
أنا ما نمتش معاها غير ليلة واحدة.. وكنت سكران ومش في وعيي، وفكرت…”
سكت، فكملت أنا عنه بسخرية ومرارة:
ـ “فكرت إنها أنا؟ أظن دي أقدم وأرخف حجة بيقولها أي راجل بيخون!”
ابتسمت ابتسامة مكسورة وتابعت:
ـ “طب والعقد الألمظ اللي بـ 5 مليون؟ طلع له رجلين ولف حوالين رقبتها لوحده؟ واليخت اللي أجرته عشان تحتفل معاها؟ والرهان اللي اتراهنته في الليلة اللي أمي ماتت فيها؟ كل ده كان من أثر الشرب برضه؟”
ما قدرش يرد، فقلت له بمنتهى القسوة والوضوح:
ـ “أدهم.. أنت ما خنتنيش بس، أنت وخاينتك حولتم كرامتي للعبة ورخيص. اللي دمر جوازنا مش الليلة دي، اللي دمره هو استخفافك بيا واحتقارك لكرامتي.. بلاش تشوه آخر لقاء بينا بأكاذيب مالهاش قيمة.”
سبته ومشيت تحت المطر من غير ما التفت ورايا ولا خطوة. الطلاق ما كانش النهاية.. كان مجرد اليوم اللي بدأت فيه أسترد اللي يخصني.
بعد ما رتبت حاجات أمي الله يرحمها، لقت صندوق خشب مقفول في قاع الدولاب القديم. جوة الصندوق كان فيه 13 دفتر رسم قديم، وقرص صلب (هارد ديسك)، وأوراق تسجيل حقوق الملكية الفكرية لمئات من تصاميم المجوهرات!
الصفحة الأولى من الدفتر الرئيسي كان مكتوب عليها بخط إيد أمي: “تأنّق”.. وده كان اسم علامة المجوهرات التجارية اللي أمي أسستها من 20 سنة، واختفت من السوق بعد وفاة بابا، لما شريكها استغل ظروفها واشتراها ببلاش وطردها. أمي فضلت طول عمرها تشتغل مصممة حرة عشان تصرف عليا، وما جابتش سيرة عن الماضي.
الهارد كان عليه فيديو سجلته أمي قبل ما تدخل أوضة العمليات الأخيرة. كانت قاعدة قدام شباك المستشفى، وشها شاحب بس عينها مليانة حنان:
“يارا يا حبيبتي.. لو بتشوفي الفيديو ده، يبقى أمك خلاص راحت عند ربنا. أنا عارفة إنك تنازلتِ عن شغلك وحلمك في التصميم عشان خاطر أدهم.. أنا عمر الملامة ما دخلت قلبي ناحيتك، لأن كل إنسان من حقه يختار سعادته.. بس لو اكتشفتِ في يوم إن السعادة دي كانت وهم وما تستاهلش، افتكري إن إيديكِ وموهبتكِ لسه معاكي. علامة ‘تأنّق’ مش أهم حاجة سبتهالك.. أهم حاجة سبتهالك هي قدرتك إنك تبتدي من جديد.”
حضنت اللابتوب وبكيت طول الليل بحرقة. وتاني يوم الصبح اتصلت بـ “دكتور أمجد”:
“أمجد.. تعرف مكان أستوديو أو ورشة صغيرة للبيع أو الإيجار بسعر معقول؟”
سألني بنبرة دافية:
ـ “انتِ قررتِ ترجعي للتصميم تاني يا يارا؟”
ـ “أيوة.”
رد بابتسامة سمعتها في صوته:
ـ “فيه ورشة عند صاحب ليا عايز يبيعها أو يأجرها.. وفيها معدات قديمة.”
ضحكت وسط دموعي وقام قايل بصدق:
ـ “يا بخت اللي يعرف يساعدك في حاجة تحبيها.”
الورشة كانت في حارة قديمة هادية، مساحتها صغيرة، وفيها عداد وتراخيص قديمة ومعدات تلميع وتشكيل خشب ومعادن. استخدمت الفلوس الباقية معايا وأجرتها لمدة 6 شهور.
في يوم التوقيع، أمجد كان واقف مستند على الباب، وبيراقبني وأنا بكنس وأظبط الورشة من الصبح للمساء.
