
بعد ما خرجت من الحجز، مكنش عندي مكان أروحله، عشان كده ست عجوزة شغلتني عندها. سألتني: «كنتِ في الحجز ليه؟» وبعدين قالتلي جملة عمري ما هنساها طول حياتي.
«قبل ما تحكيلي أي حاجة، عايزاكي تعرفي إن الماضي بتاعك مش هو اللي هيحدد مستقبلك، لكن الحقيقة اللي هتعملي إيه عشان تثبتيها هي اللي هتفرق.»
أنا اسمي مريم، وعندي تلاتة وتلاتين سنة، قضيت منهم أربع سنين تقريبًا في حجز ستات ماريسفيل، بتهمة أخذ فلوس من الشركة اللي أنا نفسي كنت ببنيها بإيدي.
أربع سنين من عمري ضاعوا ورا الجدران بسبب أختي مونيكا وجوزها تريفور مالوري، الشخصين اللي كنت فاكرة إنهم أقرب ناس ليا في الدنيا.
خرجت من الحجز من سبعين يوم بس، لكن السبعين يوم دول كانوا كفاية يخلوني أفهم إن العقوبة الحقيقية مش دايمًا بتكون جوه الحجز، ساعات العقوبة بتبدأ لما تخرج وتكتشف إن الدنيا كلها قفلت أبوابها في وشك.
مفيش بيت أرجعله، مفيش شغل يقبلني، مفيش حد مستعد يسمعني، وحتى الناس اللي كنت فاكرة إنهم يعرفوني كويس، بقوا بيبصوا لي كأني مسيئة مستنية فرصة عشان تأخذهم.
أما مونيكا، أختي الوحيدة، فكانت عايشة حياتها عادي جدًا.
ساكنة في بيت كبير في دبلن بأوهايو، بتلبس أغلى الماركات، وبتظهر في المناسبات الخيرية جنب جوزها تريفور، وبتتكلم عن النزاهة والأمانة كأنها طول عمرها ملاك نازل من السما.
وكانت لابسة ساعة بابا اللي اختفت بعد وفاته.
الساعة اللي كنت بدور عليها في كل مكان، واللي كنت متأكدة إنها كانت موجودة في درج مكتبه قبل ما أروح الحجز.
لما شوفتها في إيدها، حسيت إن السنين الأربعة اللي قضيتها جوه رجعت كلها في لحظة واحدة.
لكن بدل ما أصرخ أو أفضحها قدام الناس، بصيت لها وقلت:
«الساعة دي كانت بتاعة بابا.»
رفعت إيدها قدامي، وبصت للساعة بابتسامة باردة.
«وعندك مشكلة؟»
«دي كانت آخر حاجة فاضلة لي من ريحته وذكرياته.»
ضحكت ضحكة قصيرة وقالت:
«إنتِ فقدتي حقك في كل حاجة يا مريم يوم ما دخلتي الحجز.»
مكنتش عارفة أرد عليها.
مش عشان كلامها صح، لكن عشان كنت عارفة إن أي كلمة هقولها هتستخدمها ضدي.
قربت مني وخفضت صوتها.
«اسمعيني كويس. لو جبتي سيرتي تاني، هخليكي ترجعي الحجز فورًا. عندي علاقات، وعندي فلوس، وعندي محامين يقدروا يخلوا حياتك جحيم. إنتِ عندك إيه؟»
بصيت لها طويلًا، وبعدين قلت:
«عندي الحقيقة.»
وشها اتغير للحظة، لحظة صغيرة جدًا، لكنها كانت كفاية عشان أفهم إن الكلمة دي لسه بتخوفها.
رجعت ابتسمت بسرعة، وطلعت ظرف من شنطتها ورمته على رجلي.
«خدي دول. اعتبريهم مساعدة من أختك اللي قلبها عليكِ.»
الظرف وقع على الأرض، والفلوس اتنثرت حواليا.
بصيت للفلوس، وبعدين رفعت عيني لها.
«إنتِ أخدتي مني أربع سنين من عمري. مش هتعرفي تشتري الحاجات اللي مش بتاعتي.»
مونيكا انحنت، لمّت الظرف، وحطته في شنطتها.
«إنتِ لسه فاكرة إنك هتقدري تكسبي؟»
وبعدين مشيت.
