحد غير مناسب يأذي بيتها، وبقى سيرتهم على كل لسان في العمارة بتاعتهم وفي عيلتهم كلها.. عمات طارق اللي كانوا جايين معاه يتبغددوا في بيتنا، استخبوا ومحدش فيهم رضي حتى يروح يزور فوزية في الإجراء من كتر الخجل!
بعد أسبوعين من الموقف الصعب، أهل الخير اتدخلوا وعم طارق جه يبوس راس بابا في البيت، ومعاه شيك بتعويض إتلاف العربية، ومعاه كل حقوقي كاملة.. قعدوا يترجوا بابا يتنازل عن الشق الجنائي بتاع التصرف غير المناسب عشان طارق وظيفته متضيعش وأمه متتحاسبش سنة مع الشغل.
قعدت في نص الصالة، نفس الصالة اللي طارق رمى فيها الورقة من أسبوعين، بس المرة دي طارق كان قاعد على الأرض، وشه للأرض، مش قادر يرفع عينه في عيني، ودموعه نازلة من الخجل.
ياسمين.. أرجوكي، سامحيني.. أمي كانت عامياني، أنا مستعد أكتبلك الشقة باسمك، مستعد أبعد عن أهلي خالص ومشوفهمش تاني، بس متضيعيش مستقبلي وتسيبيني أتحاسب!
بصيتله من فوق لتحت بابتسامة باردة، ابتسامة انتصار ممزوجة بوجع التجربة، وقلتله: الشقة اللي كنت هموت وأعيش فيها لوحدي عشان كرامتي؟ خلاص، مبقتش تلزمني.. والراجل اللي يبيع مراته عشان يرضي كبر أمه، ويرجع يبيع أمه عشان ينجي رقبته، ميتأمنش عليه يوم واحد! إنت لا تنفع زوج، ولا تنفع سند، ولا حتى تنفع راجل.
طلعت قسيمة الجواز، ورميتها قدامه: ورقتى توصلني النهاردة بالمعروف، وكل ملاليم قايمتي ومؤخري ودهبي يرجعوا لحد عندي مليم بينطح مليم، وبابا هيتنازل عن موضوع التصرف غير المناسب عشان إحنا ولاد أصول ومش بنحب نرمي الناس في الإجراءات.. بس ربنا خلاص وراكم حجمكم الحقيقي.
وفعلاً.. اطلقت في نفس اليوم، ورجعتلي كل حقوقي تالت ومتلت. حماتي خرجت من الإجراء ست تانية خالص.. ضهرها محني، جالها تعب خفيف في لسانها مخلية كلامها تقيل، وبقت قاعدة في شقتها مبتقدرش تخرج منها من كتر ما الجيران بيبصولها بقرف وبطلوا حتى يسلموا عليها في مدخل العمارة. وطارق، شغله اتأثر واتنقل فرع بعيد في الأقاليم بسبب الموقف والمواضيع، وخسر كل حاجة.. خسرني، وخسر احترامه لنفسه، وبقى عايش يخدم أمه العيانة اللي كان عايزني أكون خدامة ليها!
عدت سنة كاملة على اليوم ده.. وأنا واقفة النهاردة قدام المراية، لابسة لبس التخرج بتاعي بعد ما كملت دبلومتي اللي كنت مأجلاها عشان الجواز، وفتحت مشروعي الصغير اللي كنت بحلم بيه. وقفت وبصيت لوشي.. ملامح ياسمين العروسة المتعبة اختفت، وجه مكانها ست قوية، عرفت إن الكرامة مش كلمة بتتقال، الكرامة موقف! وإن الست لما تتقي ربنا في نفسها وأهلها يكونوا سند ليها، ربنا بيقلب كيد الظالم في نحره، ويخليه يشرب من نفس الكاس اللي كان ناوي يسقيهولها.
سارة، أخت طارق، كانت الوحيدة اللي فضلت على تواصل معايا.. كلمتني من كام يوم، وقالتلي جملة رنت في ودني وخلتني أقول من قلبي الحمد لله: ياسمين.. ماما كل ما تبص لطارق وهو بيمسح البيت ويطبخ عشان مش قادرين يجيبوا شغالة ولا لاقيين واحدة ترضى بيه بعد اللي عملتوه، تبكي وتقول ده ذنب ياسمين.. ربنا جابلي الخدامة اللي كنت عايزاها في ابني اللي حيلتي!
ابتسمت، وقفلت السكة، ورفعت راسي للسما وأنا متأكدة إن الدنيا دوارة، وإن اللي يبات مظلوم ومتمسك بحقه، ربنا بينصره ولو بعد حين، ودايماً.. عدالة السما مبترمش ورا ضهرها حاجة أبداً!



