
مرتب جوزي ج1 الكاتبة نرمين عادل همام
جوزي قالي إنه إدّى أمه مرتبه كله، وكمان أجّر لها شقة جديدة أحسن من شقتها القديمة، بصيت له من غير ما أتعصب ولا حتى أفتح بقي وسألته
«طب وبعدين يا محمود؟ هتاكل إيه بكرة؟والايجار حيندفع ازاي ؟»
محمود ضحك، وكان فاكر إني بهزر معاه، لكن ضحكته اختفت من على وشه أول ما طلعت دوسيه وحطيته قدامه على الترابيزة، وطلبت منه يفتح ويشوف اللي جواه.
ما كانش يعرف إن الدوسيه ده محضراه من تلات سنين، وإن الورق اللي متخزن جواه فيه بلاوي وحاجات عمره ما كان يتخيل إني عارفاها.
أنا اسمي ملك، متجوزة محمود، وعندنا ولد اسمه آدم، عنده سبع سنين.
ومن أول يوم اتجوزنا، وأنا عندي مشكلة واحدة مع محمود، مشكلة عمرها ما اتحلت، بالعكس، كانت بتكبر يوم بعد يوم.
محمود عمره ما كان بيبخل على أمه بحاجة. أول ما الحاجة نوال تطلب منه فلوس، يلاقيها من تحت الأرض، لكن لما ييجي الموضوع عند بيته ومراته وابنه، فجأة الدنيا بتضيق والظروف بتبقى صعبة.
أطلب منه يشارك في الإيجار، يفضل يتنهد ويشتكي من المصاريف.
أقوله إن البيت ناقصه طلبات، وإن الأكل قرب يخلص، يرد عليا إن الدنيا غالية وإن المرتب مش مكفي.
ولما أفكره بمصاريف المدرسة وفواتير الكهربا والمية، يتنرفز ويبصلي بضيق ويقول:
«يا ملك، هو إنتِ مش بتشتغلي وبتقبضي مرتب كويس؟ أمال عايزاني أعمل إيه؟ أصرف منين؟»
آه، أنا فعلاً كنت بشتغل وبقبض مرتب كويس، بس ده مش معناه إن الفلوس دي بتيجي بالساهل.
كنت بقضي عشر ساعات كل يوم في شغلي في عيادة خاصة في العتبة، أرجع البيت مهدودة، وأبدأ شغل الوردية التانية.
أدخل المطبخ أعمل الأكل، وألم الشقة، وأغسل الهدوم، وأرتب الدنيا، وبعد كل ده أقعد جنب آدم أذاكر له وأراجع معاه واجباته.
يعني لا كنت بلحق أريح، ولا حتى آخد نفسي.
أما محمود فكان عايش في دنيا تانية خالص.
يرجع من الشغل، يجيب لنفسه أكل جاهز وهو في الطريق، يدخل يترمي على الكنبة ويفرد رجليه ويقول:
«يا ساتر يا رب، أنا مش قادر أحرك صباع من كتر الشغل. سيبيني أريح شوية.»
وكنت بسكت وأسيبه، مع إني كنت راجعة من شغلي أنا كمان ومحتاجة اللي يريحني.
بس العجيب بقى إن التعب ده كله كان بيختفي أول ما أمه تتصل بيه!
ساعتها فجأة بيبقى عنده صحة وفلوس ووقت، ومستعد يعمل أي حاجة تطلبها منه.
مرة يقول لي:
«أمي غلبانة وملهاش حد غيري.»
ومرة تانية:
«أمي تعبانة ومحتاجة تجيب دوا.»
وفي مرة تالتة:
«أمي مش قادرة تعيش في الشقة القديمة، لازم أتصرف لها.»
كنت بسمع وأسكت، لكن الحقيقة إن الحاجة نوال ما كانتش غلبانة ولا محتاجة زي ما محمود بيحاول يصورها.
دي عندها أرض ورثتها عن أهلها، وليها معاش بينزل أول كل شهر، وفوق كل ده عندها ابن مستعد يدفع لها آخر جنيه في جيبه، حتى لو بيته هو وأسرته ناموا من غير عشا.
والأغرب من كل ده إن الحاجة نوال نفسها ما كانتش طايقاني.
من أول يوم دخلت فيه بيت ابنها وهي شايفاني واحدة داخلة على طمع، وكل شوية ترمي كلمة من هنا على كلمة من هناك، وتلمح إني اتجوزت محمود عشان فلوسه.
مع إن الحقيقة كانت عكس كده تماماً.
أنا لما اتجوزت محمود كان عندي عربيتي، وشغلي، وتحويشة عمري اللي جمعتها من تعبي وشقايا.
