
ج الاخير مرتب جوزي للكاتبة نرمين همام
الحاجة نوال خرجت وراه، لكن الغريب إنها ما حاولتش حتى تمسك إيده أو تطبطب عليه.
وقبل ما يقفل الباب، وقف وبصلي وقال:
«ملك، ممكن أشوف آدم؟»
بصيت لابني اللي كان واقف ورايا، وقلت:
«مش النهارده يا محمود.»
قال بوجع:
«بس أنا أبوه.»
رديت بهدوء:
«وأنا ما أنكرتش ده، بس النهارده إنت السبب في دموعه، وهو محتاج يهدى بعيد عن كل اللي حصل.»
محمود نزل راسه وخرج، والباب اتقفل وراه.
أول ما اختفى صوته من على السلم، جريت على آدم وفتحته دراعاتي.
سألني وهو لسه حاضن لعبته:
«ماما، هو بابا مشي؟»
قلت له:
«أيوه يا حبيبي.»
سألني بخوف:
«هو هيرجع تاني؟»
مسحت على شعره وقلت:
«مش هيرجع يعيش معانا دلوقتي يا قلبي.»
بصلي بعينين مليانين دموع وسألني:
«هو ده بسببي؟ أنا عملت حاجة غلط؟»
حضنته جامد وقلت له:
«لأ يا حبيبي، إنت ما عملتش أي حاجة غلط. إنت أحلى حاجة في حياتي، ومفيش حاجة هتخليني أبطل أحبك أو أحميك.»
وفي اليوم التاني الصبح، وأنا لسه بحاول أرجع حياتي لطبيعتها، الموبايل رن.
لقيت رسالة من محمود، فتحته وقرأتها:
«نمت في العربية امبارح، أمي رفضت إني أبيت عندها.»
فضلت باصة للرسالة شوية.
ما حسيتش بالشماتة، ولا حتى بالراحة اللي كنت متخيلاها.
كل اللي جه في بالي إن الراجل اللي كان بيدي أمه كل حاجة، اكتشف في أول ليلة احتاجها فيها إنها مش مستعدة تفتح له باب شقتها.
لكن الرسالة ما وقفتش عند كده.
بعدها بدقايق، بعتلي محمود رسالة تانية، وكانت هي اللي خلتني أحس إن اللي جاي لسه أصعب بكتير.
ما فتحتش الباب، ولا حتى رديت على رسالته.
فضلت أقرا كلام محمود أكتر من مرة، لكن الغريب إني لا عيطت ولا فرحت، ولا حسيت بالانتصار اللي كنت بتخيله كل ليلة وأنا نايمة أحسب الديون والمصاريف بدل ما أحسب ساعات راحتي.
كل اللي حسيت بيه كان تعب… تعب تقيل، بتاع واحدة فضلت سنين تحاول تنقذ راجل بيغرقها معاه، وفي الآخر يلومها إنها مش بتبتسم وهي بتغرق.
قلبت الموبايل على وشه وسِبته على الترابيزة من غير رد.
وبعد كام دقيقة، وصلتني رسالة تانية منه:
«أنا عارف إني غلطت، بس إنتِ عارفة أمي عاملة إزاي.»
ابتسمت بسخرية.
آه، أنا عارفة أمه كويس أوي.
عارفة صوتها وهي داخلة بيتي من غير استئذان، ونظراتها لآدم كأنه عيل غريب اتحشر في عيلتهم بالعافية.
عارفة إزاي كانت تفتح التلاجة وتعلق على الأكل، وتقعد على الكنبة كأنها صاحبة البيت، وبعدها تتصل بمحمود وتشتكيله إني مش بقدّر العيلة!
كنت عارفاها وعارفة طريقتها، بس اللي محمود عمره ما فهمه إن معرفتي بطباع أمه مش معناها إني أفضل أتحمل أذاها طول عمري.
ولا كونها أمه يديها الحق إنها تهينني، ولا يخليه ينسى إنه جوزي وإن عنده ابن محتاج أب يحميه.
أنا كمان أم يا محمود، أم لولد كان بينام كل ليلة على صوت خناقنا، وابتدى يسألني بخوف:
«ماما، هو أنا السبب إن إنتوا بتتخانقوا؟»
والسؤال ده لوحده كان كفاية يخليني أقفل الباب على كل اللي فات.
الصبح، قمت بدري وجهزت الفطار لآدم.
عملت له توست وجبنة، وحطيت له كوباية لبن دافي.
حاجات عادية جدًا، بس حسيت إننا قاعدين في عزومة كبيرة، لمجرد إننا بناكل من غير توتر ولا صوت عالي.
مفيش حد بيدور على موبايله بعصبية، ولا حد بيفتح الباب فجأة، ولا صوت بيزعق ويقول لي:
«ما تكبريش الموضوع!»
آدم كان بياكل بالراحة، وكل شوية يبص حواليه كأنه بيكتشف البيت من جديد.
وفجأة سألني:
«ماما، بابا هييجي النهارده؟»
حطيت كوباية اللبن قدامه وقلت:
«لأ يا حبيبي، بابا مش هيرجع يعيش معانا دلوقتي.»
فضل باصص لي شوية، وبعدين سألني سؤال وجع قلبي:
«يعني مش هيزعق تاني؟»
حاولت أبتسم وقلت له:
«لأ يا حبيبي، محدش هيزعقلك ولا هيزعق لماما في البيت ده تاني.»
