
ساد الذهول أرجاء القاعة بالكامل، وتوقفت الموسيقى فجأة ليعم هدوء مريب. الشخص الذي اقتحم الفرح لم يكن سوى “أستاذ كامل”.. المحامي القديم لعائلة طليقي، والذي كان يُعتبر الذراع الأيمن لوالد حازم والكاتم لجميع أسرارهم المالية والشخصية لسنوات طويلة!
كان الرجل يلهث ويتصبب عرقاً، يحمل في يده حقيبة جلدية سوداء ومجموعة من أوراق القضايا والمستندات الموثوقة. النظرات كلها اتجهت نحوه باستغراب، بينما تقدم دكتور آسر بخطوات واثقة وهادئة ووقفت أنا بجانبه ممسكة بيده، وحازم وأمه وعائلته بالطبع لم يكونوا متواجدين بعد أن أصبحت أقدامهم في النيابة العامة بسبب المحاضر والشيكات.
تقدم الأستاذ كامل ونظر إلى دكتور آسر وإليّ بنبرة ملؤها الندم والاحترام، وقال بصوت جهوري مسموع للموجودين في الصفوف الأولى:
— مساء الخير يا دكتور آسر.. ألف مبروك يا مريم يا بنتي. أنا عارف إن وجودي هنا وفي التوقيت ده غريب وممكن يزعجكم، بس أنا ضميري أبت عن السكوت أكتر من كده بعد ما شفت المفترين دول وصلوا لدرجة التشهير بيكي والمحاربة في أكل عيشك!
دكتور آسر بصله بنظرة حادة ومركزة وسأله بثبات:
— خير يا أستاذ كامل؟ إيه الأوراق اللي في إيدك دي وإيه الموضوع اللي يخليك تيجي لغايه هنا؟
أخرج المحامي أوراقاً رسمية مختومة بختم النسر ومستندات بنكية، وقال بنبرة قاطعة:
— الأوراق دي هي رد الحق لأصحابه! الأوراق دي تثبت إن حازم وأمه مش بس ظلموا مريم وافترا عليها.. دول كانوا سرقوا حقوقها المادية كاملة قبل الطلاق!
القاعة كلها بدأت تتهمس بذهول، والمحامي كمل كلامه فوراً:
— حازم وأمه استغلوا توكيل عام كانت مريم عملته لحازم أيام ما كانت مغفلة وبتحبه ونفسها تعيش في أمان، وقبل الطلاق بأسبوع واحد بس، نقلوا ملكية الشقة الكبيرة اللي كانت مكتوبة باسمها من ورث أبويها المرحوم، وسجلوا الشقة باسم حازم! مش بس كده.. دول كمان سحبوا شهادة الاستثمار اللي كانت مريم حطاها باسم بنتها جودي، وحولوها لحساب أمه!
شحبت ملامحي وشهقت بصوت مكتوم، ودموعي نزلت فوراً وأنا مش مصدقة حجم الغدر والبشاعة! أنا كنت فاكرة إنهم بس هانوني ودمروا كرامتي، لكن اتضح إنهم حافيين ورايا وسارقين شقايا وشقى بنتي وورثي من أبويا بالكامل!
كمل المحامي كامل بثبات:
— أنا لما شفت الفيديوهات وشفته في النيابة بيتبلى عليها ويقطع أرزاق الناس، قررت أقدم الأوراق دي للنيابة العامة النهاردة، وأنا جيت هنا بنفسي عشان أسلمكم صورة رسمية من بلاغ السرقة وخيانة الأمانة والتزوير اللي اترفع ضد حازم وأمه رسمياً!
دكتور آسر أخذ الأوراق من يد المحامي، وقرأ المستندات بتمعن وسرعة. ملامحه الحادة تحولت لابتسامة ثقة وارتياح، ونظر للمحامي وقال بثقل:
— شكراً يا أستاذ كامل.. موقفك ده يحسب لك، والقانون ياخد مجراه ويجيب حق كل مليم اتسرق من مريم وبنتها بالقوة والعدل.
