
_ وإنت هترمي فلوسك على واحدة غريبة ليه؟ هو أنا قصرت معاك في إيه؟ وبعدين مين يضمنلك الغريبة دي هتراعي الواد إزاي؟ ده أنا جدته، وهشيله في عيني. إنت روح شغلك وإنت مطمن، وأنا هبقى شايلة البيت كله على دماغي.
سيف اتأثر بكلام أمه جدًا، وحس إنها ست عظيمة، وإنه محظوظ إن عنده أم مستعدة تسيب بيتها وراحتها عشان تساعده في أصعب وقت.
طول عمره شايف أمه ست مسؤولة وملتزمة، اشتغلت مدرسة ابتدائي سنين طويلة، وطلعت على المعاش بعد ما ربّت أجيال. كانت بتحب النظام والنظافة، وبتعرف تمسك زمام الأمور، وعمره ما تخيل إنها ممكن تظلم حد، خصوصًا مراته اللي لسه خارجة من تجربة ولادة صعبة.
وفوق كل ده، ندى ما كانش عندها حد يقف جنبها من أهلها. أبوها وأمها اتطلقوا وهي لسه صغيرة، وكبرت في حضانة أبوها، وما كانش فيه حد من ناحية أمها يقدر ييجي يقعد معاها ويهتم بيها بعد الولادة.
وعشان كده، لما الحاجة سميرة وصلت الشقة بشنطها وقالت إنها هتقعد معاهم الفترة دي، سيف حس إن حمل تقيل اتشال من على كتافه.
كان مطمن إن أمه هتراعي مراته وابنه، وإنه يقدر يروح شغله ويرجع يلاقي البيت مستقر وكل حاجة ماشية كويس.
كان فاكر إن وجود أمه جنب ندى هيكون أكبر سند ليها.
لكنه دلوقتي، وهو واقف في أوضة النوم، اكتشف إنه كان مخدوع.
مراته اللي لسه خارجة من عملية صعبة وبتُرضع ابنه، أكلها رز حاف وطرشي، وفي نفس الوقت أمه بترمي الشوربة اللي هو واقف من الفجر يعملها مخصوص لمراته في الزبالة، لمجرد إنها مش بتحب ريحتها!
حاول سيف يسيطر على أعصابه، وقال بهدوء:
_ يا أمي، ما ندى كانت عايزة شوربة السمك دي، إنتِ ليه ترميها في الزبالة كده؟
الحاجة سميرة حطت السلطانية على الترابيزة بعنف، لدرجة إن صوتها دوّى في الأوضة.
وبصتله بحدة وقالت:
_ سيف! إنت بتكلّم أمك بالطريقة دي إزاي؟
سيف اتفاجئ من رد فعلها، وسكت مكانه.
لكن أمه ما سكتتش، بالعكس، صوتها علي أكتر وهي بتقول:
_ أنا سايبة بيتي وراحتي وجاية هنا عشان أخدمك إنت ومراتك وعيالك، وبدل ما تقولي تسلم إيدك يا أمي وربنا يخليكي لينا، تقوم تحاسبني على شوية شوربة؟! إيه ده، هو أنا بقيت متهمة عندك ولا إيه؟!
سيف حاول يوضح لها قصده وقال:
_ يا أمي، أنا بس بسألك، والله ما كان قصدي ألومك.
ردت عليه بسرعة ومن غير ما تديله فرصة يكمل:
_ أمال بتسأل ليه؟! ولا تكون فاكر إني بتعمد أجوع مراتك؟! أنا ست عشت عمري كله وربيت أجيال، وعارفة الأصول والتربية والضمير كويس أوي. إنت فاكرني واحدة معندهاش قلب ولا ضمير عشان أعمل حاجة زي دي؟!
سيف سكت، وما عرفش يرد عليها.
رغم إنه بقى راجل في التلاتينات، لكن قدام صوت أمه العالي كان بيرجع تلقائيًا لنفس الطفل الصغير اللي اتربى على إنه يسكت أول ما أمه تعلي صوتها.
الحاجة سميرة كانت صارمة معاه من وهو صغير، وكلمتها ما كانش ينفع تترد، واعتراضه عليها كان دايمًا بيتحول لخناقة كبيرة، لحد ما اتعود إنه يفضل ساكت حتى لو شايف إنها غلطانة.
ولما شافت إنه سكت وما ردش عليها، زادت في عصبيتها وقالت:
_ والله أنا مش فاهمة جيل اليومين دول! الواحد يعمل كل اللي يقدر عليه، وفي الآخر يطلع هو الغلطان! خلاص، أنا مش هتكلم تاني. أنا نازلة السوق، وإنتوا اقعدوا مع بعض بقى، واتكلموا براحتكم!
خدت شنطتها وخرجت من الأوضة، وبعدها رزعت باب الشقة وراها رزعة خلت البيت كله يهتز.
لكن سيف ما اتحركش من مكانه، وما جريش وراها زي كل مرة عشان يصالحها ويراضيها.
فضل واقف شوية، وبعدها لف ناحية السرير وبص لندى.
كانت لسه ساكتة، وعينيها معلقة في الشباك، كأنها مش عايزة تبصله أو مش قادرة حتى تفتح بقها وتشرحله اللي حصل.