هز راسه ورجع يكمل أكله، لكني لاحظت إن كتافه ارتاحت شوية، كأنه كان شايل حمل كبير ومحدش واخد باله منه.
بعد ما آدم نزل المدرسة، بدأت أرتب الشقة.
الشقة ما كانتش محتاجة ترتيب قد ما كانت محتاجة أتخلص من آثار محمود.
قميص مرمي على الكرسي، وكوباية قهوة قديمة جنب التلفزيون، وشاحن موبايله جنب الكنبة، وجزمته عند الباب.
جمعت حاجته كلها في كيس، من غير عصبية ولا خناق.
كنت كل ما أحط حاجة جواه أفتكر موقف، أو خناقة، أو يوم رجعت فيه من الشغل تعبانة وفضلت أخدم الكل لحد ما نمت من غير ما أريح.
وساعتها فهمت إن الصبر مش دايمًا فضيلة، وإن السكوت ساعات بيخلّي الغلط يكبر، خصوصًا لما طفل صغير يكون هو اللي بيدفع تمنه.
وقت الضهر، الموبايل رن.
الحاجة نوال.
مردتش.
اتصلت تاني، وتالت، وعاشِر مرة، ولما ما رديتش بعتتلي تسجيل صوتي.
فتحته، وسمعت صوتها وهي بتعيط وتقول:
«يا ملك، إنتِ ما تعرفيش يعني إيه أم! إنتِ حرمتيني من ابني ومن بيته، وربنا ينتقم منك!»
قفلت التسجيل قبل ما يخلص.
وبعده بدقايق بعتت تسجيل تاني، لكن المرة دي صوتها كان مليان تهديد:
«اسمعيني كويس، إنتِ هتندمي على اللي عملتيه ده، ومحمود مش هيسيبك، والناس كلها هتعرف حقيقتك!»
ضحكت بيني وبين نفسي.
الناس!
هي دي الكلمة اللي طول عمرهم بيخوفونا بيها.
الناس هتقول إيه؟ والناس هتفهم إيه؟ والناس هتشوفك إزاي؟
طب والناس دي هي اللي بتدفع فواتير الكهربا؟ هي اللي بتجيب الدوا لابنك؟ هي اللي بتقعد جنبك لما تنهاري من العياط في المطبخ؟
الناس دي عمرها ما شالت عني جنيه، ولا حتى سألتني أنا تعبانة ولا لأ.
مسحت التسجيلات وبعت كل اللي وصلني للأستاذ شريف، عشان يضيفه للملف.
ولأول مرة ما حسيتش إني ست بتشتكي وتستعطف حد يسمعها، حسيت إني واحدة بتجمع حقها وبتحمي نفسها بالأدلة.
عدت الأيام الأولى تقيلة شوية.
محمود كان بيبعتلي رسايل طول الوقت.
مرة يعتذر، ومرة يلومني، ومرة يفكرني بالأيام الحلوة اللي بينا، ومرة يقول إني قاسية ومش مقدرة العشرة.
وفي وسط كل ده كان بيكرر:
«أنا بحب آدم، وما أقدرش أعيش من غيره.»
كنت بقرا الرسالة وأسكت.
أنا ما شككتش إنه بيحب ابنه، لكن الحب مش مجرد كلمة بنقولها.
إنت بتحب ابنك؟ طب ليه كنت بتزعق قدامه؟ وليه سبت جدته تجرحه بكلام مالوش ذنب فيه؟ وليه ما فكرتش تحميه من المشاكل اللي إنت كنت سبب فيها؟
الحب من غير حماية واهتمام بيبقى كلام ناقص.
في أول أسبوع، غيرت كالون باب الشقة، وقفلت أي كروت ائتمان إضافية طالعة باسمي، وبدأت أراجع حساباتي وأتأكد إن محدش يقدر يستخدم بياناتي تاني.
وفي الأسبوع التاني، رحت المدرسة وقابلت المديرة، وطلبت منها ما تسلّمش آدم لأي حد غيري أو جارتي أم رامي، إلا بإذن مني.
شرحت لها الظروف من غير ما أدخل في تفاصيل كتير.
المديرة سمعتني وقالت:
«ما تقلقيش يا مدام ملك، إحنا هناخد بالنا منه كويس.»
الكلمة دي خلت عيني تدمع.
يمكن لأنها أول مرة من زمان أحس إن فيه حد واقف في ضهري من غير ما يطلب مني أبرر تعبي.
وبدأت حياتي تتغير واحدة واحدة.
مش الأثاث ولا شكل الشقة، لكن راحة البال.
بقيت أرجع من الشغل تعبانة، بس تعبي بقى ليا أنا، مش لازم أرجع أسمع خناق محمود مع أمه، ولا وعوده ليها بفلوس هو مش معاه.
بقيت أشتري طلبات آدم الأول، وبعدها أجيب اللي ناقصني، ولو فضل معايا فلوس أحوشها بدل ما تروح في طلبات ملهاش آخر.
حاجات بسيطة، بس بالنسبالي كانت بداية حياة جديدة.
وفي يوم، كنت واقفة في المطبخ بغسل المواعين، لقيت آدم داخل عليا وواقف ساكت شوية.
بصيت له وقلت:
«مالك يا حبيبي؟ عايز حاجة؟»