التفت دكتور آسر إليّ، ومسح دموعي بمنتهى الحنية والحب قدام القاعة كلها، وقال بصوت دافئ سمعته أذني وقلبي:
— شفتي يا مريم؟ ربنا مش بس بيعوض.. ربنا بياخد الحق وتالت ومتلت وبيفضح الظالم في أوج افتراءه. شقتك وورثك وفلوس جودي هيرجعوا بالقانون، وهم دلوقتي لابسين قضية سرقة وتزوير وخيانة أمانة بغير قضايا السب والشيكات!
الموسيقى رجعت تشتعل تاني في القاعة، والمعازيم تفاعلوا بالتصفيق والحماس، واستكملنا ليلة العمر وأنا حاسة إن كابوس سنوات طويلة زال من حياتي للأبد، وتوجت بحب ورجل حقيقي بيحميني وبيحافظ عليا وعلى بنتي.
مرت ثلاثة أيام على الفرح العظيم.. كنت قاعدة في فيلا دكتور آسر الفخمة والأنيقة، جودي بتلعب في الحديقة بضحكات صافية ورست راحة البال على وشها، وأنا لابسة فستان أنيق وقاعدة جنب آسر بنشرب القهوة في بلكونة الفيلا.
وفجأة.. رن هاتف آسر. رد آسر وفتح الميكروفون المباشر بناءً على طلبي لمعرفة التطورات. كان المتصل هو المحامي الخاص بدكتور آسر. قال المحامي بنبرة رسمية وحاسمة:
— مساء الخير يا دكتور آسر.. حبّيت أبلغ حضرتك بالتطورات الأخيرة في النيابة. حازم وأمه اعترفوا بكل حاجة تحت ضغط المستندات وبلاغ التزوير وشيكات المستشفى. هم دلوقتي صدر ضدهم أمر حبس احتياطي ١٥ يوماً على ذمة التحقيق في قضايا التزوير والسرقة والتعدي، والشقة وفلوس جودي اتحفظ عليها رسمياً وترجع للمدام مريم خلال أيام.
سكت المحامي لحظة ثم كمل بنبرة فيها مفاجأة:
— بس فيه حاجة جديدة حصلت دلوقتي يا فندم في الحجز.. حازم يرجوك ويتحايل على حراسة السجن عشان يوصلك رسالة.. بيبكي ومنهار وبيقول إنه مستعد يوقع على أي تنازل ويطلب العفو والسماح من المدام مريم في مقابل إن حضرتك تتنازل عن قضايا الشيكات والتعدي عشان أمه تعبانة ومش متحملة الحبس!
آسر بصلي بتمعن ونظرة هادئة يسألني فيها عن رأيي وموقفي.. أخذت نفس عميق، وابتسمت ابتسامة كبرياء وقوة لأول مرة في حياتي، وكنت على وشك النطق بالقرار النهائي اللي هيحدد مصيرهم للأبد.
مسكت الهاتف من إيد آسر بثبات، ونبرة صوتي مكانش فيها أي أثر للمرأة الضعيفة المكسورة اللي حازم وأمه كانوا يعرفوها قبل شهرين. بصيت لآسر اللي كان بيبصلي بفخر، وقلت للمحامي بصوت واضح ورزين:
— أستاذ المحامي.. وصل لحازم وأمه الرد ده بالحرف: الحقوق المالية والمال المغصوب وشقة أبويا وفلوس بنتي، للقانون إنه يرجعهم لي بالقوة والمستندات اللي معاك. أما بالنسبة للتنازل عن قضايا التزوير والسرقة والتعدي والشهادة الزور.. فاللي يبيع شرفه ويسرق حق بنته ويهين كرامة أمها قدام الناس، ما يستاهلش الرحمة ولا الشفقة. القانون ياخد مجراه للنهاية، وأمه اللي كانت بتتفنّن في ذلي وإهانتي، خليها تذوق نتاج عملها وتربيتها لابنها.




