قصص و روايات

ولنا ف الحب حياة ج2

الكاتبه نرمين عادل همام

ـ «بنت.. سميتها ‘نور’.»

ما رديتش عليها.. فقالت بصوت يترجف:

ـ «أنا اتفقت مع الجمعية، وهناك عيلة من المدرسين هيتبنوها ويتكفلوا بيها.. مش هيعرفوا حاجة عني ولا عن اللي عملته، هتاخد اسم جديد وعيشة نضيفة.»

ـ «مادام اتخذتِ القرار، كملي الإجراءات الرسمية مع المحامي والجهات المختصة.»

ـ «مش عايزة تشوفيها يا يارا؟»

ـ «لا.»

استدارت شاهيندا ودموعها نازلة:

ـ «انتِ قاسية أوي يا يارا..»

ـ «دي مش قسوة يا شاهيندا.. أنا ساعدتك توصلي للجمعية الصح عشان البنت البريئة دي ما تشيلش ذنب حد، بس ده مش معناه إني هرجع صاحبتك ولا هتحمل مشاعرك ولا مسؤوليتك.»

انفجرت شاهيندا في البكاء:

ـ «أنا بقيت لوحدي تماماً في الدنيا..»

رديت عليها وذهني بيرجع لليلة زفافي:

ـ «وأنا كمان كنت لوحدي تماماً.. في الليلة اللي أمي سابتني فيها، وفي الليلة اللي جوزي كان فيها على اليخت بيمرح معاكي.. أنتِ اللي اخترتِ تسيبيني في الموقف ده.. والآن كل واحد بياخد جزاء اختياراته.»

سبت معلومات المحامي على الطاولة ومشيت، وما رجعتش المستشفى تاني.

بعد فترة، عرفت إن البنت أخدتها العيلة الجديدة، وسافروا بيها الصعيد، وأدوها اسم جديد وحياة بعيدة عن ديون وذنوب أهلها.. وده كان أفضل قدر للبنت البريئة دي.

في اليوم اللي صدر فيه الحكم على عم أدهم بالعقوبة 12 سنة في قضايا التجاوزات والتلاعب في المستندات، أدهم بعت لي ظرف مقفول مع المحامي. جوة الظرف كان فيه جواب اعتذار مكتوب بخط إيده، وعقد بيت أمي القديم اللي جابه وسجله باسمي ورجعه لي من غير أي شروط!

رجّعت له عقد البيت.. وقريت جواب الاعتذار مرة واحدة بس. كتب لي إنه بعد ما خرجت ليلة الزفاف، رجع المستشفى وفضل قاعد قدام الأوضة اللي كنتِ فيها طوال الليل.. بص في الكاميرات وشافني وأنا شايلة أوراق أمي وواقعة على الأرض لوحدي.. سأل كل دكتور وممرضة وسواق تاكسي عشان يفهم التفاصيل.

اعترف في الجواب إنه عمره ما كان مفلس؛ ولما طلبت النص مليون زيادة قبل الفرح عشان عملية أمي، كان بيعيد هيكلة شركته والسيولة كانت صعبة، بس فلوسه الشخصية كانت تقدر تغطي المبلغ ده مية مرة.. بس هو عمل المشهد ده عشان يختبرني! لغى البطاقة، وتظاهر بالديون، وكان بيشوفني بشتغل وأتعب ويظن إن ده تمثيل عشان أسترضيه قبل الجواز!

كتب في آخر الجواب: «أنا حولت الحب لامتحان انتِ ما كنتيش تعرفي إنك داخلة فيه.. ولعبت دور الممتحن والمصحح وغيّرت الإجابات عشان أدينك.. أنا مش بطلب منكِ التسامح، أنا بس عايزكِ تعرفي إن كل العذاب اللي شفتيه ما كانش بسبب إنك تقصرتِ أو ما كنتيش كفاية.. كان بسبب جبني وغروري وقسوتي.»

قفلت الجواب.. لو الاعتراف ده جه ليلة زفافنا، كان أنقذ حاجات كتير.. بس دلوقتي جه متأخر جداً. حطيت الجواب في ملف الطلاق وما رديتش.

أم أدهم اتقدمت لها عقوبة إدارية واعتذار علني على النت بسبب استخدام أوراق طبية غير صحيحة تخصني عشان تتغطى بيها، والاعتذار كتبه المحامي في تلات سطور.. وما كنتش محتاجة منها أكتر من كده.

أدهم باع معظم أملاكه الشخصية عشان يعوّض المصممين اللي اتظلموا من شركته، وساب الفيلا وعاش في شقة صغيرة جنب الشركة.. في يوم، قابلته قدام عمارة الورشة، كان الثلج والبرد مغرق الشارع، ووشه باين عليه التعب والهدود.. قال لي بصوت مكسور:

ـ «أوراق البيت.. أرجوكِ قبليها، دي كانت ملك مامتك الله يرحمها.»

ـ «أنا هشتريها منك بالسعر اللي باعتها بيه أمي زمان.. مش هاخدها منك هدية.»