سيف سحب كرسي وقربه من السرير، وقعد جنبها، وبعدها مد إيده ومسك إيدها برفق.
أول ما لمس إيدها، قلبه وجعه.
إيد ندى كانت ساقعة جدًا، وعظمة رسغها بارزة تحت جلدها، وإيديها وكتافها بقوا ضعاف بشكل يخوف.
حس إنه لو ضغط على إيدها شوية زيادة ممكن توجعها، فخفف مسكته وبصلها بوجع، وبدأ يسأل نفسه سؤال واحد مش قادر يبعد عن دماغه:
هو أنا كنت فين، ومراتي بتدبل قدامي بالشكل ده؟
مقارنة بقبل الولادة، ندى كانت خست تقريبًا نص وزنها، ووشها دبل وجسمها بقى ضعيف لدرجة توجع القلب.
سيف مسك إيدها بالراحة وقال بصوت هادي على قد ما قدر:
_ ندى، بصيلي يا حبيبتي.
استنى لحد ما عينيها تيجي في عينه، وبعدها كمل:
_ ما تخبيش عليا أكتر من كده. أمي كانت بتعاملك إزاي وأنا مش موجود؟
ندى لفت وشها الناحية التانية، ونزلت دمعة على المخدة من غير ما تنطق.
وبعد شوية قالت بصوت مكسور:
_ مفيش حاجة يا سيف، يمكن أنا اللي فاشلة ومش بعرف أعمل حاجة تعجب طنط.
_ ما تقوليش على نفسك كده، وما تشيليش نفسك ذنب حاجة إنتِ مالكيش ذنب فيها.
ندى سكتت، وفضلت باصة بعيد عنه فترة طويلة، لحد ما نادته بصوت واطي أوي:
_ سيف…
_ عيوني يا حبيبتي، قوليلي.
ندى بصت ناحية باب الأوضة كأنها خايفة حد يدخل عليهم فجأة، وبعدها قالت:
_ طنط قالتلي إني ما استاهلش أكون مراتك.
سيف اتسمر مكانه، وبص لها مش مصدق اللي سمعه.
ندى كملت وهي باصة ناحية الشباك:
_ دايمًا تعايرني بأصل عيلتي، وتفضل تقولي إن عيلتكم ناس متعلمين ومتربين وليهم أصول ونظام، إنما أنا بنت اتربت من غير أم، وما اتعلمتش الأصول ولا اتربيت صح. وقالتلي كمان إني لو ما كنتش حملت منك، ما كانش واحدة زيي تحلم أصلًا إنها تتجوز واحد من عيلتكم.
سيف حس إن دماغه بتلف، وحاول يستوعب الكلام اللي بيسمعه من مراته.
سألها بصعوبة:
_ هي أمي قالتلك الكلام ده إمتى؟
ندى غمضت عينيها من التعب وقالت:
_ مش يوم واحد يا سيف.
وسكتت لحظة، قبل ما تضيف:
_ دي تقريبًا كل يوم بتقولهولي.
سكتت الأوضة، وبقى مفيش غير صوت نفس ندى المتقطع.
وبعد شوية، اتكلمت تاني:
_ امبارح كمان، طنط كانت بتزعقلي وبتقولي أول ما إجازة الوضع تخلص، لازم أنزل أدور على شغل على طول، وإنها مش هتقبل إن مرات ابنها تقعد في البيت وتصرف من جيب جوزها.
سيف عقد حواجبه وسألها:
_ وإنتِ قولتلها إيه؟
_ قولتلها إن يونس لسه صغير، وإن أنا محتاجة أقعد معاه شوية وأهتم بيه، خصوصًا إني لسه تعبانة ومش قادرة أقف على رجلي كويس.
ندى بلعت ريقها وكملت:
_ بس هي ما رضيتش تسمعني، وقالت إني باخد الواد حجة عشان أفضل قاعدة في البيت وأتدلع، وإن بنات اليومين دول ما بيحبوش الشغل ولا الشقا، وكل اللي عايزينه يقعدوا في البيت وياخدوا فلوس جوازهم.
سيف قبض على إيده بقوة، لدرجة إن مفاصل صوابعه ابيضّت.
أفكار كتير جريت في دماغه، وكان بيحاول يلاقي أي مبرر يقدر يريح بيه نفسه.
يمكن أمه قالت الكلام ده وهي متعصبة؟
يمكن ندى فهمت كلامها غلط؟
يمكن الموضوع مش بالسوء اللي هي بتحكيه؟
كان نفسه يصدق أي حاجة من دول، بس كل ما يبص لوش مراته الشاحب وجسمها اللي خِس بالشكل ده، كان بيحس إن الحقيقة قدامه ومش قادر يهرب منها.
لأن ندى عمرها ما كانت بتاعة مشاكل، ولا بتحب تدخل حد في خلافاتها، ولا عمرها حاولت توقعه بينه وبين أمه.
وفجأة، ندى بصتله مباشرة وسألته:
_ هو إنت عمرك خدت بالك أنا باكل إيه يا سيف؟
سيف رفع عينيه وبصلها، لكنه ما عرفش يرد.
ندى كملت:

