
لقمة من إيد حماتي الكاتبة نرمين عادل همام
لو سيف ما كانش نسي موبايله الصبح، كان زمانه لسه عايش مخدوع في أمه، وفاكر إنها شايلة مراته وعياله فوق راسها، وإنها بتخدمهم في البيت من قلبها، ومش مقصّرة معاهم في حاجة.
سيف ما كانش مشي بالعربية غير حتة صغيرة، وفجأة حط إيده في جيب الجاكيت، لقى الموبايل مش معاه. افتكر مكالمات الشغل اللي ممكن تفوته، فلف بالعربية ورجع البيت على طول.
بس رجوعه ده كان هيكشفله وش تاني لأمه، الوش اللي عمره ما شافه قبل كده، رغم إنه طول عمره بيحترمها وبيحطها فوق راسه.
أول ما وصل عند باب أوضة النوم، سيف وقف مكانه واتسمر من الصدمة.
لقى أمه، الحاجة سميرة، واقفة قدام سلة الزبالة، وفي إيدها سلطانية شوربة بيضا تقيلة، وبتكبّ اللي فيها كله في الزبالة، كأنها بتتخلص من حاجة ملهاش أي لازمة!
سيف بص للمشهد قدامه مش مصدق عينيه، وبعدين بص لأمه وقال باستغراب:
«بتعملي إيه يا أمي؟»
صوت سيف المفاجئ خلّى الحاجة سميرة تتخض وتتسمر مكانها.
أما سيف، فكان واقف مش قادر يتحرك من الصدمة، ومفاتيح العربية وقعت من إيده على الأرض.
فهم في لحظة هي كانت بترمي إيه.
دي شوربة سمك المرجان اللي مراته ندى بتحبها، واللي هو بنفسه وقف الصبح بدري يعملها بإيده، من كتر حبه فيها وفرحته بالمولود الجديد.
سيف كان صاحي من الفجر، وبعد ما صلى، فتح التلاجة وطلع السمك اللي كان جايبه من السوق مخصوص عشان ندى. هو أصلاً مش من هواة شوربة السمك، ولا بيحب ياكلها، بس مراته بتحبها، وأي حاجة ندى بتحبها كانت بتبقى غالية عليه. قال يعملها بنفسه عشان تاكل كويس وتسترد صحتها، خصوصًا إنها لسه والدة من قريب وبتُرضع البيبي.
ما كانش يعرف إن مراته مش هتلحق تدوق منها حتى معلقة واحدة، وإن أمه هترمي تعبه كله في الزبالة من غير ما يرفلها جفن.
بصلها بصدمة وقال:
_ بتعملي إيه يا ماما؟
في الأول، الخضة ظهرت على وش الحاجة سميرة، لكن ما عدّاش غير ثواني، ولمّت نفسها ورجعت لبرودها المعتاد، كأنها ما عملتش أي حاجة غلط.
بصتله وقالت بكل بساطة:
_ إيه ده، إنت رجعت؟ أصل الشوربة دي ريحتها زفرة أوي، وأنا متأكدة إن ندى مش هتقدر تحط معلقة منها في بقها. وبدل ما تفضل مركونة وتبوّظ، قلت أرميها وأنضف البيت من ريحتها. وبعدين أنا مش بحب شوربة السمك أصلًا، حتى لو حطيت فيها بصل وورق لوري وكل البهارات اللي في الدنيا، برضه ريحتها بتخنقني، وأنا مش هفضل طول اليوم مستحملة الريحة دي!
سيف بص لأمه، وبعدها لف وشه ناحية السرير.
كانت ندى، مراته، نايمة على جنبها تحت الغطا الخفيف، وشكلها كان يقطع القلب.
من ساعة ما سابها الصبح ونزل الشغل، ملامحها اتغيرت بشكل ملحوظ. وشها كان مرهق وشاحب، وشفايفها ناشفة ومشققة، وعينيها وارمة وحمرا، كأنها فضلت طول الليل تعيط ومغمضتش عينها.
أول ما ندى شافت جوزها، حاولت تفتح بقها وتتكلم، لكن صوتها ما طلعش.
ما قالتش ولا كلمة، وكل اللي عملته إنها بصت ناحية الكومودينو اللي جنب السرير.