ـ «أنا مش عارف أعمل إيه تاني عشان أصلح…»

ـ «أدهم.. عيش حياتك بشرف.. بس بلاش تستغل تعبك عشان تخليني أرجع أو أضعف.. ده الشيء الوحيد اللي تقدر تعمله.»

ـ «ولو سامحتكِ في يوم؟»

ـ «ممكن أسامحك.. بس التسامح مش معناه إننا نرجع.. أنا هسامح عشان ما أشيلش قهرك معايا بقية حياتي.»

دخلت العمارة، وسابني وما حاولش يمنعني.

في الربيع اللي بعده، شركة «تأنّق» فتحت أول فرع ليها برة مصر. بقيت بسافر كتير بين المدن، معتادة على الطيران والاجتماعات، بس ما بقيتش أظلم نفسي في الشغل.. بقيت أثق في المساعدين بالقدر المضبوط، وأستريح من غير ما أحس بذنب.

البنت المتدربة عندي «شروق» كسبت جائزة المصمم الشاب بسوار استوحت فكرته من آثار إصابتها القديمة، ووقفت تعيط على المسرح وأنا قاعدة بصفق لها وفرحانة بيها.

أمجد كان مسافر بقاله شهور في مهمة طبية إنسانية بالصعيد.. ما كناش مسمين علاقتنا بأسماء رسمية، بس في كل خطوة نجاح، كان هو أول حد بتمنى أشاركه الصور والأخبار. أبعت له صورة التأسيس للفرع الجديد، يرد عليا بعد يومين بصورة لغرفة المحطة الصحية اللي شغالة هناك.. طفل رسم بالطبشور على الحيطة هلال طالع منه شجرة – شعار شركة «تأنّق».

في الشهر التاسع، حصل انهيار جبل وسيول في المنطقة اللي شغال فيها أمجد، والأخبار نزلت عن انقطاع الاتصال بالفريق الطبي! فضلت 36 ساعة مش بنام، أعصابي كانت بتتفجر، وحجزت أول طيارة عشان أروح هناك.. وفجأة تلفوني رن من رقم غريب!

ـ «يارا؟»

صوت أمجد عبر الخط! رجلي ما شالتنيش وقعدت على الأرض:

ـ «أمجد! أنت فين؟ أنت كويس؟»

ـ «أنا في معسكر مؤقت.. شبكة التلفون كانت مقطوعة والطريق مقفول.. أنا أسف جداً.»

كنت عايزة أزعق فيه، بس أول ما فتحت بوقي الدموع نزلت زي المطر.. فضلت أعيط وهو ساكت بيسمعني، وبعدين قال برقة:

ـ «يارا..»

دي كانت أول مرة يناديني من غير «أستاذة» ولا ألقاب.

ـ «أنا هنا يا أمجد.»

ـ «هترجعي إمتى؟»

ـ «فاضل لي 3 شهور في الخدمة والإشراف.»

مسحت دموعي وقلت له بكل وضوح وصدق:

ـ «أمجد.. أنا بحبك وبفتقدك.. مش لأني محتاجة حد ينقذني، أنا أقدر أعيش وأشتغل وأحل مشاكلي لوحدي.. بس لما بفرح، بتمنى تكون معايا، ولما بخاف بتمنى أسمع صوتك.. أنت مش مجرد شخص بيساعدني، أنت الشخص اللي قلبي اختاره.»

الخط سكت لحظات، وبعدين سمعت ضحكته الدافية:

ـ «أنا هخلص الـ 3 شهور وأرجع فوراً.. وهسألك السؤال اللي مستنيه من زمان.»

ـ «أنا هستناك.»

في اليوم اللي رجع فيه أمجد، رحت المطار أستقبله. كنت شايلة بوكيه ورد عباد شمس كبير، أول ما أبواب الوصول اتفتحت، طلع أمجد كان أرفع شوية وسمر من شمس الصعيد، وشايل شنطته على كتفه. أول ما شافني بالورد وقف مكانه.

قربت منه بابتسامة:

ـ «دكتور أمجد..»

ـ «أستاذة يارا..»

ـ «فاكر السؤال اللي سألتني عليه من سنة؟»

ابتسم وبص لي كتير، كأنه بيتأكد إن البنت اللي قدامه دي مش هي البنت المكسورة اللي كانت قاعدة على الرصيف بتعيط:

ـ «يارا.. تقبلي تبدأي معايا حياة جديدة ونبني بيتنا سوا؟»

مش «تكوني لي» ولا «أنا هحميكي».. بل نبدأ سوا. هزيت راسي وقلت: «موافقة.» سحبني في حضن دافي وأمين وسط المطار.. حضن حسسني إن رحلة العذاب انتهت رسمياً، وبدأت رحلة الأمان.

جوازنا كان هادي.. عملنا حفل صغير في الحديقة اللي ورا ورشة «تأنّق»، حضره القريبين بس، من غير بهرجة ولا فلاشات. لبست فستان أبيض بسيط صممته لي صاحبتي، وتحت رقبتي كان فيه البروش الفضة القديم اللي عملته زمان بالجامعة.

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى