
بنت عمي عندها ظروف استيعاب خاصة، وكل ما تشوف جوزي تصرخ وتقول:
عيب.. عيب!
وتشد هدومها عليها بطريقة تخلي أي حد يشك في أخلاق جوزي، لحد ما في مرة تصرف بحدة وطلب منها المغادرة، وقتها مسكت عصاية ورسمت حاجة على الأرض خلتني أنا وجوزي نتجمد من الصدمة لما فهمنا كانت تقصد إيه من الأول!
أنا متجوزة واحد قريبي بيحبني وأنا بحبه، وحياتنا كانت ماشية هادية وجميلة، وعندنا ولدين زي القمر ومفيش بيننا أي مشاكل تقريبًا. بس للأسف، الدنيا مش بتفضل على حالها.
مشكلتنا بدأت من بنت عمي.. منه. منه دي إنسانة غلبانة عندها حوالي ٢٠ سنة، بس كانت زي الأطفال، ومعروفة للكل إن عندها ظروف استيعاب خاصة واضحة، وفي نفس الوقت كان قلبها أبيض، طيبة جدًا، وحنونة، والكل في العيلة بيحبها ويهتم بيها.
منه كانت متعلقه بيا جدًا وبتحب تلعب مع أولادي، ومن كتر حبها ليا كانت بتيجي عندي البيت يوميًا تقعد معايا.
واللي كان مزود حبها لينا إنها كانت بتحب جوزي كمان، وهو الحقيقة ما كانش بيتأخر عنها؛ كان طيب وحنين معاها، ودايمًا يجيب لها لعب وشوكولاتة. كانت بتقعد معاه بالساعات تتكلم وتضحك، وحتى لو أنا نزلت السوق أو عندي شغل برة البيت، كانت بتفضل قاعدة معاه عادي ومفيش أي قلق ولا خوف.
لحد من سنة تقريبًا، كل حاجة اتقلبت رأسًا على عقب.
من غير مبرر ولا سبب واضح، بقت منه أول ما تشوف جوزي تدخل في حالة غريبة؛ تفضل تترعش، وتبكي، وتصرخ وتقول:
عيب.. عيب!
والأغرب إنها كانت تشد هدومها عليها بطريقة مبالغ فيها تلفت نظر أي حد، وتخلي اللي يشوفها يشك فورًا في أخلاق جوزي!
الكل في الأول اتصدم صدمة عمره. أهلي وأهلها بقوا يحققوا في الموضوع ويسألوا جوزي، وهو أصلاً كان واقف مذهول ومكانش عارف إيه اللي بيحصل ولا إيه الغلط اللي عمله. وبقوا يحاولوا يسألوها هي عشان تفهمنا، بس مكنش طالع منها غير البكا والصراخ.
في الأول أنا كمان شكيت فيه.. بس هو حلف لي بأولاده وبأغلى ما عنده إنها زي أخته، وإنه عمره ما ضايقها بكلمة ولا حركة، وميعرفش إيه اللي جرى لها فجأة عشان تعمل كده. وأنا صدقته؛ لأنه عمره ما حلف بأولاده كدب أبدًا، وعمري ما شفت منه حاجة تخليني أشك لحظة في أخلاقه.
بقينا نحاول نمنعها تيجي البيت خالص عشان الحالة المرعبة اللي بتدخل فيها دي، بس البنت كانت عنيدة جدًا، ومتعودة تقعد معايا، ولأن بيتنا جنب بيتهم، فكانت لما يحاولوا يمنعوها تيجي من غير ما تقول لحد.
وعشان نمنع أي إحراج أو مشاكل، جوزي بقى يخرج من البيت وما يرجعش إلا لما أقول له إنها روحت بيتها.
لحد ما جه يوم عيد ميلاد ابننا، وكنت معازمة الأهل والجيران والأصحاب، والبيت كان مليان ناس.
البنت جت مع أمها عادي كالعادة، وأول ما جوزي دخل انهارت بنفس الطريقة المرعبة! بقت تصرخ وترتعش، وأمها جريت خدتها وطلعت بيها برة البيت في ثواني.
ساعتها، كل النظرات المحرجة، اللي مليانة شك واستفهام، اتوجهت لجوزي. وهو بقى واقف وسط الناس يحلف ويحلف إن ملوش أي دخل باللي بتعمله ده، ومنهم اللي صدقه عشان عارفين أخلاقه، ومنهم اللي فضل باصص له بنظرات مش مريحة.
تاني يوم، جوزي مرضيش ينزل الشغل نهائي؛ مكنش طايق يواجه نظرات زملائه أو يسمع أسئلتهم السخيفة عن ليلة امبارح وعن اللي عملته البنت دي. كان قاعد قدام التلفزيون ومهموم جدًا، وفجأة سمعنا خبط على الباب.
فتحت، ولقيتها هي.. بنت عمي منه! دخلت جري زي العادة وهي بتضحك كأن مفيش أي حاجة حصلت، وأول ما وقعت عينها على جوزي وهو قاعد، صرخت بصوت عالي كالعادة!
هنا بقى.. جوزي طفح الكيل معاه، وفقد أعصابه تمامًا بسبب اللي عملته امبارح قدام كل الناس وضغط الأعصاب اللي عاش فيه. قام من مكانه بغضب أعمى، ومسكها من هدومها بقوة، وقال لها بصوت عالي مرعب:
بتصرخي ليه؟ أنا عملتلك إيه؟! ما تردي عليا.. أنا عملتلك إيه عشان تعملي كدة كل ما تشوفيني؟!
البنت رعبها منظره وغضبه، وبقت تتنفض في إيده وتصرخ وهي بتقول بذعر:
عيب.. عيب!
صرخ فيها بجنون وعصبية أعمى:
عيب؟! طيب، أنا هوريكي العيب بجد!
وشدها بقسوة ورماها برة باب الشقة بغضب وهو بينهج وقال بصوت مرعب:
متجيش البيت هنا تاني أبدًا! لو جيتي هنا تاني هتصرف معاكي بحزم، سمعتي؟! متدخليش هنا تاني نهائي!
أنا كنت واقفة مرعوبة وكنت بحاول أهدي فيه وأشده بعيد عنها، وهو كان بيموت من الغضب. البنت وقفت برة الباب تبصلنا وهي بتعيط بدموع، وهو زعق فيها للمرة الأخيرة:
بقولك امشي.. متجيشي تاني غير لما تقولي أنا عملت إيه!
ساعتها، البنت سكتت شوية، وبصت حواليها كأنها بتدور على حاجة.. لحد ما لقت عصاية خشب صغيرة مرمية جنب الباب، وراحت مسكتها فورًا، وبقت ترسم بيها حاجة غريبة على الأرض برة الشقة!
احنا الاتنين استغربنا جدًا.. وقفنا أنا وهو وبقينا نبص باستغراب عشان نشوفها بترسم إيه على الأرض.
ومفيش دقايق وبصينا لبعض بذهول وصدمة وكنا هنتجنن حرفيًا لما عرفنا بالظبط كانت تقصد إيه من الأول!!!!!
أول ما منه خلصت الرسمة، أنا حسيت إن رجلي مش شايلاني، وجوزي وقف مكانه كأنه اتشل، لأن الرسمة كانت عبارة عن بنت نايمة على سرير، وعينيها متغطية بقطعة قماش، وفي شخص واقف جنبها وبيحاول يقرب منها بطريقة غلط!
بصيت لجوزي وأنا مش قادرة أتكلم، وهو نزل على ركبته وبص للرسمة كويس، وبعدين رفع عينه ناحية منه وقال بصوت هادي عكس عصبيته من شوية:
يا منه، إنتي بترسمي إيه يا حبيبتي؟ هو في حد عمل فيكي كده؟
منه فضلت باصة للرسمة، وبعدها أشارت على البنت اللي نايمة، وحطت إيدها على عينيها وقالت:
مش شايفة… عيب.. عيب!
أنا حسيت إن قلبي وقع في رجلي، وقعدت جنبها بسرعة وقلتلها:
مين يا منه اللي كان مغمّي عنيكي؟ كان جوزي؟
أول ما سمعت كلمة جوزي، بصت ناحية جوزي وبدأت تعيط، وهزت راسها بالموافقة.
جوزي حط إيده على راسه وقال بصدمة:
يا نهار أسود! أنا دلوقت بس فهمت… هي فاكرة إن اللي أذاها أنا عشان الشخص اللي عمل كده كان مغميها؟!
أنا مسكت إيد منه وبدأت أسألها واحدة واحدة:
يا حبيبتي، هو كان مغمّي عنيكي الأول، وبعدين عمل فيكي كده؟
هزت راسها: آه.
وكان بيقولك إنه هو جوزي؟
هزت راسها تاني.
ساعتها جوزي قام وفضل يلف في الصالة بعصبية، وقال:
أنا كنت حاسس إن فيه حاجة حصلت لها، بس عمري ما تخيلت إن الموضوع يوصل لكده! اللي عمل كده ده كان في بيتنا هنا… عشان كده هي فهمت إن الجاني أنا…. طب مين اللي دخل البيت وعمل فيها كده؟!
وهنا بدأنا نفكر بصوت عالي.
إحنا عمرنا ما كنا بنسيب منه لوحدها، دايمًا بتكون مع جوزي أو معايا.. ومكانش حد بيجي بيتنا ويقعد فيه من غير وجودنا. فضلنا نفتكر مين زارنا، ومين قعد مع منه لوحده، ومين كان موجود في البيت في الفترة اللي اتغيرت فيها حالتها تحديدًا قبل سنة.
لحد ما جوزي فجأة سكت، وبصلي وقال:
استني… فاكرة خالد؟