قال لي بحنية:
ـ “يارا.. انتِ لسه جسمك مجهد وطالعة من ظروف صعبة، بلاش تجهدي نفسك كده.”
رديت وأنا ببتسم:
ـ “أنا كويسة يا دكتور.. العمل حركة.”
سحب المكنسة من إيدي وقال:
ـ “اقعدي انتِ ارسمي، وأنا هكمل تنظيف.”
كانت دي أول مرة أضحك فيها بجد من قلبي من يوم الأحداث. والابتسامة دي شافها أدهم، اللي كان واقف بعربيته الأسود في أول الحارة وبيراقب الورشة بعيد لمدة ساعتين!
السكرتير بتاعه حكى لي بعدين إن أدهم كان جاي يسلمني الملفات الطبية لأمي اللي طلب من حد يجهزها، بس لما شاف أمجد ينحني بالراحة يشيل غبار من على شعري وأنا بضحك، ما تجرأش ينزل من العربية وطلب من السواق يرجع فوراً.
وفي نفس اليوم، أعلنت شاهيندا رسمياً عن إطلاق مجموعتها الأولى من المجوهرات بعنوان “القمر المكسور”.
الصور انتشرت على النت، وكانت القلادة الرئيسية عبارة عن هلال متقطع لتلات أجزاء وفي وسطه فصوص ألمظ.
بصيت للصورة كتير، وبعدين فتحت دفتر رسم أمي رقم 7.. في صفحة من سنة 2008، كانت فيه رسمة طابق الأصل بعنوان “القمر المتراجع”، والفرق الوحيد إن رسمة أمي كانت خطوطها أرق وانسيابية أكتر، والتلات أجزاء لما يتجمعوا يعملوا أول حرف من اسمي! وضهر الصفحة عليه أختام حقوق الملكية الفكرية الموثقة!
شاهيندا زارت بيتنا كتير زمان، وكانت عارفة إن أمي محتفظة بالدفاتر. ولما أمي تعبت، أنا أديتها مفتاح البيت عشان تجيب لي هدوم وأوراق!
اتضح إنني أديتها بإيدي الس/كينة اللي طعنتني بيها!
اتصلت بمحامي متخصص في الملكية الفكرية وقدمت له الأوراق والدلائل. المحامي قال إن قضيتنا مضمونة، بس الشركات اللي ورا شاهيندا كبيرة وممكن يطول الموضوع:
ـ “أستاذة يارا.. انتِ متأكدة إنك عايزة تخوضي الحرب دي قدامهم؟”
رديت بثبات:
ـ “جداً.. حق أمي مش هسيبه.”
بعد تلات أيام، أعلنت المحكمة رفع الدعوى القضائية وتجميد النشر. شاهيندا اتصلت بيا فجأة وهي بتصرخ:
ـ “يارا انتِ اتجننتِ؟ فاكرة إن أوراق عند أمك هتوصلك لحاجة؟ انتِ بتفتحي حرب ضد أدهم وشركته!”
رديت ببرود:
ـ “المحكمة هي اللي تحكم.. ومن اليوم اللي وقعت فيه ورقة الطلاق، أدهم وشركته ما بقوش يعنولي أي حاجة.”
في نفس اليوم، النور انقطع عن الورشة بفعل فاعل، وصاحب الورشة جاله اتصال مجهول بيهدده عشان يفسخ العقد معايا، والموردين اللي اتفقت معاهم اعتذروا فجأة!
ما كانش محتاج تخمين مين ورا الحركة دي.
جمعت أوراقي في الضلمة، وجاب أمجد كشاف تخييم وقعد جنبي يرتّب معايا الأحجار والأوراق.
سألني:
ـ “لو قلت لك اقفلي واخرجي من الحارة دي.. هتوافقي؟”
ـ “لا طبعاً.”
ـ “يبقى مش هقترح عليكِ الاستسلام.. اتفضلي كارت ‘دكتورة مديحة’ مدير صندوق دعم الموهوبين والمستقلين.. أنا مهدت لها الطريق، وعليكِ انتِ تقنعيها بتصاميمك.”
سألته باستغراب:
ـ “أمجد.. انت ليه بتساعدني كل المساعدة دي؟”
ابتسم وقال لي وهو بيبص لي بحنية:
ـ “من 7 سنين، في….يتبع للجزء الثاني والاخير