ما كنتش محتاجة منه لا فلوس ولا مساعدة.
ده أنا حتى لما عمل حادثة بسبب استهتاره، واحتاج عملية، أنا اللي دفعت مصاريفها من جيبي.
ولما اكتشفت بعد الجواز إنه داخل علينا بديون قديمة كان مخبيها عني، سددت له جزء كبير منها من فلوسي.
كنت فاكرة إن الجواز عشرة وسند، وإن الواحد لما يتعب يلاقي اللي يشيل معاه.
لكن محمود فهم طيبتي غلط.
اتعود إني أشيل، واتعود إني أسكت، لحد ما بقى شايف إن ده الطبيعي، وإن من حقي أفضل أصرف على البيت وعلى ابنه وعلى نفسي، وهو يتفرغ لأمه وطلباتها.
وفضلت ماشية على الحال ده سنين، لحد الليلة اللي قرر فيها محمود إنه يفاجئني بأكبر خبر في الدنيا.
كنت واقفة في المطبخ بجهز العشا، وآدم في أوضته بيلعب.
سمعت باب الشقة بيتفتح، وبعدها صوت محمود وهو داخل بيغني ويدندن.
كان واضح من وشه إنه فرحان ومبسوط من نفسه، داخل البيت كأنه راجع من معركة وكسبها.
بصيت على إيديه، لقيتها فاضية.
لا جاب اللبن اللي طلبته منه، ولا العيش، ولا حتى الحاجات اللي كنت قايلاله يجيبها لآدم.
دخل المطبخ، وفك ساعة إيده وحطها على الرخامة، وقال بابتسامة عريضة:
«بصي يا ملك، عندي ليكي خبر حلو. أمي كانت مزنوقة اليومين دول، وأنا ما حبيتش أسيبها كده، فقمت مأجر لها شقة جديدة أحسن من شقتها القديمة، واديتها مرتبي كله الشهر ده عشان تظبط أمورها.»
قال الكلام وهو مستني مني أفرح وأقوله برافو عليك يا ابن الأصول.
لكن أنا ما عملتش أي حاجة من اللي كان مستنيها.
حطيت السكينة اللي في إيدي على الرخامة بالراحة، وبصيت ناحية أوضة آدم أتأكد إنه لسه بيلعب، وبعدها رجعت بصيت لمحمود وقلت بهدوء:
«تمام يا محمود، بس قولي بقى، هتاكل إيه بكرة؟ وهتنام فين الليلة دي؟»
انفجر في الضحك وقال:
«يا بنتي إنتِ مالك؟ هو أنا قلتلك إني بعت البيت؟ بلاش نكد ومبالغات بقى.»
بصيت له وقلت:
«أنا مش بنكد عليك، أنا بس بسألك سؤال.»
رد بعصبية:
«دي أمي يا ملك! يعني كنت أسيبها محتاجة؟»
قلت له:
«وده بيتك يا محمود، ولا أنت نسيت إن عندك مراتي وولد محتاجينك؟»
وشه اتغير فجأة، وقال بصوت عالي:
«قصدك إيه؟ ده بيتنا إحنا الاتنين!»
ابتسمت من غير ما أرد.
في اللحظة دي اتأكدت إن الراجل ده عمره ما حاول يعرف هو عايش إزاي، ولا مين اللي شايل البيت على كتافه.
ما كانش بيبص في عقود، ولا بيراجع فواتير، ولا حتى بيسأل نفسه الفلوس اللي بتتصرف كل شهر بتيجي منين.
كل اللي كان فارق معاه إنه يظهر قدام أمه في صورة الابن البار اللي بيصرف عليها ويدلعها، حتى لو على حساب مراته وابنه.
خرجت من المطبخ، وطلعت على المكتب الصغير اللي في الطرقة.
فتحت الدرج السفلي، وطلعت منه الدوسيه الأسود اللي بقاله تلات سنين متخزن عندي.
مسكته ورجعت الصالة، وحطيته قدام محمود على الترابيزة.
وقبل ما يمد إيده ويفتحه، الباب اتفتح ودخلت الحاجة نوال من غير ما تخبط، زي ما هي متعودة تعمل دايماً.
بصت لنا باستغراب، وبعدين عينيها وقعت على الدوسيه.
محمود بصلي وسألني:
«إيه الدوسيه ده يا ملك؟»
قلت له:
«افتحه واقرأ اللي جواه، وساعتها هتعرف إنت واقف فين بالظبط.»
فتح محمود الدوسيه وهو متضايق، وبدأ يقلب الورق.
أول ورقة كانت عقد ملكية الشقة باسمي أنا.
الورقة التانية كانت كشوف حسابات بنكية.