فضلت واقفة مكاني لحد ما عربيتها اختفت من آخر الشارع.
وقتها بس سمحت لنفسي أعيط.
مش على الفلوس، ولا على البيت اللي خسرتُه، ولا حتى على السنين اللي راحت.
كنت بعيط على أختي اللي ماتت جوايا من غير ما تموت فعلًا.
بعد المواجهة دي، رجعت لبيت أوبال.
أوبال كانت ست عجوزة عندها حوالي تمانية وسبعين سنة، شعرها أبيض بالكامل، وبتلبس هدوم ملونة كأنها بتحاول تحارب بيها كآبة الدنيا.
كانت ساكنة في بيت قديم واسع، فيه جنينة صغيرة ورا البيت، ومكتبة ضخمة في أوضة كانت زمان أوضة مكتب جوزها.
لما وصلت، لقيتها قاعدة في المطبخ بتقشر تفاح.
رفعت عينيها أول ما سمعت صوت الباب.
«اتأخرتي يا مريم.»
حاولت أبتسم.
«كان عندي مشوار.»
بصت لوشي، وبعدين حطت السكينة على الترابيزة.
«مونيكا؟»
اتجمدت مكاني.
«عرفتي منين؟»
«عشان من ساعة ما جيتي هنا، وإنتِ بتبصي من الشباك كل ما عربية تقف قدام البيت. وعشان كل مرة اسم أختك ييجي في الكلام، إيدك بتترعش حتى لو وشك ثابت.»
قعدت قدامها، وحكيت لها اللي حصل.
حكيت لها عن الساعة، والتحذير، والفلوس اللي رمتها عليا.
أوبال سمعتني لحد ما خلصت، وبعدها قالت:
«هي مش عايزاكي تسكتي وبس. هي خايفة من حاجة.»
«الحاجة دي هي الورق اللي عندي.»
«ورق إيه؟»
أخدت نفس طويل.
«قبل ما أتحجز، كنت محتفظة بنسخ من حسابات الشركة. تحويلات بنكية، وفواتير، وإيميلات بيني وبين تريفور. كنت حاسة إن في حاجة غلط، لكن مكنتش متخيلة إنهم هيوصلوا لدرجة إنهم يلبسوني القضية كلها.»
«والورق ده فين دلوقتي؟»
«مش عارفة.»
رفعت أوبال حاجبها.
«إزاي مش عارفة؟»
«قبل القبض عليا بيومين، حطيت نسخة في مكان محدش يعرفه غيري. لكن بعد ما دخلت الحجز، حاولت أفتكر كل التفاصيل، ومقدرتش أحدد إذا كنت خبّيته في مخزن الشركة، ولا في شقة قديمة كنت بستعملها وأنا بجهز المشروع.»
أوبال سكتت شوية، وبعدها قامت من مكانها وراحت للمكتبة.
رجعت بكتاب قديم، وحطته قدامي.
«عارفة إيه الفرق بين اللي اتظلم واللي استسلم؟»
هزيت راسي.
«اللي اتظلم ممكن يتعب ويخاف ويقع، لكنه بيفضل يدور على باب يرجعه لنفسه. إنما اللي استسلم بيقنع نفسه إن مفيش أبواب من الأساس.»
فتحت الكتاب، ولقيت جواه ورقة مكتوب فيها رقم تليفون محامي.
«ده الأستاذ فؤاد عبدالسلام. محامي قديم كان بيساعد جوزي في شغله. راجل كبير، لكنه أمين. هكلمه بكرة وأشوف إذا كان يقدر يبص في قضيتك.»
بصيت لها باستغراب.
«ليه بتعملي كل ده عشاني؟ إنتِ متعرفينيش غير من كام يوم.»
أوبال رجعت قعدت قدامي، وعينيها بقت حزينة فجأة.
«عشان من سنين طويلة، بنتي رجعت البيت في يوم من الأيام وهي بتعيط، وقالتلي إن محدش صدقها لما اتظلمت في شغلها. وأنا وقتها كنت مشغولة بمشاكلي، وقلت لها إنها لازم تتعلم تدافع عن نفسها. بعد شهور، خسرت شغلها وبيتها، وبعدها سافرت ومقطعتش أخبارها بس، أنا كمان خسرتها من حياتي سنين طويلة.»
سكتت، ومسحت عينيها بطرف المنديل.