سيف مشي بعينيه ورا نظرتها، فلقى طبق فاضي عليه شوية رز ناشف وحبتين طرشي صغيرين.
ساعتها حس إن قلبه اتعصر بين ضلوعه.
طبق رز حاف وشوية طرشي! هو ده أكل مراته اللي لسه والدة بعملية قيصرية وبتُرضع ابنه؟!
وفجأة، افتكر كلامها الصبح قبل ما ينزل الشغل.
ندى كانت ماسكة إيده ومش عايزة تسيبها، وبصتله بعينيها المرهقة وقالت بصوت واطي:
_ سيف، هو إنت ممكن تحاول ترجع بدري شوية النهارده؟
ساعتها ابتسم وطبطب على إيدها، ووعدها إنه هيحاول يخلّص شغله ويرجع بدري.
كان فاكر إنها بس محتاجة وجوده جنبها عشان لسه تعبانة بعد الولادة، وإنها محتاجة تحس إنه معاها في الفترة الصعبة دي.
لكن دلوقتي، وهو شايف حالتها بعينيه، فهم إن الموضوع أكبر من كده بكتير.
نظرة ندى الصبح ما كانتش مجرد اشتياق لجوزها، دي كانت نظرة واحدة بتستنجد بيه، واحدة مش قادرة تقول اللي بيحصل معاها، ومستنية منه يفهم لوحده إنها مش بخير.
من تلات شهور، ندى خلفت ولد زي القمر، وسمّوه يونس.
كان المفروض إن وصول يونس يفتح لهم باب جديد للسعادة، وإن البيت يتملي ضحك وفرحة، لكن اللي حصل لندى وقت الولادة كان كابوس بكل معنى الكلمة.
فضلت تعاني من الطلق لمدة تمنتاشر ساعة كاملة، لحد ما جسمها اتهد ومبقتش قادرة تستحمل. وفي الآخر، لما الدكتور اكتشف إن وضع البيبي مش طبيعي، قرر يدخلها عملية قيصرية طارئة.
سيف لسه فاكر اليوم ده بكل تفاصيله، وكأنه حصل امبارح.
كان واقف قدام أوضة العمليات، قلبه بيتنفض من الخوف، لحد ما الباب اتفتح وخرجت الممرضة شايلة ابنه الصغير، وقالتله إن الأم والبيبي بخير الحمد لله.
ساعتها حس إن الدنيا كلها مش سيعاه من الفرحة، وكان نفسه يعيط من كتر ما هو ممتن إن مراته وابنه خرجوا بالسلامة.
لكن الفرحة ما كملتش.
أول ما ندى خرجت من العمليات، لاحظ إن وشها أصفر ومفيهوش نقطة دم، وبعدها عرف إنها اتعرضت لنزيف حاد بعد الجراحة.
دخلت العناية المركزة، وفضلت هناك تلات أيام وتلات ليالي.
تلات أيام كانوا بالنسباله أطول أيام عمره، ما كانش عارف ينام ولا ياكل، وكل اللي كان بيتمناه إنه يسمع الدكتور بيطمنه عليها.
وما ارتاحش غير لما الدكتور أكدله إن حالتها استقرت وإنها عدّت مرحلة الخطر.
وقبل ما يخرجوا من المستشفى، الدكتور طلب من سيف يتكلم معاه على جنب، وقاله بجدية:
_ بص يا أستاذ سيف، مراتك جسمها لسه ضعيف جدًا بعد اللي حصل لها، ولازم تهتم بأكلها وراحتها كويس. التلات شهور الجايين مهمين جدًا في فترة تعافيها، ومينفعش يحصل عندها نقص في التغذية. وكمان لازم تاخد بالك من حالتها النفسية، لأن اللي مرت بيه بيخليها أكتر عرضة لاكتئاب ما بعد الولادة. هي محتاجة دعم وراحة، ومحتاجة تحس إن اللي حواليها واقفين جنبها.
سيف ساعتها حفظ كلام الدكتور كلمة كلمة، وقرر إنه يوفر لندى كل اللي تحتاجه.
في الأول، كان ناوي يجيب ممرضة أو واحدة متخصصة تساعدها في فترة النقاهة، وتهتم بيونس وتساعدها في رعايته.
لكن الحاجة سميرة رفضت الفكرة من أساسها.
قالتله بثقة:


