
خرج أحمد من البيت وهو بيتوعد ويهدد، وكأننا لسه الست المكسورة والطفل اللي بيخاف من صوته العالي. بس هو ناسي إن الدنيا بتلف، وإن اللي بيبني نفسه بعرقه وشقاه بيبقى أعرف بكتير إزاي يحمي تعبه وحلاله.
تاني يوم الصبح، مسبناش الفرصة لوقت يضيع. خدت ماما ومحامي شاطر — واحد من الناس الكويسة اللي وقفوا جنبنا في وقت الشدة، وبقى دلوقتي سندنا القانوني — ورحنا على المكتب بتاعه. حكينا له كل حاجة، من أول طردنا في الشارع وسنين الحرمان، لحد ورقة الابتزاز وقضية الحجر اللي أحمد بيحاول يلوح بيها.
المحامي ابتسم بسخرية وقال بثقة:
— اطمنوا خالص.. الراجل ده جاهل بالقانون، أو فاكر إن العافية والتهديد لسه بيمشوا. أولاً: هو طردكم وطلق من سنين ومصرفش جنيه واحد نفقة، وفي القانون ده اسمه “متهرب من النفقة” ودي . ثانياً: المصانع والمحلات مسجلة باسم الست الوالدة بالكامل بسجلاتها التجارية وضرايبها من عرقها، ومفيش أي صلة قانونية تخليه يقرب لمليم واحد منها، ده غير إن قضية الحجر دي محتاجة شروط مستحيلة مش متوفرة أصلاً. بالعكس… احنا نقدر نرفع عليه قضايا متأخرات نفقة طوال السنين اللي فاتت، ونقاضيه ب
حسيت بنسيم برد وهدوء بينزل على قلبي لأول مرة من ساعة ما وقفت قدامه. بصيت لماما، ولقيت في عينيها نظرة رضا وقوة مكنتش متخيلة أشوفها فيها.
بدأنا التحرك الفعلي. المحامي جهز الأوراق، وماما قدمت بلاغ رسمي بالابتزاز، ورفضنا تماماً أي مكالمة أو محاولة تواصل منه ومن أهله اللي جم يتدخلوا عشان “نحلها ودي” ونعطيه مبلغ يسكت بيه.
ماما رفضت وقالت كلمتها المشهورة وقتها:
— “لو كان جه كأب بيطلب قطعة عيش، كنت أكلته من عيني.. لكن جاي يبتزنا وينهش في تعب سنيننا وعرقنا؟ المحاكم هي اللي بيننا!”
مرت الأيام، وجه يوم الجلسة الأولى في المحكمة.
أحمد دخل القاعة وهو رافع راسه بغرور كعادته، بس أول ما شاف المحامي بتاعنا بيقدم ملفات بتثبت تهربه من النفقات، وشهادة شهود من الجيران القدام اللي شافوه وهو طاردنا في الشارع في عز البرد، وكمان السجلات التجارية للمحلات والمصانع اللي بتثبت إنها بعيدة تماماً عن أي إرث أو شراكة معاه… غروره اتكسر في ثواني.
القاضي بص له نظرة حادة وقال بصرامة:
— الجلسة القادمة للنطق بالحكم في قضايا النفقة والتهديد، والمحكمة لا تقبل التلاعب!
خرج أحمد من قاعة المحكمة وهو منهار، حاول يقرب مني في الممر الخارجي ويمسك إيدي ويقول بصوت مرجوف:
— يا ابني.. كلم أمك تتنازل، أنا أبوك! إزاي تقفوا ضدي في المحاكم؟
بصيت له بثبات، وسحبت إيدي من إيده، وقولت بصوت هادئ وقوي:
— أبويا مات من سنين يا أحمد بيه… يوم ما رمانا في الشارع وراح يرضي مراته التانية. اللي واقف قدامي ده واحد غريب، والقانون هو اللي هيعرفه حجمه الحقيقي.
سبته ورايا واقف في الممر، وطلعت بره لقتني ماما مستنياني في العربية، فتحت لي الباب وخدتني في حضنها وهي بتقُول:
— حقنا رجع يا بني.. وعمر التعب ما بيضيع عند ربنا.
ركبت جنبها، ولأول مرة حسيت إننا خلصنا من بح الماضي نهائياً، وإن بكرة بيكتب لينا بداية جديدة نضيفة، مفيهاش خوف، ولا طمع، ولا كدب.



